في 2026/05/08
علي سرور (صحيفة الأخبار)
تكشف أزمة مراكز بيانات «أمازون» في الإمارات هشاشة الرهان الخليجي على التحالفات الأميركية والتكنولوجيا بوصفها ضمانة للمستقبل. بعد سنوات من الاستثمار بمئات المليارات لتحويل أبوظبي ودبي إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، جاءت الضربات الإيرانية لتنسف البنية التحتية الرقمية، وتفتح أسئلة استراتيجية حول الأمن والاستثمار ومستقبل المنطقة التكنولوجي
في المشهد العام، دفعت الدول الخليجية أثماناً باهظة «للمغامرة» الأميركية في المنطقة، لا سيّما الإمارات العربية المتحدة. وبينما انصبّ الاهتمام في الآونة الأخيرة على الخسائر السياسية والسياحية في مدن عدّة، على رأسها جنّة «دبي»، إلى جانب الأضرار في المنشآت النفطية والبنى التحتية، إلّا أنّ الحديث يطول مع تكشّف جوانب أخرى كانت ضحيّة الرهان على الصديق «الحلوب»، الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في آخر تجلّيات آثار الضربات الفادحة التي عملت السلطات الإماراتية ليل نهار على إخفائها، كشفت شركة «أمازون» عن توقّف العمل بجزء كبير من مراكز بياناتها الضخمة في الإمارات بسبب «الحاجة إلى أشهر عدّة» لإصلاح ما دمّره القصف الإيراني المركّز.
في رحلة سريعة عبر الزمن، قبل عام تحديداً، حضر الرئيس الأميركي المنتخب حديثاً حينها، إلى دول الخليج، ليخرج ومعه تريليونات الدولارات العربية تحت مسمّى «استثمارات».
ومقابل هذه الثروات، وضعت أبوظبي نصب أعينها أن تصبح أكبر قاعدة لمراكز بيانات نماذج الذكاء الاصطناعي خارج الأراضي الأميركية. هدفٌ استنزف من الإمارات مئات المليارات، طمعاً بالاستثمار في «المستقبل» وتهيئة اقتصادها لحقبة ما بعد النفط، كما تدّعي. لكن كما تهشّم «الحلم الزجاجي» لمدينة دبي، تكشّف أيضاً ضياع زاد المخططات التكنولوجية، جارفةً بطريقها «إنجازات» تراكمية على مدى عشرات السنين ذهبت بلمح البصر جرّاء الانسياق الأعمى خلف الأهواء «الإبراهيميّة» و«الترامبيّة».
«حبل الكذب قصير»
منذ الساعات الأولى لبدء العدوان، المتعدّد الأقطاب، على إيران، عاجلت الأخيرة بالردّ الواسع عبر آلاف الصواريخ والمسيّرات في اليوم الأول، طالت جميع البلدان المهاجمة أو المستضيفة للهجوم. وبينما دأبت الإمارات على إخفاء خسائرها، من خلال استحداث قوانين رقابية صارمة على الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لمنع نشر أي صور أو خبر للضربات الإيرانية، أفادت شركة «أمازون» الأميركية في 2 آذار (مارس) المنصرم، عن وقوع أضرار بالفعل في مراكزها في الإمارات، من دون الدخول في التفاصيل. لكنّ تقارير عدّة خرجت أخيراً، من بينها لوكالة «رويترز»، أكّدت توقّفاً واسع النطاق لمراكز بيانات الشركة في البلاد جرّاء الضربات.
على مدى 39 يوماً من القصف الإيراني المركّز على منشآت أميركية وحيوية في الإمارات، أصرّ الإعلام الإبراهيمي والسلطات السياسية والعسكرية في أبوظبي، على الإشادة بفاعلية منظومات الدفاع الجوي، الأميركية المنشأ، في التصدّي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية. كما أنّ الضربات التي طالت مراكز البيانات، رُبطت في البداية ببعض الشظايا أو بقايا الصواريخ. إلا أنّ الأضرار التي تكشّفت أخيراً، أظهرت عكس ذلك.
ضربة قاصمة
أعلنت «أمازون» رسمياً قبل أسبوع، توقّعها أن تستغرق عملية إعادة تشغيل خدمات الحوسبة السحابية في البحرين والإمارات العربية المتحدة «أشهراً عدة». وفي توصياتها للزبائن «بعد المشكلات التشغيلية التي حصلت بسبب الصراع في الشرق الأوسط»، طلبت منهم نقل جميع الموارد التي يمكن الوصول إليها إلى مناطق أخرى. علماً أنّ «أمازون ويب سيرفيسز» تعدّ أكبر مزوّد للحوسبة السحابية في العالم، ومن بين عملائها شركات مثل «نتفلكس» و«فايزر» و«بي إم دبليو»، إضافة إلى مؤسسات مالية ومجموعات إعلامية ومنظّمات القطاع العام.
