اقتصاد » تطوير بنى

عقود من الاستثمار.. ما أهمية "صندوق الأجيال القادمة" بالكويت؟

في 2020/01/22

الخليج أونلاين-

أجرت وزارة المالية الكويتية، في 15 أكتوبر 2017، عملية تحويل لنحو 702.9 ملايين دينار (2.33 مليار دولار) إلى ما يعرف بـ"صندوق الأجيال القادمة" خلال النصف الأول (حتى سبتمبر الماضي) من السنة المالية 2017 - 2018، رغم أن الموازنة العامة قد سجلت عجزاً بقيمة 1.94 مليار دينار (6.43 مليارات دولار).

الوزارة قالت في بيان لها إن الإيرادات النفطية قد سجلت 6.36 مليارات دينار (21 مليار دولار) في النصف الأول، في حين بلغت الضرائب المحصلة 228 مليون دينار (756 مليون دولار).

سجلت الميزانية الكويتية عجزاً بقيمة 2.27 مليار دينار (7.51 مليارات دولار) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2019 – 2020، إلا أن جزءاً من هذا العجز سببه "صندوق الأجيال القادمة" الذي يعنى بمستقبل البلاد الاقتصادي.

فرغم العجز، أضافت الحكومة الكويتية مبلغاً قدره 1.26 مليار دينار (4.2 مليارات دولار) إلى صندوق الأجيال القادمة، فماذا يعني هذا الصندوق الذي أُسس منذ أكثر من 40 عاماً؟

تأسيس الصندوق

أُسس صندوق الأجيال القادمة في عام 1976، وهدفه الأساسي هو الاستثمار في الأسهم العالمية والعقارات لمصلحة أجيال المستقبل في الكويت، بتحويل 50% من رصيد صندوق الاحتياطي العام الذي أنشئ عام 1953، إضافة إلى إيداع ما لا يقل عن 10% من جميع إيرادات الدولة السنوية في الصندوق، لإعادة استثمار العائد من الإيرادات.

وصدر مرسوم إنشاء الصندوق بالقانون المرقم (106 لسنة 1976) بشأن احتياطي الأجيال القادمة في عهد الشيخ الراحل جابر الأحمد الصباح، عندما كان ولياً للعهد بحيث تقتطع سنوياً ابتداء من السنة المالية 1976 - 1977 نسبة قدرها 10% من الإيرادات العامة للدولة، ويتم استثمار الرصيد ويضاف عائد استثماراتها إلى هذا الحساب. وفي عام 2013 تم تغيير نسبة الخصم من الإيرادات، حيث أصبحت 25% بدلاً من 10%.

وتهدف الكويت من إنشاء الصندوق إلى تأمين مستقبل أجيال البلاد القادمة، لأن إيرادات النفط تمثل المصدر الأساسي للدولة، وتعد من الموارد القابلة للنضوب؛ لذا وجب على الدولة تأمين حياة أجيال المستقبل، وشرعت في تأسيس صندوق استثماري أطلقت عليه صندوق الأجيال القادمة.

ويتكون "صندوق الأجيال القادمة" من استثمارات تتم خارج الكويت على أساس استراتيجية معتمدة لتوزيع الأصول في فئات أصول مختلفة، في حين تستند عملية توزيع الأصول في الهيئة إلى مساهمات الناتج المحلي الإجمالي العالمي والرسملة السوقية، فضلاً عن عوامل مختلفة أخرى مثل قوانين الاستثمار (ومن ذلك الأنظمة الضريبية) وإمكانات النمو المستقبلية.

رصيد متراكم

يدير صندوق الأجيال هيئة الاستثمار عن طريق استثمار الرصيد في شراء الأسهم والعقارات لأجل تنمية الرصيد فيه، إلا أنه تعرض لخسائر وسحوبات طفيفة أثناء حرب الخليج الثانية عام 1990 - 1991.

وقدرت الكويت حجم الاحتياطات بأكثر من 100 مليار دولار قبل حرب الخليج الثانية، إلا أن تلك الأموال تعرضت لعمليات سحب خلال السنوات الأولى من حرب الخليج الثانية، وقبلها من مديري مكتب الاستثمار.

وساهم الصندوق في تمويل حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي آنذاك، وتمويل الميزانية العامة للدولة، لا سيما بعد أن أحرقت القوات العراقية آبار النفط إبان اجتياحها البلاد، وبقيت الكويت من دون مورد مالي أكثر من عامين، ولجأت الحكومة آنذاك إلى صندوق الأجيال لتمويل احتياجاتها.

وخلال 38 عاماً، ارتفع رصيد الصندوق؛ ففي العام 1999 ارتفع إلى (37 مليار دينار) وفي العام 2008 (57.9 مليار دينار)، لكنه في العام 2009 انخفض إلى (48.4 مليار دينار) وفي عام 2012 عاود الصعود إلى (73.63 مليار دينار) وفي عام 2014 ارتفع إلى (160 مليار دينار).

