في 2026/06/20
طه العاني - الخليج أونلاين
تُوسع الدوحة تحركاتها السياسية في جنوب شرقي آسيا، عبر مسار متصاعد من التنسيق مع جاكرتا، في وقت تتزايد فيه أهمية الشراكات الآسيوية ضمن معادلات الاقتصاد والطاقة والأمن الإقليمي، وسط سعي قطري لتعزيز الحضور السياسي والاستثماري في واحدة من أكبر القوى الصاعدة في المنطقة.
ويأتي توقيع مذكرة التفاهم لإقامة مشاورات سياسية بين وزارتي خارجية البلدين، بالتوازي مع حراك دفاعي واقتصادي متنامٍ، ليعكس انتقال العلاقات القطرية الإندونيسية نحو مستوى أكثر انتظاماً في التنسيق السياسي، ضمن شبكة تعاون تتجاوز الطابع الثنائي إلى ملفات إقليمية ودولية أوسع.
مشاورات منتظمة
وفي خطوة تعكس توجهاً نحو مأسسة الحوار السياسي بين البلدين، وقعت قطر وإندونيسيا في 15 يونيو 2026، مذكرة تفاهم لإقامة مشاورات سياسية بين وزارتي الخارجية، بالتزامن مع انعقاد الجولة الأولى من المشاورات في العاصمة الإندونيسية جاكرتا.
وبحسب وزارة الخارجية القطرية، ترأس الجانب القطري وزير الدولة للشؤون الخارجية سلطان بن سعد المريخي، فيما ترأس الجانب الإندونيسي نائب وزير الخارجية محمد أنيس متى، حيث تناولت المباحثات سبل تعزيز التعاون الثنائي، إضافة إلى تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
وجاءت الخطوة السياسية الجديدة بعد لقاء جمع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو بالمريخي في جاكرتا، تم خلاله بحث العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، في مؤشر على رغبة الجانبين في توسيع قنوات التنسيق السياسي والدبلوماسي خلال المرحلة المقبلة.
كما سبقت هذه الخطوة سلسلة لقاءات سياسية خلال الأشهر الماضية، شملت زيارة وزير الخارجية الإندونيسي للدوحة في مارس 2026، حيث ركزت على التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، والتشاور في القضايا الإقليمية والدولية بما يدعم الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط.
شراكة متنامية
وتعكس التحركات السياسية المتسارعة بين الدوحة وجاكرتا اهتماماً متزايداً بالفرص الاقتصادية والاستثمارية في السوق الإندونيسية، باعتبارها أحد أكبر الاقتصادات الصاعدة في آسيا.
ووفق البيانات الرسمية، ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بأكثر من 150% خلال السنوات الأخيرة، ليصل إلى نحو 3.2 مليارات ريال قطري (879 مليون دولار) في عام 2022، مقارنة مع 1.26 مليار ريال (346 مليون دولار) في عام 2017، وسط توسع الاستثمارات القطرية في قطاعات الاتصالات والطاقة والبنوك والخدمات.
وتكتسب إندونيسيا أهمية خاصة لقطر بوصفها أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا وسوقاً تضم نحو 285 مليون نسمة، فضلاً عن موقعها الحيوي على أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
وتحولت إندونيسيا خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة لفرص استثمارية متنوعة تشمل التطوير العقاري والتعدين والأمن الغذائي والخدمات والسياحة وتجارة الحلال، في وقت حافظ فيه الاقتصاد الإندونيسي على معدل نمو يقارب 5% خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تواصل الدوحة الترويج لبيئتها الاستثمارية الجاذبة، مدفوعة بحزمة تشريعات وحوافز اقتصادية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي واستقرارها السياسي، وهو ما ساهم في توسع حضور الشركات الإندونيسية داخل السوق القطرية عبر شراكات متعددة مع القطاع الخاص القطري.
تحالف مستدام
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور إبراهيم دشتي أن إندونيسيا باتت تتصدر قائمة الاقتصادات الأسرع نمواً بين دول مجموعة العشرين، موضحاً أن هذا الصعود اللافت يسجل قفزات تاريخية ضخمة تجعل منها واحداً من أكبر وأهم الاقتصادات الناشئة في منطقة جنوب شرقي آسيا.