في هذا الإطار، قالت «أمازون» إنّ 31 من خدماتها في البلدين الخليجيين انقطعت بدءاً من 30 نيسان (أبريل) الفائت، بعد تعرّض عدد منها لانقطاع منذ بداية آذار (مارس) المنصرم. لكنّ منصّات إخبارية عدّة تناقلت وجود خسائر أكبر للشركة، من دون القدرة على استحصال تأكيد رسمي. وذكر موقع «ميدل إيست أوبزرفر» تقديرات أنّ كلفة الأضرار المادية تتجاوز 850 مليون دولار أميركي، وانقطاعاً كاملاً لـ 37 خدمة أساسية، مما أدّى إلى تعطيل الوصول لأكثر من 12 ألف عميل من الشركات والجهات الحكومية في جميع أنحاء المنطقة. إلى جانب ذلك، كشف الموقع أنّ التقارير الفنية تشير إلى أنّ أكثر من 40 في المئة من سعة تخزين البيانات المتضرّرة تتطلّب استعادة ماديّة لها.
مخاوف استراتيجية
ما بدأ ببيان رسمي من «أمازون» في 2 آذار (مارس) الماضي عن تضرّر جزئي بسبب انفجار مسيّرة بالقرب من أحد مراكز البيانات، تحوّل إلى مشكلة تهدّد شراكة استراتيجية لم تتمّ عامها الأوّل. وبغية عدم الإفصاح عن الحجم الفعلي للخسائر، هربت الشركة إلى الأمام عبر تسويف الحدث لأشهر عدّة، بحجّة الحاجة إلى وقت طويل لإصلاح الأضرار. لكنّ الحرب الأخيرة كشفت عن واقع أمني جديد يعيد حسابات عمالقة «وادي السيليكون» حول مخاطر الاستثمار في الدول الخليجية.
في هذا السياق، اعتبر «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، ومقرّه واشنطن، أنه «في النزاعات السابقة، استهدف الخصوم الإقليميون مثل إيران ووكلائها خطوطَ الأنابيب ومصافي التكرير وحقول النفط في دول الخليج الشريكة. وفي عصر الحوسبة، يمكن لهذه الأطراف أيضاً استهداف مراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة التي تدعم الحوسبة ونقاط الاختناق في شبكات الألياف الضوئية».
«خراب مالطة»
في عودة إلى الماضي القريب، وقبل تحوّل مراكز البيانات إلى أنقاض، وقّعت الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة منذ حوالى عام، على اتفاقية تقضي بأن تقوم الدولة الخليجية ببناء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. إلى جانب ذلك، أفادت وكالة «رويترز» في تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم، إلى أنّ شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة تعمل على ترسيخ مكانة الإمارات كمركز إقليمي لحوسبة الذكاء الاصطناعي اللازمة لتشغيل خدمات مثل «تشات جي بي تي».
كما أنّ شركة «مايكروسوفت» الأميركية أعلنت حينها عن خططها لزيادة إجمالي استثماراتها في أبو ظبي إلى 15 مليار دولار بحلول نهاية عام 2029، مع عزمها استخدام رقائق شركة «إنفيديا» المتطوّرة في مراكز البيانات التابعة لها هناك.
لذلك تمتدّ خسائر الإمارات الاستراتيجية «على مدّ النظر»، وبينما لا تزال طبول الحرب تُقرع في جميع أنحاء الشرق الأوسط، يزداد الواقع الأمني هشاشة وتفقد البلاد معه القدرة على تسويق البيئة اللازمة لإقامة استثمارات طويلة الأمد.
يذكر أنّ واشنطن لم تجد حرجاً في وضع شراكتها الاستثمارية مع الإمارات العام الماضي في خانة السياسة الهادفة إلى خلق عشرات آلاف الوظائف الأميركية من خلال الأموال الخليجية، إضافة إلى تأمين استثمارات ضخمة تُساعد واشنطن في سباقها التكنولوجي مع الصين.
وكان البيت الأبيض حينها قد كشف أنّ هذا التعاون سيؤدي إلى زيادة الطلب على البنية التحتية السحابية وتقنيات الأمن السيبراني المطورة في الولايات المتحدة، مما يدعم الوظائف التي تتطلّب مهارات عالية ويعزّز ريادة واشنطن في مجال الابتكار الرقمي الآمن على الصعيد العالمي.
وأورد البيان حينها: «وقّعت الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة اتفاقية بشأن الذكاء الاصطناعي تدعم التزام الاستثمار البالغ 1.4 تريليون دولار الذي تم تأمينه في اتفاقية شهر آذار (مارس) 2025». وتابع البيان أنّ الاتفاق يشمل «التزام الإمارات العربية المتحدة بالاستثمار في مراكز البيانات الأميركية أو بنائها أو تمويلها». كما كشف البيت الأبيض عن الجانب الأمني الاستخباراتي للاتفاقية التي «تتضمّن التزامات تاريخية من جانب الإمارات العربية المتحدة لمواصلة مواءمة لوائحها الأمنية الوطنية مع تلك المعمول بها في الولايات المتحدة».
ورأت واشنطن في مراكز البيانات المهشّمة «شراكة تضمن المصالح الأمنية الأميركية وهيمنتها في مجال الذكاء الاصطناعي». لذلك، ضربت إيران «عصفورين بحجر واحد»، إذ وقعت الضربات على الأراضي الإماراتية المشاركة، وفق رؤية طهران، في حبك المؤامرات، لكنّها أسفرت أيضاً عن خسائر استراتيجية فادحة، تمتدّ من أبوظبي لتدقّ مساميرها في نعش مخططات عمالقة وادي السيليكون وتخلط أوراقهم.