خسائر

فتح ملف انخفاض أسعار النفط الأعين على الصندوق السيادي الكويتي في ظل عجز سجلته البلاد لأول مرة منذ 16 عاماً، فقد بدأت الأجيال الحالية دفع تكلفة هذا العجز من خلال رفع الدعم والضرائب، فيما تستمر البلاد في استقطاع 25% من إيراداتها سنوياً وتحولها لصندوق الأجيال القادمة، ويتم استبعاد صندوق الاحتياطي العام والدخل من استثمارات الاحتياطي من الميزانية، ما يخلق عجزاً غير حقيقي فيها، حسبما تذكر صحيفة "الأنباء" الكويتية.

وتعرض الصندوق لعدد من الخسائر المتتالية، ففي العام 2004، اضطرت الكويت إلى بيع بعض أصولها، منها مجموعة أتوبار (مجموعة شركات أوروبية مملوكة جميعها للكويت)، وباعت نصيبها في شركة جوكو، كما تعرض الصندوق للخسارة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث انخفضت قيمة الأصول والأسهم بسبب الأزمة العالمية.

وفي ظل التراجع الكبير في أسعار النفط وإطلاق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، تُثار العديد من التساؤلات حول إمكانية استمرار دولة الكويت في استقطاع 25% من إيرادات الدولة لحساب الصندوق، أو أن تجري عمليات مراجعة وترجعها إلى نسبة 10% المحددة وفق المرسوم الأميري عام 1976.

وتعطي الكويت 90% من ثروتها للأجيال الحالية، وترى أنه من حق الأجيال القادمة أن تحصل على 10% من الإيرادات الحالية، بحسب أنس الصالح وزير المالية الكويتي.

الكويت الأولى عالمياً

رغم أن الكويت هي الأولى عالمياً في تطبيق فكرة الصناديق السيادية، فإن مرور أكثر من 60 عاماً لم يفلح في إنقاذ استدامة المالية العامة التي ما زالت تعتمد على النفط كمورد أساسي، بينما يتم استبعاد احتياطيات الصندوقين ودخل استثماراتهما من الميزانية.

لكن في المقابل يقول بعض الخبراء والمختصين إن هناك تجارب عالمية ظهرت لاحقاً ونجحت في الاعتماد فقط على دخل الاستثمارات في تمويل ميزانيتها، وهو ما حماها من تقلبات أسعار النفط.

وفي هذا الصدد، يشير رئيس شركة "الشال" للاستشارات الاقتصادية، جاسم السعدون، إلى تجربة النرويج قائلاً: "في العام 1976 قررت استوكهولم ألا تنفق من النفط إلا 4% للنفقات العامة، لأنهم يعتقدون أن ذلك حق لأجيال لا نهائية قادمة، وهو تفكير بالدولة المستمرة والقوية"، مشيراً إلى أن تلك السياسة المالية هي عكس السياسات التي تتبعها البلدان العربية على غرار: "حياتي وبعدي جهنم"، أي يجب التركيز على الوضع الحالي بعيداً عن المستقبل.

انتقاد ومخاطر

تعتبر الكويت صندوق الأجيال المقبلة، هو مستثمر طويل الأجل في الأسهم والسندات والملكيات الخاصة والعقارات، رغم أن هناك خبراء ومراقبين يقولون إن ذلك قد يعرض أموال الصندوق لتقلبات الأسواق العالمية والدورات الاقتصادية.

وتقدر ثروة الصندوق السيادي للكويت بـ600 مليار دولار، يعود نحو ثلثها إلى صندوق الأجيال والباقي للاحتياطي العام. وحالياً يتم استبعاد الدخل الناتج عن الاحتياطي العام وصندوق الأجيال المقبلة من الميزانية، وهو أمر يخلق عجزاً غير حقيقي فيها، بحسب مراقبين.

ووفقاً لتقرير صادر عن "إدارة الطاقة الأمريكية"، فإن احتياطات الأموال الكويتية المستثمرة في الصندوق بلغت نحو 60 مليار دولار، وتجري "هيئة الاستثمار الكويتية" عملية توظيف أموال الصندوق في الأسهم العالمية وسندات الخزينة والعقارات والأدوات المالية الأخرى.

وساهم ارتفاع أسعار النفط بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 في بناء الاحتياطات الكويتية مجدداً، كما أن تحسن أسعار النفط جعل الحكومة لا تلجأ إلى الصندوق في تغطية العجز في النفقات، لكن انخفاض أسعار النفط مجدداً منذ عام 2014 جعل فكرة اللجوء إلى الصندوق لحل أزمة الديون والاستعانة به لسدادها خياراً مطروحاً.