دول » قطر

بين قطر والإمارات.. دولة تدعم السلام وأخرى تساند مليشيات وتنشر الدمار

في 2020/03/04

الخليج أونلاين-

"حين تجد الحروب والقتل تجد اسم الإمارات"، بات هذا الانطباع يلاحق أبوظبي بسبب دعمها للمتمردين الذين ينشرون التوتر وعدم الاستقرار والثورات المضادة في الدول العربية، وفقاً لحقائق دامغة، وتأكيدات أممية.

وعلى النقيض تماماً، تعطي دولة قطر الأولوية في سياستها الخارجية لنزع فتيل الأزمات الدولية ووقف الحروب، والتي توجت أخيراً بتوقيع اتفاق تاريخي بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة تمهيداً لإنهاء حرب استمرت 19 عاماً.

ولم يرق للإمارات التي شاركت السعودية والبحرين ومصر بحصار قطر منذ يونيو 2017، أن ترى الدوحة بمكان بارز بين دول العالم، وخصوصاً في ملف حل الصراعات.

دبلوماسية قطر

كانت آخر ثمار الدبلوماسية القطرية الناجحة هو توقيع الولايات المتحدة وحركة طالبان على اتفاق يقضي بإنهاء الحرب بينهما، السبت (29 فبراير)، في العاصمة الدوحة.

وعملت قطر على إنجاح المفاوضات بين الطرفين، من خلال جولات عديدة استضافتها منذ العام الماضي، وتُوجت بهدنة جزئية مهَّدت للتوصل إلى اتفاق يفتح الطريق لإنهاء الحرب.

في المقابل، كان للإمارات دور تخريبي في هذه المفاوضات، وفقاً لما كشفه السياسي الأفغاني عبد الرحيم الحنفي، عن أنها طلبت من قادة حركة طالبان نقل مكتبهم السياسي من العاصمة القطرية الدوحة إلى أبوظبي، في أثناء المفاوضات مع الولايات المتحدة.

ومارست الإمارات ضغوطاً على حركة طالبان، وفق حديث الحنفي لـ"الخليج أونلاين"، في محاولة لإخضاعها للتخلي عن شروطها في أثناء المفاوضات التي كانت تقودها.

كما أحدثت الإمارات المشاكل خلال عقد طالبان جلسات تفاوض مع الأمريكيين في أبوظبي في 2018، بحسب حديث الحنفي.

وعرف عن قطر دورها البارز في الوساطات الدولية لحل الصراعات تعود لسنين طويلة؛ من أبرزها استضافة الدوحة جولات للوساطة بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، في 2007 و2008؛ للتخفيف من حدَّة التصعيد ووقف أي حرب مستقبلية.

ونجحت الدبلوماسية القطرية في وقف العنف والقتال بدارفور جنوب السودان، إذ احتفلت الدوحة، في مايو 2011، باتفاقية سلام دارفور التي أرست دعائم الأمن والاستقرار هناك.

وكانت المبادرة القطرية أكثر الأساليب فاعلية واصطباراً على التفاوض الصعب، فقد استضافت الدوحة المتحاورين أكثر من عامين، إلى أن تكللت جهودها بالاتفاقية المسماة "وثيقة الدوحة للسلام"، وكانت نتاج حوار شارك فيه مئات من أهل المصلحة.

فلسطين وأفريقيا

في الشأن الفلسطيني، كان الدور القطري حاضراً لإنهاء الانقسام السياسي الداخلي بين حركتي "فتح" و"حماس".

واستقبلت الدوحة وفوداً من الطرفين خلال 2012، نتج عنها توقيع الحركتين، في 6 فبراير 2012، اتفاقاً يهدف إلى تسريع وتيرة المصالحة الوطنية بينهما.

وخلال الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، كان للدوحة دور بارز في التوصل إلى تهدئة بين الفصائل الفلسطينية و"إسرائيل".

وفي أفريقيا كان الثقل السياسي القطري حاضراً من خلال التوسط لإطلاق أسرى جيبوتيين، ضمن وساطة بين جيبوتي وإرتريا، ليعود الأسرى إلى بلدهم برفقة وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على متن طائرة خاصة، في مارس 2016.

