ملفات » العلاقات السعودية الاسرائيلية

هل تفرض أمريكا التطبيع قسرًا على السّعودية؟

في 2024/01/26

(أحمد شوقي \ راصد الخليج) 

عقب تولّي الرئيس الأميركي "جوزيف بايدن" الرئاسة وتولّي إدارة الولايات المتحدة، وعقب ما بدا توتر وقطيعة في العلاقات السّعودية مع الإدارة الأمريكية، ساد في الأوساط التحليلية طرح يتفاءل بهامش للاستقلالية في العلاقات، وخاصة مع تصريحات ولّي العهد "محمّد بن سلمان" وتحركات لافتة باتجاه روسيا والصين، فسّرها بعضهم التفاتة أو على الأقل تنويعًا في العلاقات مع الدول الكبرى.

لكن سرعان ما تبيّن أنّ السياسات السّعودية في الملفات الرئيسة الكبرى لا تخرج عن الفلك الأمريكي، وهو بطبيعة الحال ما يتسق مع التحالف الاستراتيجي التاريخي والعضوي بين المملكة وأمريكا، والتي تمتلك السيطرة على الهيكل الأمني والعسكري الرئيسي في المملكة. ولا يستطيع الشعب الخليجي، والسّعودي تحديدًا، نسيان تصريحات الرئيس السابق "دونالد ترامب" حينما قال إنّه حذّر الملك السّعودي "سلمان بن عبد العزيز" بعدم بقائه في السلطة "أسبوعين" من دون الدعم العسكري للولايات المتحدة،" ولا ينسى أحد تقرير وكالة رويترز، والذي نقل عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس "ترامب" هدّد ولّي العهد السّعودي بوقف الدعم العسكري الأمريكي للمملكة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الادارات الأمريكية لا تعدو كونها واجهات لدولة أمريكية عميقة تقود الهيمنة، وما تنوّع السياسات بين العصا والجزرة إلّا إطار إستراتيجي وجيوسياسي واحد تعمل تحته مختلف الحكومات الأميركية. والدليل على ذلك أن ملف التطبيع بين السّعودية و"إسرائيل"، والذي كان يقوده "جاريد كوشنر" في عهد الرئيس "ترامب"، ظل مفتوحًا في عهد الرئيس "بايدن" مع تغيّر الوجوه، فقد استمر برعاية منسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط "بريت ماكغورك".

ومؤخرًا، تحدثت صحيفة "هافينغتون" بوست عن التحضير للطلب من "بايدن" بإقالة منسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط "بريت ماكغورك"، وأنّ هذه الفكرة تناقشها مجموعة من أعضاء الكونغرس يمثّلون الحزب الديمقراطي. والسّبب يعود إلى الحرب في قطاع غزة؛ حيث ينتقدون المنسّق الذي بدأ حياته المهنية في عهد "جورج دبليو بوش" (الابن)، والذي يمتلك تأثيرًا كبيرًا في دعم الزعيم الأميركي الحالي، بل ويشكّل صورته الإعلامية. والذي يعدّ مهندسًا لمبادرة "بايدن" الرئيسة في المنطقة، وهي التطبيع السّعودي- الإسرائيلي.

يقول منتقدو "ماكغورك" إنّه ركّز، بشكل خاطئ، سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على تعميق العلاقات مع المملكة العربية السّعودية، وهذا المسار يقوّض سلطة البيت الأبيض، لأنّ المملكة تتجاهل بشكل واضح دعوات واشنطن- على سبيل المثال- للحدّ من التفاعل مع روسيا أو مراعاة موقفها من مسألة إنتاج النفط. وفي الأسابيع الأخيرة، أطلق "ماكغورك" مناقشات مشتركة بين الوكالات حول سيناريو يربط مستقبل غزة بعد نهاية الحرب باتفاق تطبيع محتمل بين "إسرائيل" والمملكة العربية السّعودية. لكنّ الرياض نفسها تطرح الآن مطالب متطرفة مقابل التطبيع، وتتعلق بإنشاء دولة فلسطينيّة.
كما قالت التقارير إنّ مفهوم التوصل إلى اتفاق رسمي بين المملكة العربية السّعودية و"إسرائيل "على خلفية الحرب في غزة لا يبدو قابلًا للتطبيق من الناحية السياسية. 

في هذا الصدد؛ يمكن فهم أنّ الانتقادات من أعضاء الكونجرس تدخل نطاق الانتقادات الشخصية وانتقاد الأسلوب الدبلوماسي لــــ"ماكغورك"، وليست انتقادات بالطبع لملف التطبيع. ويبدو أن المطلوب أميركيًا هو فرض التطبيع بمعزل عمّا يحدث في غزة.
والملفت أنّ التصريحات السعودية لا نفي ثبات المملكة وتمسّكها بالتطبيع، ويمكن هنا الإشارة الى تصريحين ملفتين:

أولاً: قال سفير السعودية في بريطانيا الأمير خالد بن بندر إنّ بلاده مهتمة بتطبيع العلاقات مع "إسرائيل" بعد حرب غزة، ولكن أي اتفاق للتطبيع "لا بدّ أن يؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية". وكشف هذا الأمير، في تصريح لمحطة "بي بي سي"، أن الاتفاق كان "وشيكًا" عندما علقت السعودية المحادثات بوساطة أمريكية، إثر الحرب الإسرائيلية على غزة، مضيفًا أن السعودية ما تزال تؤمن بإقامة علاقات مع "إسرائيل"، على الرغم من الخسائر الفادحة في الأرواح في غزة، ولكنّه قال إنّ ذلك لا ينبغي أن يكون "على حساب الشعب الفلسطيني".

ثانيا: قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود إنه لن يكون هناك تطبيع بين المملكة وإسرائيل، من دون مسار واضح وموثوق نحو إقامة دولة فلسطينية. وشدّد الوزير، في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأميركية، على ضرورة وقف "المذبحة" المستمرة بحق المدنيين في قطاع غزة. وهو ما يعني أنّ السعودية باقية على هذا الخيار، وهوما يعني أيضًا أن هناك استعجال أمريكي للتطبيع قبل نهاية الحرب أو بمعزل عن سيرها، بل وربما شرطًا  لأي وعود أميركية باستئناف مسار حلّ الدولتين!

ربما يفهم من الدعوات لتغيير "ماكغورك" او من مؤشرات احتمال عودة إدارة "ترامب"، أن السياسة العميقة الأميركية باتت تنظر لفرض ملف التطبيع بين السعودية و"إسرائيل" بشكل قسري، من دون ربطه بالحرب في غزة، وهو ما يستدعي سؤالاً حول مدى صمود الإدارة السعودية، وتحديدًا صمود ولي العهد أمام هذه التطورات.