دول » قطر

الِقْطِّري ثم الِقْطِّري ثم الِقْطِّري

في 2016/05/16

 يعيش القطريون ولله الحمد في رغد وحياة كريمة، في كنف قيادة حكيمة، جعلت من المواطن أولوية باعتباره محور التنمية، ولكون الاستثمار فيه هو استثمار في المستقبل.

لم تبخل الدولة والقيادة الرشيدة على مواطنيها بشيء، فوفرت لهم كل متطلبات حياتهم المعيشية في المأكل والمسكن والصحة والرياضة والتعليم والثقافة والشؤون الاجتماعية وغيرها، الأمر الذي أصبحت معه قطر دولة رائدة ومتقدمة في هذه المجالات الحيوية والحياتية المهمة.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه، هو ما إذا كان المواطن القطري يستفيد بشكل كامل وبأريحية من هذه الخدمات والمرافق في ظل هذه الكثافة السكانية والتي تضاعفت خلال سنوات بسيطة بشكل كبير، حتى أصبحت الخدمات التي يحصل عليها تعد معاناة كبيرة له وتسبب له ضغوطاً كبيرة ولأسرته من ازدحام كبير وخدمات بلدية وكهرباء وماء وغيرها وبالأخص وهي الشغل الشاغل وتحديداً قطاعي الصحة والتعليم.

فهل يعقل أن ينتظر مريض قطري في عيادات الطوارئ لفترة ليست بالقصيرة وهو ينزف ويتألم أو يعاني مثلاً من ضغط حاد ومفاجئ، في وقت تعج فيه هذه العيادات بمراجعين من جنسيات أخرى قد تكون حالاتهم ليست عاجلة ومستعجلة ؟

وهل يعقل أن يقرر الطبيب المختص إدخال مريض قطري، دون أن يتوفر له سرير في ذات الوقت، أو حتى بالإيجار في الغرف الفندقية ؟ ويستمر بالأيام والأيام بالطوارئ حتى يجد له سريراً بالمستشفى وليس غرفة.
هل يعقل أن يجيء مواطن للمستشفى قبل موعده بمدة كافية ويظل يبحث ويدور لساعات عن موقف لسيارته ؟
ثم إذا تطرقنا لمستشفى إسبيتار للطب الرياضي وجراحات العظام، كم قطري بالفعل يستفيد من خدمات هذا المستشفى الذي اعتبره الاتحاد الدولي لكرة القدم « فيفا» من أفضل مستشفيات العالم في مجال تخصصه ؟
نحن نفتخر أن هيأت لنا الدولة مشكورة هذا الصرح الطبي الرياضي العالمي، لكن ما هي نسبة القطريين الذين يستفيدون منه ؟

هل عمل هذا الصرح للدعاية فقط خارجياً أم للاعبين فقط مهما كانت جنسياتهم .. يأتي للمستشفى لاعبون من الخارج من أوروبا ودول أخرى، ولا نستفيد منه نحن في قطر بالصورة المثلى التي نطمح إليها وهو صرح طبي يعج بأفضل الأطباء والطاقم التمريضي.

نريده أن يكون مستشفى للرياضيين والقطريين خاصة كبار السن ممن يعانون مشاكل عديدة في العظام والمفاصل والغضروف وغيرها. لدينا آباء وأمهات عانوا من قبل عندما لم تكن الأمور كما هي عليه الآن ولله الحمد، فهل يعقل أن نتركهم الآن يعانون؟، نعم يوجد مستشفى للعظام ولكنه لا يكفي، ومن حق القطري أن يستفيد من إسبيتار، لماذا لا نفتح لهم مرافق مستشفى إسبيتار ليتعالجوا فيه مع غيرهم من الرياضيين، أليس هم أولى من غيرهم حتى لو كان المستشفى مخصصاً للرياضيين، وأعتقد أن إسبيتار بمرافقه وخدماته، يفيض عن حاجة الرياضيين اليومية مما يستدعي إتاحة الفرصة به للمواطن أيضاً، كبيراً أو طفلاً ممن يعاني ذات مشاكل أمراض العظام.

ثم هل يعقل أن يبقى القطري في قائمة الانتظار لشهور لمقابلة الطبيب المختص مهما كانت حالته المرضية ؟
هل يعقل أن تذهب أم بوليدها لطوارئ الأطفال ولا تجد حتى مقعداً للانتظار في بعض الحالات ؟
القائمة تطول حقيقة من مثل هذه التساؤلات المشروعة التي تصب كلها في صالح القطري واستفادته من خيرات بلاده بيسر ودون معاناة فقط، المطلوب هو حسن التخطيط ومراعاة ظروف المواطن باعتباره أولوية دون أن تُنتقص حقوق الآخرين.