وعلى العكس تماماً كان للإمارات دور تخريبي في القضية الفلسطينية؛ من خلال استضافتها للقيادي المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان، وتعيينه مستشاراً لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، إضافة إلى قيامها بحملة ضد الفلسطينيين في بلادها وطرد العديد منهم.

وساطات في سوريا ولبنان

قادت الدبلوماسية القطرية وساطة في سوريا ولبنان في مارس 2014، أسفرت  عن الإفراج عن 13 راهبة كنَّ محتجزات في شمالي سوريا، مقابل إطلاق سراح أكثر من 153 معتقلة سورية من سجون النظام السوري.

وقالت وكالة الأنباء القطرية الرسمية في حينها: إنه "بتوجيهات من أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قامت الأجهزة المعنية في الدولة بجهود حثيثة، منذ شهر ديسمبر 2013، للتوسط من أجل إطلاق سراح راهبات معلولا؛ إيماناً منه بمبادئ الإنسانية، وحرصه على حياة الأفراد وحقهم في الحرية والكرامة"، في المقابل تتهم الإمارات بدعم مليشيات مسلحة داخل سوريا متهمة بنشر القتل.

وفي لبنان، كانت قطر حاضرة بقوة من خلال تحقيق صفقة تبادل بين الجيش اللبناني و"جبهة النصرة" في سوريا، إذ عملت الدوحة على تنفيذ صفقة أسرى أسفرت عن الإفراج عن 16 جندياً لبنانياً، في ديسمبر 2015، مقابل إفراج الحكومة اللبنانية عن 25 سجيناً، طالبت "النصرة" بإطلاق سراحهم، بينهم 17 امرأة.

دور ناجح في ليبيا

وفي صحراء ليبيا، تمكنت قطر من أداء دور وساطة ناجحة بين قبائل التبو والطوارق، ففي 23 نوفمبر 2015، تم في الدوحة توقيع اتفاق سلام بين القبيلتين، بعد مفاوضات استمرت أربعة أيام برعاية قطرية.

ونص الاتفاق على وقف نهائي لإطلاق النار بين الطرفين، وعودة النازحين والمهجَّرين من أهالي مدينة "أوباري" إلى ديارهم، وفتح الطريق العام إلى "أوباري"، وإنهاء المظاهر المسلحة كافة في المدينة.

ولم تكن تلك الوساطة هي الوحيدة لقطر في ليبيا، إذ أسهمت جهود الدوحة في إنهاء أزمة الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات، عقب صفقة أُفرج بموجبها عن هؤلاء، بعد ثماني سنوات قضوها بالسجن، في 2007.

وأكد الرئيس الفرنسي في وقتها، نيكولا ساركوزي، أهمية الوساطة القطرية والمساعدات التي قدمتها حكومة قطر في هذه القضية.

في المقابل جلبت الإمارات في ليبيا خراباً، حيث كشفت صحيفة "إنتلجنس أونلاين" المعنية بشؤون الاستخبارات أن حجم المعدات العسكرية التي زوَّد بها ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، الجنرال المتمرد خليفة حفتر، بلغت 3 آلاف طن خلال 14 يوماً فقط.

كذلك رُصد كثير من التعزيزات الإماراتية جواً وبراً على الحدود المصرية، في حين تشير وسائل إعلام دولية إلى احتمال أن تكون طائرات الشحن الإماراتية محمَّلة بتعزيزات عسكرية وعناصر مرتزقة دعماً لقوات حفتر.

ويقول الدكتور حافظ الغويل، عضو معهد السياسات بجامعة "جون هوبكنز" الأمريكية، في تصريح سابق لـ"الخليج أونلاين": إن "الإمارات لا تمانع دفع أموال واستعمال المرتزقة في حروب الوكالة هذه، لكنها لا تستطيع أن تتحمل قتل جنود إماراتيين، وهو ما حدث في اليمن".

