اقتصاد » مياه وطاقة

صدمة الديزل في الإمارات.. هل تعيد رسم خريطة الشحن البري؟

في 2026/05/02

وكالات

يشكل الارتفاع الحاد في أسعار الديزل في دولة الإمارات، خلال شهر أبريل 2026، نقطة تحول حساسة في معادلة النقل والخدمات اللوجستية في المنطقة، خاصة في ظل القفزة التي بلغت نحو 72% مقارنة بشهر مارس.

هذا الارتفاع لا يمكن النظر إليه كمتغير سعري عابر، بل كعامل ضاغط يعيد تشكيل حركة الشحن البري وسلاسل الإمداد، ليس فقط داخل الإمارات، بل عبر شبكة التجارة الإقليمية عبر الخليج التي تعتمد اعتماداً كبيراً على دور الإمارات كمحور لوجستي.

في قلب هذا المشهد تقف الشاحنات الثقيلة التي تعتمد اعتماداً شبه كامل على الديزل، باعتبارها العمود الفقري لحركة البضائع بين الموانئ والمناطق الحرة والأسواق المحلية، وكذلك في عمليات إعادة التصدير إلى دول الخليج والشرق الأوسط وآسيا.

ارتفاع كبير

والثلاثاء 31 مارس 2026، أعلنت لجنة متابعة أسعار الغازولين والديزل في الإمارات أسعار الوقود لشهر أبريل 2026، إذ ارتفعت الأسعار بنسب تتراوح بين 30% وحتى 70%، تزامناً مع تداعيات حرب إيران وقفزة أسعار الطاقة العالمية.

كما حددت اللجنة سعر وقود الديزل عند 4.69 دراهم (نحو 1.27 دولار) لكل لتر في أبريل، مقابل 2.72 درهم لكل لتر في مارس بزيادة 72%.

ومنذ شهر أغسطس من العام 2015، تبنت وزارة الطاقة والبنية التحتية في الإمارات سياسة تحرير أسعار الوقود مع اعتماد آلية للتسعير وفقاً للأسعار العالمية، بحيث يشمل قرار تحرير الأسعار كلاً من الغازولين والديزل.

وبسبب تصاعد التوتر الإقليمي وارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية قفزت أسعار النفط، حيث سجل خام برنت أعلى زيادة شهرية على الإطلاق 60% حتى الآن، وهو أعلى معدل منذ مايو 2020.

ويأتي هذا الارتفاع في توقيت بالغ الحساسية، حيث لا تزال سلاسل الإمداد العالمية تعاني من اضطرابات متكررة نتيجة التوترات الجيوسياسية إثر الحرب مع إيران، التي ساهمت في دفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية.

ومع ارتباط أسعار الوقود في الإمارات بالسوق العالمية، فإن أي اضطراب خارجي ينعكس انعكاساً شبه مباشر على السوق المحلية، وهو ما يفسر القفزة الكبيرة في أسعار الديزل.

شريان تجاري

وخلال النصف الأول من مارس 2026، عبر أكثر من 52 ألف شاحنة بين السعودية ودول الخليج، بمعدل يومي تجاوز 3400 شاحنة. 

كما استحوذت الإمارات على الحصة الكبرى بأكثر من 25 ألف شاحنة، تلتها الكويت بنحو 11 ألفاً، ثم البحرين بأكثر من 8 آلاف، خلال فترة لم تتجاوز 15 يوماً، وفق موقع "إرم نيوز" الاقتصادي الإماراتي.

إذ تُعد الإمارات واحدة من أهم المراكز التجارية في العالم، حيث تؤدي دوراً محورياً في حركة التجارة بين الشرق والغرب بفضل موقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة. 

كما تمر عبر الإمارات مئات المليارات من الدولارات سنوياً من السلع، سواء عبر الواردات أو الصادرات أو إعادة التصدير، إذ تُصنَّف من بين أكبر مراكز إعادة التصدير عالمياً.

وتشكّل موانئها، وفي مقدمتها ميناء جبل علي، شرياناً رئيسياً للتجارة الإقليمية والدولية، حيث تُستخدم كنقطة توزيع رئيسية للبضائع المتجهة إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

 كما تدعم المناطق الحرة وشبكات النقل المتكاملة، ومن ذلك النقل البري والبحري والجوي، هذا الدور الحيوي، ما يجعل الإمارات حلقة وصل لا غنى عنها في سلاسل الإمداد العالمية، وقاعدة انطلاق للشركات متعددة الجنسيات نحو أسواق يتجاوز تعدادها مليارات المستهلكين.

تحديات الجسر البري

وفي مواجهة تحديات إغلاق مضيق هرمز، اعتمدت شركات النقل العالمية على نظام "الجسر البري"، وهو نموذج لوجستي يقوم على نقل البضائع عبر موانئ بديلة، ثم شحنها براً إلى وجهتها النهائية داخل دول الخليج.