قد يتساءل البعض، عن الحلول وأنا أطرح هذه التساؤلات الجديدة القديمة المزمنة، وأشدد على ضرورة التخطيط المدروس لتخفيف معاناة المواطن واستفادته لأقصى حد من الخدمات المتوفرة وخير بلاده الذي هو أولى الناس به.

ألخص الأجوبة وأكرر القول بضرورة إفراد وتخصيص خدمات ومرافق منفصلة للمواطنين القطريين في الطوارئ للكبار والصغار، وعند مراجعتهم للأطباء وفي الحالات المستعجلة بالضرورة، وكذلك عند تحديد المواعيد وصرف الأدوية، والحديث ينطبق كذلك على مستشفيات النساء والتوليد ومراكز الرعاية الصحية الأولية.

ومما يؤسف له أن مؤسساتنا الصحية والطبية الحكومية تعلن دائماً وتتشدق باستمرار بحصولها على شهادات الاعتماد من مراكز وجهات عالمية متخصصة، وهذا بالطبع محل فخرنا ويثلج صدورنا، لكن ما أهمية هذه الشهادات إذا لم تترجم لفوائد ملموسة تنعكس إيجاباً على المواطن في كل ما ذكرته سابقاً من حيث الخدمة الجيدة، السهلة والسريعة بأريحية تامة دون كدر وتنغيص.

أهمها توفر أسرّة كافية بمستشفيات الدولة لنخلِص المواطن من ضيق الانتظار وهم الدخول للمستشفى والبحث عن السرير الذي كثيراً ما يشغل المرضى ويضيف أوجاعاً أخرى لمعاناتهم، بل قد تتأخر وتؤجل العمليات الجراحية بسبب نقص الأسرّة، وقد يخرج البعض دون أن يكمل علاجه ليستفيد من السرير مريض آخر!
هل تعلمون أن عدد الأسرّة المتوفرة بمستشفيات القطاع الحكومي والخاص بالدولة لا يتعدى «2350» سريراً حالياً، نصيب القطاع الحكومي منها 2031 سريراً موزعة على المستشفيات التابعة لمؤسسة حمد الطبية كالآتي :
مستشفى حمد العام 600 ومستشفى النساء 330 سريراً ومستشفى الخور 110 أسرّة ومستشفى الوكرة 190 سريراً ومستشفى القلب 116 سريراً ومستشفى الرميلة 550 سريراً والمستشفى الكوبي 75 سريراً والمركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان 60 سريراً.

أما توزيع الأسرّة على مستشفيات القطاع الخاص فعددها « 319» سريراً.
وهي بذلك، تعتبر مستشفيات قطر من أفقر دول العالم بعدد الأسرّة على مستوى العالم بالنسبة لعدد السكان.
وإن الخطة القادمة للتوسعة المرتقبة كما أعلنت عنها مؤسسة حمد الطبية قبل أيام هي 1100 سرير خلال 18 شهراً في جميع التخصصات وهو عدد غير كافٍ حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، سنكون أيضاً من أفقر دول العالم بالأسرّة؟ هذا إذا انضمت الأسرّة الجديدة بوقتها خلال 18 شهراً .

فهل يكفي هذا العدد المحدود من الأسرّة وبالأخص في مستشفيات مؤسسة حمد الطبية لاستقبال الأعداد المتزايدة من المرضى في ظل الزيادة الملحوظة في عدد السكان ؟
لا أعتقد أن ذلك كافٍ حتى لو أضيف العدد القليل من الأسرّة بعد افتتاح مستشفى السدرة أو مستشفيات مدينة حمد الطبية، حيث إن عددها محدود ومعروف !

قد لا تكون هناك نسب عالمية متفق عليها بالنسبة لعدد الأسرّة لعدد السكان كما هو بالنسبة لعدد الأطباء لعدد السكان، لكن كانت نسبة عدد الأسرّة للسكان في قطر عام 2012 هي 1,2 لكل ألف نسمة. والآن مع الزيادة الملحوظة في عدد السكان في البلاد التي بلغت حوالي مليونين ونصف المليون نسمة، وبقاء الأسرّة تقريباً على حالها، فمن المؤكد أن المعدل قد تراجع كثيراً وربما يصل لأقل من سرير لكل ألف نسمة، علماً أن هذه النسبة في عدد من الدول الأوروبية تصل الآن لـ 63 سريراً لكل 10 آلاف نسمة، أي ما نسبته نحو 6 أسرّة لكل ألف نسمة.