ويضيف دشتي لـ"الخليج أونلاين" أن العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تربط دول الخليج بإندونيسيا مميزة، لافتاً إلى أن حجم التبادل التجاري المشترك يميل لصالح الكفة الخليجية، مما يمنح هذه الشراكة الثنائية أبعاداً استراتيجية متوازنة ومستدامة.
ويرى أن إبرام أي اتفاقيات جديدة بين المنظومة الخليجية وجاكرتا سيعزز تدفق الاستثمارات، خاصة في القطاع الزراعي، إذ إن إندونيسيا تمثل خياراً حيوياً لدول الخليج لتأمين أمنها الغذائي، وتجاوز عقبات ندرة المياه المحلاة والكلفة الاقتصادية العالية.
ويبين أن التوجه القطري نحو تعميق العلاقات مع إندونيسيا يترجم استراتيجية الدوحة في عدم الاعتماد على قطب واحد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، مؤكداً أن هذا الخيار يواكب التحول العالمي المتسارع نحو التعددية القطبية وزوال الهيمنة الأحادية.
ويرى دشتي أن نجاحات الشركات والاستثمارات القطرية في قطاعات البنوك والاتصالات والطاقة داخل إندونيسيا تشكل حافزاً قوياً للمستثمرين، حيث إن النمو السكاني الضخم والمقومات السياحية الفريدة يضمنان نجاح الاستثمار هناك.
ويلفت إلى التطور الملحوظ في التعاون الدفاعي والعسكري بين قطر وإندونيسيا، معتبراً أن تنويع الشراكات الأمنية يعد خطوة ناجحة بعدما أثبتت التطورات الأخيرة كلفة الرهان على الحماية الخارجية وتأثيراتها الاقتصادية والعسكرية.
ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن جلسات الحوار الاستراتيجي الأخيرة بين البلدين شملت مجالات الأمن والدفاع ومكافحة الإرهاب.
ويؤكد أن إبرام العقود العسكرية المشتركة والنمو المتسارع في معدلات التبادل التجاري يثبتان الرغبة المتبادلة في بناء تحالف مستدام يخدم المصالح المشتركة.
تنسيق متعدد
ويتجاوز التقارب القطري الإندونيسي الجانب الاقتصادي، نحو تنسيق أوسع يشمل الملفات الدفاعية والثقافية والإنسانية، ضمن مسار شراكة يتسع تدريجياً منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1976.
وأعلنت وزارة الدفاع القطرية في 2 يونيو 2026، أن نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، بحث مع وزير الدفاع الإندونيسي شيافري شامسودين التطورات الأمنية في المنطقة وأوجه التعاون العسكري والتنسيق المشترك.
كما شهد اللقاء توقيع عقد بين مجموعة برزان القابضة ووزارة الدفاع الإندونيسية، إلى جانب اتفاقية شراكة بين "برزان" وشركة "ريبابليك كورب"، في خطوة تعكس اتجاهاً لتوسيع التعاون الدفاعي والصناعات المرتبطة به.
ويمتد التعاون بين البلدين إلى قطاعات التعليم والثقافة والعمل الإنساني، وشكّل العام الثقافي "قطر – إندونيسيا 2023" محطة بارزة في تعزيز التبادل الثقافي، عبر أكثر من 50 برنامجاً وفعالية.
كما يشمل التعاون مشاريع تنموية وإنسانية متزايدة، إلى جانب حضور واسع للعمالة الإندونيسية في السوق القطرية.
ويستند هذا التقارب إلى سلسلة زيارات متبادلة بين قيادتي البلدين، أبرزها زيارة أمير قطر لجاكرتا في أكتوبر 2017، وزيارة الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو للدوحة في مايو 2025.
ويعكس تزامن الحراك السياسي مع التعاون الدفاعي والاقتصادي توجهاً نحو توسيع الشراكة بين البلدين، في ظل سعي الدوحة لتعزيز حضورها داخل الاقتصادات الآسيوية الصاعدة.