اقتصاد » مياه وطاقة

رغم الحرب في الخليج.. كيف حافظت أسعار النفط على مستوياتها؟

في 2026/09/03

متابعات

رغم اتساع نطاق الحرب في الخليج واستمرار المخاطر المرتبطة بتدفقات النفط عبر مضيق هرمز، لم تشهد أسعار الخام القفزة التي كان يخشاها كثيرون مع بداية الصراع. فبعد موجة ارتفاع حادة في الأسابيع الأولى، دخلت الأسعار مرحلة أكثر استقراراً نسبياً، قبل أن تعود إلى الصعود مع تجدد الضربات والمخاوف من اضطراب حركة الناقلات.

وفي أحدث تعاملات الخميس، تراجع خام برنت بشكل طفيف إلى نحو 95 دولاراً للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط قرابة 90.5 دولاراً، رغم استمرار العمليات العسكرية الأميركية ـ الإيرانية وتراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض. 

لكن المسار السعري منذ اندلاع الحرب يكشف أن السوق تعاملت مع الصراع بطريقة مختلفة عن أزمات نفطية سابقة. فقد قفز برنت في المراحل الأولى، ووصل في إحدى موجات التصعيد إلى نحو 119 دولاراً للبرميل، قبل أن يتراجع تدريجياً مع تكيف الأسواق مع الصدمة. 

صدمة أكبر من الأسعار

المفارقة أن حجم اضطراب الإمدادات كان أكبر بكثير مما توحي به الأسعار. فقد وصفت وكالة الطاقة الدولية اضطرابات تدفقات النفط والغاز عبر هرمز والهجمات على منشآت الطاقة بأنها ذات تداعيات كبيرة على أمن الطاقة العالمي، فيما قدرت الوكالة في بداية الحرب أن الإمدادات العالمية قد تتراجع بنحو 8 ملايين برميل يومياً خلال مارس، قبل أن تعوض أجزاء من النقص بزيادة إنتاج دول خارج «أوبك+». 

ويفسر ذلك أحد أهم أسباب عدم انفلات الأسعار، وهو  وجود هوامش امتصاص للصدمة، حيث  لجأت الدول إلى مخزونات الطوارئ، كما ساهمت زيادة الإنتاج من خارج المنطقة، وارتفاع صادرات بعض المنتجين، في تخفيف أثر الانخفاض الخليجي.

وكانت الوكالة الدولية للطاقة قد نسقت إطلاق أكثر من 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الطارئة، وهو ما وفر للسوق إمدادات بديلة خلال الفترة الأولى من الأزمة.

ويشير تحليل لمعهد بروكينغز إلى أن هذه الكميات شكلت، إلى جانب إجراءات أخرى، حاجزاً مهماً أمام وصول الأسعار إلى مستويات كارثية. 

السوق لا تسعّر الحرب فقط

وبحسب خبراء في مجال الطاقة ، فإن هناك عامل آخر لا يقل أهمية: الطلب العالمي. فارتفاع الأسعار نفسه يضغط على الاستهلاك، بينما تؤدي الحرب وتباطؤ النشاط الاقتصادي إلى تقليص الطلب على الوقود.

وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى خفض توقعاتها لنمو استهلاك النفط العالمي خلال 2026 بسبب تداعيات الحرب وارتفاع الأسعار والمخاطر الاقتصادية. 

كما أن الأسواق المالية لا تسعر كمية النفط المفقودة فقط، وإنما تسعر المدة المتوقعة لاستمرار النقص.، ولهذا تراجعت الأسعار في فترات بدا فيها أن الإمدادات ستجد طريقها إلى الأسواق، ثم عادت للارتفاع كلما ظهرت مؤشرات على استمرار إغلاق هرمز أو اتساع المواجهة.

وتؤكد تقديرات حديثة لـ«رويترز» أن المحللين يتوقعون بقاء برنت فوق 80 دولاراً خلال 2026، مع استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب واضطرابات الشحن. 

استقرار هش 

ومع ذلك، يرى مراقبون أن استقرار النفط عند مستويات تقارب 90 ـ 100 دولار لا يعني أن السوق تجاوزت الخطر، فالمعادلة يمكن أن تتغير سريعاً إذا طال أمد اضطراب هرمز أو تعرضت منشآت إضافية للضربات.

وتشير التجربة الحالية إلى أن السوق استطاعت شراء الوقت، لكنها استهلكت جزءاً كبيراً من هوامش الأمان. ولذلك يحذر صندوق النقد الدولي من أن قدرة سوق النفط على امتصاص الصدمات أصبحت أضيق بعد استخدام جزء من المخزونات البديلة وتكيف المنتجين والمستهلكين مع الأزمة. 

وفي المقابل، ساهم ارتفاع الإنتاج العراقي خلال أغسطس إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ1.35 مليوناً في يوليو، في توفير كميات إضافية للسوق العالمية، بما يعكس قدرة بعض المنتجين على تعويض جانب من النقص الخليجي. 

أسباب يراها محللون أنها كانت كافية لبقاء النفط عند هذه المستويات دون أن يعني ذلك غياب الخطر ،  بل يعكس توازن السوق بين صدمة الحرب من جهة، والمخزونات والإمدادات البديلة وضعف الطلب وتوقعات انتهاء الأزمة من جهة أخرى.

هذا التوازن يظل هشاً بحسب مراقبين؛ فكلما طال أمد الحرب، تقلصت قدرة السوق على امتصاص الصدمة، وقد يصبح السؤال ليس لماذا لم يصل النفط إلى 150 دولاراً، بل متى تنفد الوسائل التي حالت دون وصوله إلى ذلك المستوى؟