كما يرى "الغويل" أن الدور الإماراتي لم ينتهِ في المنطقة عند هذا الحد، بل وجدت في ليبيا أرضاً خصبة لمشروعها الطامح في المنطقة، فسارعت للتوجه لدعم قوات الانقلابي خليفة حفتر، قائد ما يسمى بجيش الكرامة الليبي، ومساعدته سياسياً وإعلامياً، بل وتجنيد مرتزقة من السودان وتشاد وبعض المناطق الأخرى ليخوضوا حرباً بالوكالة في ليبيا".

عضو معهد السياسات بجامعة هوبكنز قال: إن "تقارير عدة كشفت إغراء شركات أمنية إماراتية لمجموعات من السودانيين والتغرير بهم عبر إغرائهم بالعمل في الإمارات، لكنهم وجودوا أنفسهم في حرب على التراب الليبية".

تقارير أخرى تقول إن "الإمارات دفعت تكاليف شركة فاغنر الروسية التي أرسلت ما يزيد على 2000 عنصر من المرتزقة الروس للقتال في صفوف حفتر، وذلك لتحقيق أطماعها في الموانئ الليبية، لما لها من أهمية خاصة في خطوط الملاحة شرق المتوسط، وربطها بين القارة الأفريقية وأوروبا، فالإمارات ترى أنها الأولى بهذه الموانئ قبل أن تُستثمر لصالح حكومة الوفاق أو شركات أوروبية، كما هو اتفاقها مع حفتر"، بحسب الغويل.

وأمام تجاوزات الإمارات في ليبيا، بدأ أهالي ضحايا ليبيين رفع دعاوى قضائية ضد اللواء المتمرد حفتر والإمارات التي تدعمه عسكرياً؛ وذلك بتهمة ارتكاب جرائم حرب وانتهاك حقوق الإنسان، ومطالبتهم بتعويض مالي تصل قيمته إلى مليار دولار أمريكي.

بين واشنطن وطهران

في أخطر الأزمات التي مر بها الشرق الأوسط مؤخراً؛ نتيجة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، الذي تفاقم باغتيال قائد فيلق القدس بـ"الحرس الثوري"، قاسم سليماني، مطلع يناير 2020، وردِّ الإيرانيين بقصف مقار أمريكية في العراق، برزت قطر بدور الوسيط من أجل تخفيف حدة التوتر والوصول إلى الهدوء وإنهاء الخلافات.

وشهدت المنطقة نشاطاً دبلوماسياً قطرياً تمثل بأول زيارة يجريها أمير قطر لإيران منذ توليه منصبه في عام 2013، وسط استقبال رسمي بارز، كان على رأسه الرئيس الإيراني حسن روحاني.

وجاء ضمن دور الوساطة هذا اجتماع وزير الخارجية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن، مع مسؤولين عراقيين.

حرب اليمن

في حرب اليمن المستمرة، التي تقود الإمارات والسعودية تحالفاً فيها، كان لقطر دور إنساني مغاير لآلات القتل من قادة تلك الدول، إذ قدّمت الدوحة، عام 2018، منحة طبية لمستشفيات اليمن بقيمة 7.3 ملايين ريال قطري (مليونَي دولار أمريكي)، من خلال اتفاقية مع صندوق اليمن الإنساني التابع لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، والهلال الأحمر القطري.

وتستهدف المنحة تقديم خدمات الرعاية الصحية المنقذة للحياة في محافظتي تعز والضالع اليمنيتين، وتشمل توفير الأدوية الأساسية والطارئة للمرافق الصحية، وتوريد النواقص من المعدات والأجهزة الطبية، وتأهيل الفرق الطبية، وتوفير الوقود والمياه، وتيسير وسائل نقل الحالات الطارئة، وتنظيم جلسات توعية صحية مجتمعية عبر مختصي التثقيف الصحي، وفق الصحيفة.

وتأتي هذه المنحة الإنسانية بهدف مساعدة المجتمع المحلي الأكثر ضعفاً وعرضة للأزمات الصحية، في ظل تدهور القطاع الصحي في المناطق المستهدفة، واستجابةً لهذه الأزمة الإنسانية.

