اقتصاد » مياه وطاقة

آفاق خضراء.. الرياض والرباط ترسمان خارطة طريق للطاقة

في 2026/01/25

طه العاني - الخليج أونلاين

تتجه السعودية والمغرب لتدشين مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي عبر بوابة الطاقة المستدامة، حيث تسعى الدولتان إلى ترجمة الرؤى المشتركة إلى واقع ملموس يعزز من أمن الطاقة الإقليمي ويفتح آفاقاً استثمارية واعدة.

وتعكس هذه الخطوة الرغبة في استغلال الموارد الطبيعية والخبرات التقنية المتراكمة لدى الجانبين، بما يضمن تحقيق قفزات نوعية في مشاريع الطاقة المتجددة التي باتت تمثل ركيزة أساسية في خطط التنمية المستدامة والمستقبلية للبلدين.

الشراكة الاستراتيجية

وفي إطار ذلك، تقترب المملكتان من رفع مستوى التعاون الطاقي عبر برامج تنفيذية تضمن تحقيق المصالح المشتركة والريادة العالمية في هذا القطاع الحيوي.

وعقد وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، في 15 يناير 2026، اجتماعاً في الرياض مع وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية، ليلى بنعلي، جرى خلاله بحث ملفات التعاون في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، وتعزيز فرص الاستثمار المشترك، وفق بيان رسمي صدر لاحقاً عن وزارة الطاقة السعودية.

وعقب الاجتماع، وقّع الجانبان برنامجاً تنفيذياً للتعاون في مجال الطاقة المتجددة، وتمكين الشركات من تنفيذ المشاريع بين حكومتي البلدين، وذلك استناداً إلى مذكرة التفاهم الموقّعة في مجال الطاقة في 9 مايو 2022، ما يعكس انتقال العلاقة من مرحلة الإطار العام إلى التنفيذ المباشر.

ويستهدف البرنامج تعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين، وزيادة الاستثمارات المتبادلة في مشاريع الطاقة المتجددة داخل السعودية والمغرب، إضافة إلى التوسع المشترك في تنفيذ مشاريع مماثلة في دول أخرى، بما يعكس طموحاً إقليمياً يتجاوز البعد الثنائي.

كما يركز التعاون على تمكين الشركات الوطنية من العمل المشترك في مجالات حيوية تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأنظمة تخزين الطاقة، وربط مصادر الطاقة المتجددة بالشبكات الكهربائية، إلى جانب تطوير خطوط نقل الكهرباء وتعزيز موثوقية الشبكة، وهي عناصر أساسية لضمان استدامة التحول الطاقي.

ويمتد البرنامج ليشمل استخدام الطاقة المتجددة في المشاريع التنموية والبنى التحتية، وتنفيذ مشاريع يتم تطويرها وتشغيلها بالاعتماد الكامل على مصادر نظيفة، إضافة إلى إنشاء وتطوير مراكز للبحوث والتطوير، وبناء القدرات البشرية عبر التدريب ونقل المعرفة، بما يدعم أهداف الاستدامة طويلة الأجل لدى البلدين.

يُذكر أن اتفاقية الطاقة المتجددة لعام 2022 تضمّنت العمل على تنمية التعاون وتبادل الخبرات في السياسات والأنظمة التشريعية، والدراسات التمهيدية، وآليات طرح المشروعات، إلى جانب تشجيع توطين سلاسل القيمة، وبحث فرص الاستثمار والتمويل، ودعم البحث والتطوير وبناء الكفاءات البشرية، ورفع مستوى التقنيات وتطبيقاتها في قطاع الطاقة النظيفة.

وشملت الاتفاقية الإطارية الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية أساساً للتعاون في مجالات البحث والتطوير، وتصميم وإنشاء وتشغيل المفاعلات النووية، ودورة الوقود النووي، وإدارة النفايات المشعة، إضافة إلى تطوير تقنيات المفاعلات النووية الحديثة.

كما أكّدت أهمية تأهيل الموارد البشرية، وتبادل الخبرات، واستكشاف فرص إنشاء كيانات استثمارية أو منظمات مشتركة لإدارة مرافق الطاقة النووية في البلدين.

وجهة استراتيجية

ويؤكد الباحث في الشؤون الأفريقية، موسى تيهوساي، أن الاستثمارات الخليجية تشهد توسعاً ملحوظاً في القارة الأفريقية، مشيراً إلى أن المملكة المغربية تمثل نموذجاً جاذباً بفضل مناخها الاستثماري المستقر والمحفّز.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن مجالات الطاقة، وخصوصاً الطاقة النظيفة والمتجددة، تأتي في صدارة القطاعات التي تستقطب هذه الاستثمارات، إلى جانب الزراعة والبنية التحتية، في ظل توجه خليجي واضح نحو الدول والمناطق المستقرة التي توفر حوافز استثمارية حقيقية.