وهذه النسبة تؤكد عدم إحداث أي توسعات في عدد الأسرّة تواكب الزيادة الكبيرة للسكان في البلاد وفقاً للإحصاءات الرسمية، وهو ما يُعد إشكالية تؤرق الجميع وبخاصة المرضى وذويهم، شفاهم الله وإيانا جميعاً.

يكفي أن دولاً فقيرة مثل جزر سليمان حسب إحصائية منظمة الصحة العالمية عدد الأسرّة لكل ألف شخص 1,3 بالنسبة لعدد السكان وسريلانكا 3,6 لكل ألف وسان مارينو 3,8 والكثير الكثير .

يعتبر إعلان القطاع الصحي الحكومي بالخبر المفرح زيادة نسبة الأسرّة بأكثر من ألف سرير بنهاية عام 2017، ليصبح إجمالي الأسرة بالدولة في القطاعين العام والحكومي بحلول ذلك التاريخ 3450 سريراً، زيادة مقبولة، لكن أعتقد أنها لا تكفي، خاصة أنه كلما اقترب موعد المونديال، كثر العمل وزاد عدد العمالة والسكان عموماً والضحية القَطَرِيّ إذا استمر النظام الصحي كما هو بالنسبة له .. وبذلك كانت الحاجة ماسة لمزيد من الأسرّة.
 
لا ننكر أن هناك جهوداً تبذل لتعزيز الصحة وفق أحدث التقنيات المرتبطة بتقديم الخدمة، لكن لا بد أن يواكب ذلك توسعات وحلول لما ذكرته تنهي معاناة المواطن القطري عند حاجته للخدمة الطبية ليحصل عليها بيسر.
نتحدث عن خدمة تضاهي ما هو موجود في العالم المتقدم، لكن هذا التحديث والتطور، يتعين ألا يكون مقصوراً فقط في الأنظمة، بل يتوجب أن يتعداها ليصبح شاملاً وفي مستوى الدول التي نعمل لمواكبتها.

نرغب من كل ذلك تجنيب المواطن المريض وذويه عند مراجعتهم للمستشفى، هموم مقابلة الطبيب والفوز بسرير والحصول على موقف لسيارته، إذ لابد من منهجية تأخذ توقعات الزيادة السكانية في الحسبان عند التفكير في أي توسعات مستقبلية في المرافق الطبية، فلا ينفع التحديث فقط، بل التفكير في كيفية توفير الخدمة بسهولة وأريحية للمواطن القطري قبل غيره. 

في قطاع التعليم، بعد موافقة الدولة على حرية التعليم للمواطن القطري واختيار المدرسة التي تناسبه مستقلة كانت أو خاصة عربية أو أجنبية وقامت مشكورة بتحديد مبلغ مناسب وهو 28000 لكل طالب كحد أقصى وكان كافياً في بدايته حتى أن بعض المدارس كانت تكلفة الدراسة بها أقل من هذا المبلغ . إلا أنه للأسف أصبحت العملية التعليمية بالمدارس الخاصة تجارية بحتة وأهمها جني الأموال بمساعدة وزارة التعليم والتعليم العالي التي توافق كل سنة على زيادة عدد كبير من المدارس بدون أي تقدم تكنولوجي أو فني أو تثقيفي، وأصبحت المدارس الخاصة تجارة مربحة لأصحابها على حساب القطري فقط وقسيمته مازالت 28000 لم تتغير والزيادات السنوية يدفعها من جيبه الخاص، وكل سنة يزيد عدد المدارس بهدف التجارة وليس غيره .

الحكومة مشكورة والقيادة الرشيدة كما قلت تستثمر في التعليم وفي المواطن، وهذه بلا شك تجارة رابحة، فهل من المعقول أن المواطنين يدفعون أضعافها لتعليم أبنائهم في مدارس خاصة ودولية يرون أنها الأنسب لهم.
غير القطري لن يتأثر بالزيادة بالمدارس الدولية وإن كان فهو نادر لوجود جهات حكومية وشبه حكومية وحتى في القطاع الخاص تدفع للعاملين فيها من المقيمين والأجانب، كلفة تعليم أبنائهم في مدارس خاصة، فهل يكون ذلك حراماً على بلابله الدوح، وحلالاً للطير من كل جنس.