في المقابل، ترتكب الإمارات انتهاكات ترتقي لمستوى جرائم حرب وفق مؤسسات حقوقية، حيث أقامت سجوناً سرية عذبت فيها آلاف اليمنيين، ومنهم من مات تحت التعذيب، إضافة إلى دعم مليشيات مصنفة أنها إرهابية، والتي قامت بدورها بتنفيذ عمليات اغتيالات واسعة لصفوف القادة اليمنيين، وحاربت السلطات الشرعية.

وكشفت منظمة "رايتس رادار" لحقوق الإنسان في العالم العربي، ومقرها أمستردام، عن رصدها 134 حالة اغتيال في مدينة عدن، منذ سبتمبر 2014 إلى يوليو 2019، تليها تعز حيث تنشط جماعة "أبو العباس" الموالية للإمارات، بـ113.

وقالت المنظمة إنها رصدت أيضاً حالات اغتيال في أبين ولحج 32 حالة لكل منهما، وحضرموت 27، وشبوة 17، والضالع 16، وهي مناطق تقع جميعها تحت سيطرة قوات موالية للإمارات.

وذكرت المعلومات اختفاء نحو 2000 يمني في السجون، كما اتهم فريق من خبراء الأمم المتحدة قوات الإمارات في اليمن بالمسؤولية إزاء أعمال التعذيب.

وفي وقت سابق نشر "الخليج أونلاين" وثيقة حصل عليها تؤكد تصفية 23 معتقلاً يمنياً داخل السجون السرية الإماراتية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن.

الثورات المضادة

عرف عن الإمارات بأنها عدو ثورات الشعوب، وكانت أبرز الأنظمة التي دعمتها بهدف إجهاض الثورات في بلادهم هي مصر ، فمنذ انقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي، على الرئيس الراحل محمد مرسي، في يوليو 2013، كانت أبوظبي في طليعة داعمي نظام السيسي، سياسياً ومالياً، فمدّت له يدها بالمال وحرّكت دبلوماسييها لدعم انقلابه في الغرب، فضلاً عن الأحاديث المتواترة بشأن دورها القوي في الترتيب للانقلاب.

ويؤكد مراقبون مصريون أن الإمارات هي من موّلت حركة تمرّد (التي قادت التظاهرات ضد مرسي عام 2013)، وجميع الاضطرابات قبل أحداث 30 يونيو (التي اتخذها السيسي ذريعة للانقلاب)".

كما تتهم الإمارات بدعم الانقلاب الفاشل ضد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في يوليو 2016، من خلال وجود دور بارز لدحلان، الذي أصدرت أنقرة مذكرة حمراء ضده، ورصدت مكافأة مالية قدرها 4 ملايين ليرة تركية (700 ألف دولار أمريكي) مقابل القبض عليه أو المساهمة في إلقاء القبض عليه.

وتشير تركيا إلى أن لدحلان دوراً في محاولة الانقلاب الفاشلة التي تتهم "تنظيم غولن" بالوقوف خلفها؛ وذلك بتنظيمه ورعايته لتلك المحاولة الانقلابية، كما عرف عن المسؤول الأمني السابق في السلطة الفلسطينية بأنه تزعم الكثير من الثورات المضادة انطلاقاً من مصر وصولاً إلى ليبيا وبدعم وتوجيه إماراتي.

وسبق أن اتهمت تركيا الإمارات بإنفاق 3 مليارات دولار، دعماً لانقلاب فاشل وقع في يونيو عام 2016.

وتورُّط دحلان في الكثير من الملفات الساخنة والدامية بالمنطقة، وخاصةً تلك التي تكون لدولة الإمارات يد فيها، وضع الكثير من علامات الاستفهام حول دوره الأمني والاستخباراتي في خدمة حكام تلك الدولة الخليجية.

وعلى النقيض، تتميز العلاقات التركية - القطرية الحالية بتقارب فريد وتكاتف في الأزمات، حيث لم تخفِ القيادة التركية مساندة الدوحة لها لدى وقوع الانقلاب الفاشل، وهو ما ردته أنقرة بمساندة الدوحة في أعقاب الحصار الذي فُرض على قطر في يونيو 2017.