دعوة » فتاوى

البحث عن الخطأ فريضة

في 2015/09/08

د. عارف الشيخ- الخليج-

هناك مثل يقول: «لولا الخطأ لما وجد الصواب»، أو «لولا الشر لما وجد الخير»، ولو فكرت قليلاً في هذا المثل، لوجدت المعنى صحيحاً، لأنه كما يقال: وبضدها تتميز الأشياء ، فلولا الظلام لما عرف قدر النور.

لكن هذا لا يعني أن نبقى في الظلام ولا نبحث عن النور، أو نبقى على الخطأ ولا نسعى إلى تصحيحه، ولا سيما إذا كان الخطأ يتعلق بأمر من أمور ديننا، أو يترتب عليه ضياع حق من حقوق الناس.

ورضي الله عن حذيفة بن اليمان حينما قال: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألون النبي عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه».

وعندما قيل لعمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه: «فلان لا يعرف الشر»، قال: «هو أجدر أن يقع فيه»، ولذلك أخذ الشاعر من هذه الرواية فقال:

عرفت الشر لا للشر

لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر

من الناس وقع فيه

وهناك الكثير من العلماء المشتغلين بالفتيا، لا يخالطون الناس ولا يتابعون مستجدات العصر، فيفتون بعيداً عن الواقع، ويبنون فتاويهم على ما حدث في القرن الأول من الهجرة، فلا تعالج فتاواهم مشكلات العصر.

وهناك من يدرس الأصول والأمهات من الكتب، ثم يستخدم حواسه لفهم العصر، فيفتي عند ذلك بناء على فهم الواقع المعاصر، فالمفتي صحيح أنه لا ينبغي أن يفصّل حكمه على ما يريده الناس، لكن في الوقت نفسه، ينبغي أن يعيش واقع الناس، فيعالج المشكلة بفهم معاصر، لذلك فإن الفقهاء المتنورين قالوا: «ينبغي أن تتغير الأحكام بتغير الأزمان».

من هنا فإن الإمام الشافعي بعد أن عاش عقدين من الزمن في العراق، وملأ الدنيا بفتاويه، فإنه عندما ذهب إلى مصر تغيرت نظرته إلى كثير من المسائل، فصارت عنده فتاوى جديدة حتى في المسائل التي كان قد أفتى فيها.

فالرجوع إلى الحق فضيلة، وتصحيح الخطأ مطلب شرعي، ولا سيما أن الفتوى اجتهاد من المفتي، والاجتهاد له وجهان، فإن أصاب كان له أجران، وإن أخطأ كان له أجر واحد، ولو تبين له أنه أخطأ وجب عليه التصحيح.

 

نعم.. الرجوع عن الخطأ يحتاج إلى الجرأة ، لكن لو فكر الإنسان في أنه لو بقي على خطئه لعدّ ذلك جرأة أكبر ليست في مصلحته لعاد إلى ربه وتاب سواء كان عالماً أو فرداً عادياً ارتكب خطأ في حق نفسه.

ولمن سألني: كيف أبحث عن الخطأ وأتتبع سقطات الناس، وفي ذلك جرم عند الله عظيم؟ أقول: هذا لو كان من باب الغيبة والنميمة وكشف أسرار الناس، ولكن عندما يكون الخطأ قاعدة عند الناس، يتعاملون معها فيما بينهم، فإن البحث عن الخطأ وتصحيحه يكون قاعدة فقهية أيضاً يجب اتباعها.

فالوقوع في الخطأ والخطيئة لا مفر منه ، لكن الرجوع عنه والتوبة عن الخطيئة هي المطلوب، ففي الحديث: «لولا أنكم تذنبون فتستغفرون فيغفر الله لكم، لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم» (رواه مسلم) وورد أيضاً: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون» (رواه الترمذي وابن ماجه).