في 2026/07/07
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
منذ توليه رئاسة الحكومة العراقية، وضع علي فالح الزيدي إعادة تموضع العراق إقليمياً في صدارة أولوياته، مدفوعاً برغبة معلنة في استعادة هيبة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وفتح صفحة جديدة مع دول الجوار.
وفي مقدمة هذه الدول، تبرز المملكة العربية السعودية، التي تبدو مرشحة لأن تكون أول محطة عربية في جولته الخارجية بعد زيارته المرتقبة إلى واشنطن، في خطوة تعكس إدراك بغداد لأهمية استعادة زخم العلاقات مع الرياض باعتبارها بوابة لتعزيز الانفتاح على دول الخليج.
لكن الزيارة المرتقبة تأتي في ظل ملفات معقدة، يتصدرها التعاون الأمني، ومنع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، إلى جانب تعزيز الشراكة الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الخليجية، ودعم مشاريع الطاقة والتنمية، فضلاً عن تنسيق المواقف تجاه التطورات الإقليمية.
أولوية سعودية
أكد الزيدي، في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" في 28 يونيو الماضي، أن المملكة ستكون ضمن أولى وجهاته الخارجية بعد واشنطن، إلى جانب تركيا وإيران، رغم تلقيه دعوات لزيارة عدد من الدول الأوروبية، معتبراً أن هذه الزيارات ترتبط بملفات عمل مشتركة أكثر إلحاحاً.
كما كشف عن توجه حكومته لإنشاء "صندوق للطاقة والتنمية"، سيدعى للمساهمة فيه مستثمرون وصناديق سيادية من السعودية والإمارات وقطر، في مؤشر على رغبة بغداد في توسيع الشراكة الاقتصادية مع دول الخليج.
ويعكس اختيار الرياض كإحدى أولى المحطات الخارجية إدراك الحكومة العراقية الجديدة للدور السعودي في دعم استقرار المنطقة، ولأهمية العلاقات الاقتصادية مع المملكة، التي تعد من أكبر الاقتصادات العربية، فضلاً عن كونها شريكاً رئيسياً في مشاريع الربط الكهربائي، والاستثمار، والتعاون الإقليمي.
وفي مطلع مايو الماضي، بعث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ببرقية تهنئة إلى الزيدي عقب توليه رئاسة الحكومة، معرباً عن تطلعه للعمل معه على تعزيز التعاون بين البلدين.
كما سبق أن استضافت بغداد، في أبريل من العام الماضي، أولى جولات المشاورات السياسية السعودية العراقية، التي تناولت تطوير العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية.
ولا تنظر الرياض إلى العراق باعتباره جاراً فحسب، بل شريكاً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي، فيما ترى بغداد أن الانفتاح على الرياض يمثل مدخلاً مهماً لجذب الاستثمارات الخليجية، وتنويع اقتصاده، واستعادة دوره العربي.
وفي هذا السياق أعلن الزيدي أيضاً، في مايو الماضي، استعداد بغداد للقيام بأدوار وساطة إقليمية، كما رحب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين حينها أيضاً بعقد اجتماع يضم العراق ودول الخليج وإيران لبحث القضايا الأمنية والاقتصادية.
وفي المقابل أكد الرئيس العراقي نزار آميدي، خلال لقائه بالبديوي، تطلع بلاده إلى بناء علاقات استراتيجية مع السعودية في مختلف المجالات، مشيداً بالدور الإقليمي والاقتصادي للمملكة.
اختبار أمني
ورغم التحسن الذي شهدته العلاقات السعودية العراقية خلال الأعوام الأخيرة، لا يزال الملف الأمني يمثل التحدي الأكبر أمام أي تقارب جديد، حيث تعرضت المملكة إلى جانب دول خليجية أخرى، خلال الأشهر الماضية، لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ نسبت إلى فصائل عراقية موالية لإيران.
إذ طالبت السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين، وكذلك الأردن، العراق أواخر مارس الماضي، بضرورة اتخاذ إجراءات فورية لوقف هجمات الفصائل والمجموعات المسلحة الموالية لإيران على دول الجوار.
هذه الهجمات التي أوقعت أضراراً مادية، تسببت في توترات متكررة في العلاقات بين الجانبين، كما أثارت مخاوف خليجية وسعودية من احتمال استمرار استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات على دول الجوار، حتى بعد الحرب.
وفي محاولة لطمأنة الرياض شدد الزيدي، في 29 يونيو الماضي، على أن حكومته أبلغت جميع القادة الأمنيين بضرورة التصدي لأي محاولة لاستخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، مؤكداً أن لجان التحقيق لم تثبت حتى الآن انطلاق الهجمات من العراق، مع استعداد بغداد لاتخاذ الإجراءات القانونية إذا ثبتت أي مسؤولية.
كما أعلن أن حكومته ماضية في تنفيذ مشروع "حصر السلاح بيد الدولة"، مؤكداً أنه لا مكان للسلاح خارج الدولة، كما كشف عن "مؤتمر السيادة الوطنية" سيُعقد نهاية العام الجاري لترسيخ احتكار الدولة للقوة، في خطوة ينظر إليها على أنها اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على ضبط الفصائل المسلحة.
وفي هذا الصدد أشاد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، خلال زيارته إلى بغداد (1 يوليو الجاري)، بالخطوات التي اتخذتها حكومة الزيدي لمنع انطلاق الاعتداءات من الأراضي العراقية.
كما أكد البديوي استمرار دعم دول المجلس لازدهار العراق واستقراره، كما بحث مع الزيدي تطوير التعاون الاقتصادي والسياسي، وتعزيز التنسيق بشأن قضايا المنطقة.
مهمة صعبة
يرى الباحث والخبير الاستراتيجي العراقي الدكتور ياسين عزيز أن الزيدي منذ ترشيحه لرئاسة الوزراء حظي بدعم داخلي وإقليمي ودولي، لكنه أشار إلى أن "هذا الدعم مرتبط بما يقوم به وحكومته من إجراءات تبعث الطمأنينة للداعم الخارجي، سواء كان عربياً أو دولياً، وخليجية تحديداً".
وأضاف عزيز في تصريح لـ"الخليج أونلاين":
- أمام الزيدي مهمة لن تكون سهلة، لا سيما بعد اتهام دول خليجية ومنها السعودية لفصائل مسلحة عراقية باستهداف مصالحها منطلقة من الأراضي العراقية لخدمة إيران، وهو ما تسبب بإحراج للدولة العراقية.
- تطبيع العلاقة مع السعودية أو غيرها من دول المنطقة مرتبط بإمكانية فرض هيبة الدولة العراقية على أراضيها وحصر السلاح الذي أحرج الدولة واستخدم للاعتداء على دول الجوار العربي، بيد الدولة.
- من دون ذلك لن تكون هناك علاقات مستقرة بين العراق والدول المحيطة أو القريبة.
- في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العراق بسبب تداعيات الحرب الأخيرة فإنه بحاجة ماسة لعلاقات مستقرة مع الخليج وتحديداً السعودية.
- أصبح العراق أيضاً بحاجة إلى إحياء مشاريع تصدير النفط عبر أنابيب تمر في هذه الدول، ومن بينها السعودية، كخطة بديلة لعدم الاعتماد على مضيق هرمز الذي لا يتوقع أن يستمر الهدوء فيه كثيراً.