ويبين تيهوساي أن الموانئ تمثل ركيزة أساسية في هذا التوجه، مستشهداً بتجربة طنجة التي تحولت إلى محور اقتصادي مهم داخل المغرب، لافتاً إلى أن الاستثمارات الخارجية، وخاصة الخليجية، بدأت تلعب دوراً محورياً في دعم هذه القطاعات الحيوية.

ويشير إلى أن الشراكات الخليجية في مجال الطاقة تشهد زخماً متزايداً في دول أفريقية عدة، من بينها ليبيا والسنغال، مع تنامي الزيارات الرسمية وتوقيع اتفاقيات تعاون تعكس جدية هذا التوجه الاستثماري.

كما لفت إلى أن القارة الأفريقية، رغم الصورة النمطية عنها المرتبطة بالصراعات وعدم الاستقرار، تمثل في الواقع مساحة واسعة للفرص الاقتصادية والابتكار، مؤكداً أنها ساحة واعدة للاستثمار في مجالات الزراعة والطاقة والمعادن.

ويردف تيهوساي أن دولاً في غرب أفريقيا، مثل السنغال وموريتانيا، إلى جانب بعض دول الساحل، تمتلك ثروات معدنية كبيرة، ما يجعلها محط اهتمام خليجي متزايد، رغم التحديات الأمنية التي تواجه بعضها.

ويرى أن التوجه الخليجي الحالي يعكس سعياً واضحاً لتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط فقط، من خلال الاستثمار في المعادن والطاقة المتجددة والقطاعات الإنتاجية الأخرى داخل القارة الأفريقية.

ويعتقد تيهوساي أن الاستثمارات الخليجية تحظى بقبول واسع في أفريقيا، نظراً لخصوصيتها الثقافية والدينية، وغياب النزعة التوسعية، ما يجعلها استثمارات قائمة على الشراكة وتحقيق المنافع المتبادلة.

وختم حديثه بالتأكيد على أن هذا النموذج الاستثماري يختلف عن تجارب أخرى، مشيراً إلى أن القارة الأفريقية باتت اليوم وجهة استراتيجية لدول الخليج، مع توقعات بتوسع أكبر في مختلف القطاعات خلال المرحلة المقبلة.

مشاريع ميدانية

وكان الحضور السعودي في قطاع الطاقة المتجددة بالمغرب قد ترسّخ ميدانياً عبر استثمارات مباشرة، شكّلت أساساً عملياً للتعاون المؤسسي اللاحق بين البلدين.

وسجّلت الشركات السعودية، في أغسطس 2025، حضوراً مباشراً في مشاريع تخزين كهرباء الطاقة الشمسية بالمغرب، مع فوز شركة سعودية متخصصة بتطوير مشروعي "نور ميدلت 2" و"نور ميدلت 3"، في أول تجربة مغربية لتخزين الكهرباء بالبطاريات على نطاق واسع، وفق بيانات نشرتها منصة "الطاقة" المتخصصة.

وجاء ذلك عقب مناقصة دولية أطلقتها الوكالة المغربية للطاقة المستدامة (مازن)، ضمن مساعي الرباط لتعزيز مرونة الشبكة الكهربائية، واستيعاب نسب أعلى من الطاقة النظيفة.

ويضم المشروعان محطتين لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بقدرة 400 ميغاواط لكل محطة، إلى جانب منظومة لتخزين الكهرباء بالبطاريات بسعة 602 ميغاواط/ساعة، وبقدرة قصوى تصل إلى 230 ميغاواط/ساعة خلال أوقات الذروة لمدة ساعتين، ما يوفّر هامش أمان إضافياً للشبكة الوطنية خلال فترات الضغط.

ويجري تطوير المشروعين وفق نموذج "البناء – التملك – التشغيل" (BOO)، في إطار اتفاقية شراء طاقة تمتد 30 عاماً، على أن تتولى الوكالة المغربية للطاقة المستدامة دور المشتري الرئيس للكهرباء، بما يعزز استقرار العوائد الاستثمارية على المدى الطويل.

وتُعد محطات "نور ميدلت" أكبر مشروع للطاقة الشمسية في المغرب، بطاقة إجمالية متوقعة تبلغ 1600 ميغاواط عند اكتمال محطاته الثلاث، وباستثمارات تُقدّر بنحو 20 مليار درهم (ملياري دولار)، متقدمة على مشروع "نور ورزازات" البالغة قدرته 580 ميغاواط، وفق بيانات وزارة الانتقال الطاقي المغربية.

وفقاً للأرقام الرسمية، يُقدر حجم استثمارات السعودية في المغرب بنحو 6 مليارات دولار، ويتركز أغلبها في قطاع الطاقة المتجددة، إلى جانب السياحة والرعاية الصحية والنسيج.

وتعتبر "أكوا باور" أكبر شركة سعودية مستثمرة في المغرب وتشغل أكبر مشروع للطاقة الشمسية في البلاد.