أؤكد من كل ذلك على الأولوية التي تعطيها الدولة والقيادة الرشيدة للمواطن، ليكون المستفيد الأول من خيرات بلاده، لذلك نريد تعليماً راقياً للمواطن، مواكباً لأحدث النظم العالمية في مجال التطوير التربوي، نريد أن نستثمر أبناءنا جميعاً في التعليم مهما كانت الكلفة، لكن لابد أن يكون تعليماً نافعاً بعيداً عن الحشو والتلقين، مرتكزاً على قيمنا الإسلامية وتراثنا وعاداتنا، يشجع على البحث والابتكار والإبداع، وأعتقد أن اللقاءات التشاورية التي يعقدها معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية مع القيادات التربوية والمعلمين والطلبة وأولياء الأمور تصب في هذا الاتجاه.

أما إذا تطرقنا للمدينة التعليمية في هذا السياق التربوي، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو، كم نسبة الطلبة القطريين من الجنسين المستفيدين من جامعات وكليات المدينة التعليمية ؟ لا أعتقد أن العدد كبير بحجم هذه المدينة المرموقة بتخصصاتها المختلفة.

الكثير من الطلبة الوافدين، مقيمين وغيرهم، هم المستفيدون منها، ومنهم من يحصلون على منح ويدرسون بالمجان ويتلقون تعليماً نوعياً وتحصيلاً أكاديمياً، لا يجده طلبة قطريون، بسبب معايير وشروط القبول، مما يجعل كثيراً من الأبناء القطريين وهم على قدر كبير من الذكاء والكفاءة الأكاديمية، يتجهون للدراسة في جامعات خارجية معتمدة على قوائم وزارة التعليم والتعليم العالي أو في جامعات أخرى ليواجهوا في النهاية مشاكل عدم الاعتماد والاعتراف بشهاداتهم!

لماذا لا تفتح جامعات المدينة التعليمية أبوابها وكلياتها للطلبة القطريين بشروط ميسرة ونستغني في نفس الوقت عن جامعات عديدة يدرس بها طلبتنا بالخارج وهي ليست بأفضل مما هو متاح في الداخل ؟.
الدولة صرفت أموالاً طائلة على إنشاء المدينة التعليمية، وبالتالي يتعين أن يعود فيئها بالدرجة الأولى على أبناء قطر، وما فاض من خير لا مانع من أن ينعم به الآخرون من الأشقاء والأصدقاء، لكن الأولوية التي أشدد عليها دائماً هي للمواطن القطري.

ثم لماذا لا ننشئ مدينة طبية على غرار المدينة التعليمية، تضم مستشفيات مرموقة عالمياً يلجأ المواطنون دائماً للعلاج بها في الخارج ؟
مستشفيات كثيرة معروفة يتعالج بها القطريون في تخصصات شتى بالخارج، أتمنى افتتاح فروع لها في قطر واستقطاب ومنح مستشفياتها الأم تصاريح للعمل بالداخل وبالتالي تستطيع الدولة توفير أموال طائلة تصرف على العلاج بالخارج وفي ذات الوقت تكون هذه المستشفيات مراكز للتعليم الطبي وللتدريب وتأهيل الأطباء القطريين الجدد أو حديثي التخرج، ويأتي للعلاج بها مواطنو دول مجلس التعاون ومن أي بلد في المنطقة، وتمنح أيضاً شهادات التخصص في فروع الطب المختلفة، بعيداً عما يسمى بالبورد العربي الذي لا يحبذه كثير من الأطباء للتخصص، اللهم إلا المضطرين منهم وبخاصة من الوافدين العاملين بمستشفيات مؤسسة حمد الطبية .

ألخص ما ذكرته وأقول بضرورة المراجعة المستمرة لكل التوقعات الخاصة بالخطط والاستراتيجيات الخدمية، في ظل معطيات ومتغيرات كثيرة منها الزيادة المستمرة في الطلب على الأيدي العاملة الوافدة في مجالات مختلفة خاصة في قطاعي البناء والإنشاء، وحتى نوفر للمواطن في ظل هذه الزحمة، خدمات راقية وميسرة، بلا عنت ومشقة.

ولابد من التذكير في خضم كل ذلك، بأن من أهم أهداف استراتيجية التنمية الوطنية وركائز رؤية قطر الوطنية 2030 هي التنمية البشرية من خلال تنشئة مواطن متسلح بالعلم، سليماً ومعافى بدنياً ونفسياً، صالحاً ونافعاً لوطنه، يسهم بفاعلية في بناء مستقبله المشرق بإذن الله، الغد المزدهر الذي تكرس له القيادة الرشيدة جل وقتها وجهدها وفكرها لعيش المواطن القطري بكرامة وفي رفاه، وخدمات بلاده كلها لا سيما الصحية والتعليمية وهي من مقومات التنمية المستدامة، في متناول يده، بمعايير الجودة العالمية المتكاملة التي نريدها.

صالح بن عفصان العفصان الكواري- الراية القطرية-