ويشمل هذا النظام موانئ رئيسية مثل جدة في السعودية، وصلالة وصحار في سلطنة عمان، وخورفكان في الإمارات، حيث تفرغ الحاويات ويعاد توزيعها عبر شبكات النقل البري.

وقال المدير الإقليمي للشركة في الشرق الأوسط تشارلز فان دير ستينه، في تصريحات لوكالة "رويترز"، الخميس 26 مارس 2026: إن "الشركة تعمل على توسيع هذا النظام بالتنسيق مع الحكومات الخليجية، التي قامت بتبسيط الإجراءات الجمركية وتسريع عمليات التخليص، ما سمح بتقليل زمن الشحن رغم تعقيد الظروف الأمنية".

كما أضاف: "نعطي الأولوية للسلع الحيوية، وعلى رأسها الغذاء والدواء، قبل الأزمة كانت تنقل نحو 35 ألف حاوية أسبوعياً من وإلى الخليج، وشبكة الجسر البري تمكنت من استيعاب هذه الكميات، في واحدة من أكبر عمليات إعادة توجيه سلاسل الإمداد في المنطقة خلال فترة قصيرة".

ووفق بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، تستورد دول مجلس التعاون الخليجي ما يصل إلى 85% من احتياجاتها الغذائية، ما يجعلها عرضة بشكل كبير لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في أوقات الأزمات.

لكن رغم نجاح الممرات البديلة في تخفيف الأزمة، فإنها لا تخلو من التحديات، إذ أشار فان دير ستينه إلى أن "ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وتكاليف النقل أدى إلى زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية بشكل عام".

ومع ارتفاع تكلفة وقود الديزل بهذا الحجم، تجد شركات النقل نفسها أمام تحدٍّ مباشر يتمثل في تضخم تكاليف التشغيل اليومية، ما يضعها أمام خيارين؛ إما امتصاص الخسائر وتقليص الهوامش الربحية، أو تمرير هذه التكاليف إلى العملاء، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات.

إذ يشكل الديزل ما بين 30% إلى 50% من إجمالي تكاليف التشغيل لديها، وهذا سيؤدي إلى إعادة تسعير العقود اللوجستية.

تضخم لوجستي

وفي هذا السياق قالت المحللة الاقتصادية حنين ياسين، إن الارتفاع الحاد في أسعار الديزل داخل الإمارات، خلال أبريل 2026، "لا يمكن اعتباره مجرد انعكاس مؤقت لتقلبات الطاقة، بل يمثل صدمة تشغيلية مباشرة تضرب قطاع النقل والخدمات اللوجستية في الخليج".

وأوضحت ياسين، في حديثها لـ"الخليج أونلاين"، أن "قفزة الأسعار بنحو 72% خلال شهر واحد، من 2.72 درهم إلى 4.69 دراهم للتر، تُعد من أكبر الزيادات الشهرية منذ تحرير أسعار الوقود في 2015، وتأتي بالتوازي مع ارتفاعات قوية في أسعار النفط العالمية، التي سجلت بدورها مكاسب تقارب 60% خلال فترة التوترات الأخيرة".

وأضافت أن "النقل البري، الذي يعتمد اعتماداً شبه كامل على الديزل، سيواجه إعادة تسعير فورية لتكاليفه، في ظل كون الوقود يشكل ما بين 30% إلى 50% من إجمالي تكاليف التشغيل، وهو ما يضغط بشكل مباشر على هوامش الربحية لشركات الشحن".

وأشارت إلى أن "أهمية هذه الزيادة تتضاعف بالنظر إلى موقع الإمارات كمركز لوجستي إقليمي، حيث عبر أكثر من 52 ألف شاحنة بين السعودية ودول الخليج، خلال النصف الأول من مارس الماضي، استحوذت الإمارات على أكثر من 25 ألف شاحنة منها، ما يعكس حجم الترابط في سلاسل الإمداد".

ولفتت إلى أن "الاعتماد المتزايد على نظام الجسر البري كبديل لاضطرابات الملاحة في مضيق هرمز يضيف ضغوطاً إضافية على تكاليف النقل، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود والتأمين، رغم نجاح هذه الممرات في استيعاب نحو 35 ألف حاوية أسبوعياً".

وأكدت أن "ما يحدث يمثل نموذجاً واضحاً لانتقال الصدمة من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث تبدأ من النفط، ثم تنتقل إلى الوقود، فالنقل، وصولاً إلى أسعار السلع والخدمات".

وختمت بالقول: إن "قدرة الشركات على امتصاص هذه الزيادة محدودة، ما يجعل تمرير التكلفة إلى المستهلك النهائي مسألة وقت، وهو ما قد يمهد لموجة تضخمية مدفوعة بالخدمات اللوجستية في المنطقة، خاصة في ظل اعتماد دول الخليج على استيراد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية".