مجتمع » ظواهر اجتماعية

1.7 مليون متطوع.. المجتمع السعودي شريك أساسي في التنمية

في 2026/04/29

كامل جميل - الخليج أونلاين

أثبتت السعودية أن "رؤية 2030" ليست مجرد خطة اقتصادية لإعادة هيكلة القطاعات، بل مشروعاً اجتماعياً أعاد تعريف علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، وخير ما يُستدل به على ذلك صعود العمل التطوعي ليكون أحد أبرز روافع التغيير الاجتماعي في المملكة.

فمن أرقام محدودة لم تتجاوز 22 ألف متطوع قبل إطلاق الرؤية، قفز المشهد اليوم إلى نحو 1.7 مليون متطوع، في واحدة من أسرع موجات النمو في العمل المجتمعي عربياً، وفق التقرير السنوي الأخير، الذي سلط الضوء على ما حققته الرؤية بعد عقد من إطلاقها.

هذا التحول لا يعكس زيادة رقمية فحسب، بل يعبر عن انتقال المجتمع إلى مرحلة جديدة من المشاركة الفاعلة في صناعة التنمية.

طفرة في العمل التطوعي

خلال السنوات العشر الماضية، شهدت السعودية طفرة غير مسبوقة في منظومة العمل التطوعي، سواء من حيث عدد المتطوعين أو تنوع المجالات.

وعند متابعة ما وراء هذه الطفرة يتبين أنها ارتبطت ببرامج مؤسسية؛ هدفت إلى تنظيم الجهود وتوسيع أثرها، ما جعل التطوع يتحول من نشاط فردي محدود إلى منظومة وطنية منظمة.

وفي ذات الاتجاه، ارتفعت نسبة التزام الشركات بالمسؤولية الاجتماعية إلى 77%، ما يعكس تحول القطاع الخاص من دور اقتصادي تقليدي إلى فاعل اجتماعي مباشر.

هذا التحول ساهم في تمويل مبادرات تطوعية، ودعم برامج تنموية في مجالات التعليم والصحة والبيئة.

نمو القطاع غير الربحي

وفي مؤشر على توسع البنية المؤسسية للعمل المجتمعي، تفيد الإحصائيات بالتالي:

سجل القطاع غير الربحي نمواً لافتاً بنسبة 342%.
تجاوز عدد المنظمات غير الربحية 7,213 منظمة، بنسبة نمو 341.97%.
ارتفعت مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي من 0.2% إلى 1.4%.

وحول أهمية القطاع غير الربحي تفيد "رؤية 2030" بالتالي:

القطاع غير الربحي ركيزة أساسية في التنمية، ويتيح فرصاً فعّالة لمشاركة المجتمع في تحقيق الأهداف التنموية.
من خلال ما يزيد عن 30 جهة حكومية؛ تتكامل جهود القطاع العام والخاص وغير الربحي بتنسيق يضمن المواءمة بينهم.

وترتكز الاستراتيجية على العديد من السياسات المحورية تشمل:

تطوير البيئة التنظيمية.
تيسير التراخيص.
رفع مستوى الحوكمة.
تمكين الكفاءات الوطنية.
تعزيز الشفافية والاستدامة المالية.
دعم التحول الرقمي.
الدفع نحو شراكات استراتيجية بين القطاع غير الربحي والقطاع الحكومي والخاص.  

المجتمع شريك في التنمية

يتضح من نتائج التقرير السنوي اتساع دائرة المشاركة المجتمعية لتشمل شرائح أوسع من المجتمع، ومن ضمن ذلك الشباب والنساء والقطاع التعليمي، ما أعاد تشكيل مفهوم "المشاركة"، ليصبح جزءاً من الحياة اليومية وليس نشاطاً موسمياً أو مناسباتياً.

ويشير مراقبون إلى أن الإنجازات التي تحققت خلال عقد، تؤكد أن ما حصل يتجاوز حدود الإحصاء، ليعكس تحولاً بنيوياً في مفهوم التنمية ذاته؛ فالمجتمع السعودي، خلال عقد الرؤية، لم يعد مجرد مستفيد من السياسات العامة، بل أصبح شريكاً في صناعتها وتنفيذها.

هذا التحول يضع العمل التطوعي في قلب النموذج التنموي الجديد، باعتباره جسراً بين الدولة والمجتمع، وأداة لقياس مستوى التماسك الاجتماعي.

وبينما تتوسع طموحات رؤية 2030 في مراحلها القادمة، يبدو أن "المجتمع الفاعل" أصبح أحد أهم إنجازاتها غير المرئية، وأكثرها تأثيراً على المدى الطويل.

ثقافة العمل التطوعي

في مقال له بعنوان "السعودية والتطوع.. من النضج إلى التأثير" نشرته صحيفة "عكاظ"، يؤكد خالد عبد الله الهزاع، أن القطاع غير الربحي في المملكة يتجه نحو مرحلة "أكثر نضجاً وتأثيراً".

ويواصل مبيناً شكل هذه المرحلة بأن القطاع غير الربحي "يصبح فيها جزءاً أصيلاً من القوة الوطنية الداعمة للتنمية، وقادراً على الإسهام في تشكيل مستقبل ما بعد 2030".

ويلفت إلى أن الطريق إلى ذلك يتجسد في "بناء أصول اجتماعية واقتصادية تُدار بوعي، وتُقاس بالأثر، ويُبنى عليها مستقبل تنموي مستدام محلياً دولياً".

وفي مقال بذات الصحيفة، تتطرق الكاتبة هيلة المشوح، إلى انتشار ثقافة العمل التطوعي داخل المجتمع السعودي، وأهميته في جوانب مختلفة.

وتشير إلى أن تجذر مفهوم المبادرة في النفوس تجعل المجتمعات تتجاوز حدود الفردية لتبني جسوراً من التضامن والتآزر، وتتحول الأعمال التطوعية إلى طاقة ملهمة تنعش روح التكافل وترسّخ معنى الانتماء.

وتصف المشوح العمل التطوعي بـ"الثقافة" التي تصوغ مجتمعاً أقوى قادراً على "مواجهة تحدياته بوحدة رؤية وعمق إنساني يخلقان أثراً مستداماً يتجاوز حدود العمل إلى بناء مستقبل أكثر رسوخاً ونقاء".

إنجازات العمل التطوعي

من جهته يقول الكاتب عبد الرحمن عطا الجهني، في مقال بصحيفة "الوطن" حمل عنوان "قطاع كان هامشاً وبات يُحسب"، يشير فيه بوضوح إلى ما تحقق من إنجازات في العمل التطوعي.

يتطرق الجهني إلى إحصائية التقرير السنوي، مبيناً أنه في عام 2016، حين وُضعت رؤية 2030 على الورق، كان القطاع غير الربحي السعودي لا يمثل سوى 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، واليوم بلغ 1.4% أي سبعة أضعاف نقطة البداية خلال أقل من عقد.

وأجاب عن سؤال طرحه حول ما الذي صنع هذا التحول؟ مبيناً أنها "منظومة تشريعية بُنيت طبقة فوق طبقة بقصدية واضحة على مدار أقل من عقد".

وأضاف أن أبرز ما تضمنته هذه المنظومة إعادة تفعيل الوقف ليكون أداة تمويل حضارية، من خلال "تطوير الأنظمة الوقفية وتصميم محفزات تشجع على تأسيس الأوقاف وزيادة إيراداتها، مع إنشاء صناديق ومؤسسات وقفية متخصصة في المجالات التنموية، بهدف تحرير القطاع تدريجياً من الاعتماد الكامل على موسمية التبرعات نحو تمويل مستدام ومتجدد".

وختم مقاله بالقول: إن "ما تحقق في عقد واحد يستحق أن يُقرأ بوصفه دليلاً على أن التحول ممكن حين تتوافر الإرادة التشريعية مع وضوح الهدف".