تواصل » فايسبوك

السوشيال ميديا بالخليج.. خط دفاع رسمي في زمن الأزمات

في 2026/03/07

كامل جميل - الخليج أونلاين

لم يعد الفضاء الرقمي في دول الخليج مساحة تفاعل اجتماعي أو منصة لنقل الأخبار فحسب، بل تحوّل في لحظات التصعيد والأزمة التي تمر بها المنطقة إلى ساحة مواجهة موازية تديرها المؤسسات الرسمية لحماية الاستقرار وضبط الإيقاع العام.

ومع التوترات الإقليمية الأخيرة، والهجمات التي شنتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، وردّ طهران بقصف مناطق في المنطقة وما خلّفه ذلك من تداعيات أمنية ونفسية، برز دور المنصات الرقمية بوصفها خط تماس مباشر مع الجمهور.

في هذا السياق لم تكتفِ الجهات الحكومية الخليجية بالحضور التقليدي على وسائل التواصل، بل أعادت تعريف وظيفة هذه المنصات لتصبح غرفة عمليات اتصال عامة؛ فالمحتوى الرسمي بات يتحرك وفق معادلة ثلاثية واضحة:

تحذير مبكر من المخاطر.

توعية إرشادية حول السلوك الصحيح.

تطمين مباشر يؤكد استمرار الحياة الطبيعية تحت متابعة أمنية دقيقة.

هذه الصيغة جعلت المنصة الرقمية جزءاً من منظومة الأمن المجتمعي لا مجرد أداة إعلامية.

غرفة عمليات اتصال

لم يأتِ هذا التحول من فراغ، إذ تُعدّ دول الخليج من أكثر البيئات الرقمية استخداماً للمنصات الاجتماعية، ما منح الحسابات الرسمية قدرة مباشرة على الوصول إلى الجمهور في الزمن الحقيقي.

وهنا لم تعد الحسابات الحكومية تؤدي دوراً إخبارياً تقليدياً، بل أصبحت جزءاً من إدارة الأزمة ذاتها.

وفي المقابل لم تغفل الجهات الرسمية التحذير من المنصات نفسها عندما تتحول إلى بيئة خصبة للشائعات أو للمقاطع المجتزأة أو للمحتوى المفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يؤكد وعياً مؤسسياً بأن السوشيال ميديا سلاح ذو حدين.

خلال التصعيد الإقليمي الأخير، برز هذا البعد بوضوح في دول الخليج، حيث جرى توظيف المنصات الرقمية لتثبيت الرواية الرسمية، وتقليل أثر التهويل، وملاحقة المحتوى المضلل الذي قد يُستثمر لإرباك الجبهة الداخلية.

ولمعرفة أهمية وخطورة البيئة الرقمية من خلال تسليط الضوء على الاستخدام الواسع لمنصات التواصل في دول الخليج حيث تفيد البيانات المعلنة بالآتي: 

الإمارات 11.3 مليون مستخدم لوسائل التواصل، بنسبة 100%.

السعودية 33.9 مليون مستخدم بنسبة 99%.

قطر 2.59 مليون مستخدم بنسبة 84%.

الكويت 4.2 ملايين مستخدم بنسبة 84%.

البحرين 1.19 مليون مستخدم بنسبة 73%.

عُمان 3.29 ملايين مستخدم بنسبة 61%.

هذه الأرقام تعني أن المنصة ليست هامشاً إعلامياً، بل فضاءً عاماً واسع الانتشار، ما يجعل أي رسالة رسمية تصل بسرعة إلى شريحة كبيرة من المجتمع، وتؤثر في تشكيل الوعي الجمعي خلال الأزمات.

الإجراءات الخليجية 

على أرض الواقع تجسّد التحول الرقمي الدفاعي في خطوات وإجراءات عملية اتخذتها دول الخليج خلال الفترة الأخيرة، مع اشتداد الأزمة في المنطقة.

في البحرين جرى توقيف شخص لاصطناعه محتوى مرئي مفبرك يظهر تعرض أحد الأحياء للقصف، ما أدى إلى إثارة الذعر.

وأكدت النيابة أن نشر المحتويات المفبركة التي توحي بوقوع أضرار جسيمة بقصد الإضرار بالصالح العام يعرّض مرتكبيها للمساءلة، مع عقوبة قد تصل إلى الحبس سنتين والغرامة.  

أما السعودية فقد أكدت أن الأوضاع الأمنية مطمئنة. ودعت إلى عدم تداول الشائعات أو المقاطع مجهولة المصدر، محذرة من إعادة نشر المحتوى غير الموثوق، ومؤكدة أن الأمن وسلامة المجتمع أولوية قصوى.

من جهتها نبهت الإمارات إلى أن نشر الشائعات أو المعلومات من مصادر مجهولة يترتب عليه مساءلة قانونية، فيما حذرت حكومة دبي من تداول مقاطع قديمة لحرائق أو أحداث سابقة على أنها مستجدات. 

بدورها دعت قطر إلى الالتزام بالإرشادات الرسمية، واستقاء الأخبار من الجهات المعتمدة، وتجنب إعادة نشر المقاطع غير الموثوقة أو تصوير مواقع الحوادث، مشددة على ضرورة التحقق قبل النشر، والابتعاد عن المبالغة والإثارة، مع متابعة البيانات الرسمية باستمرار.

وأعلنت الكويت توقيف عدد من الأشخاص على خلفية نشر محتوى مسيء أو متعاطف مع جهات مصنفة إرهابية، مشددة على تطبيق القانون بحزم ضد كل من يسيء للمؤسسات العسكرية أو يضر بالعلاقات الدولية، مؤكدة استمرار المراقبة والرصد لمنصات التواصل.

ودعت عُمان مستخدمي المنصات إلى عدم تصوير أو نشر أو تداول أي محتوى قد يخل بالأمن العام أو يثير الهلع بين أفراد المجتمع، محذرة من المساءلة القانونية بحق المخالفين.

وبهذا المعنى أصبحت السوشيال ميديا خط دفاع رسمياً موازياً للأجهزة الأمنية والإعلامية، يعمل على تثبيت الاستقرار، وضبط السردية، وحماية المجتمع من الفوضى الرقمية في زمن التصعيد المتسارع.

ساحة موازية

يرى الباحث في الشأن الاستراتيجي والأمني د. مصطفى الحديثي أن استمرار التصعيد الإقليمي، ولا سيما إذا واصلت إيران استهداف دول الخليج، قد يدفع الصراع إلى التمدد نحو الجبهة الرقمية، لتتحول منصات التواصل إلى ساحة موازية للعمليات العسكرية، بل وربما تسبقها أحياناً في التأثير على الرأي العام والاستقرار الداخلي.

ويشير الحديثي في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إلى أن أحد السيناريوهات المرجحة يتمثل في تصاعد حملات التضليل المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال إنتاج محتوى إعلامي مزيف عالي الإقناع يهدف إلى إرباك الجمهور والتشكيك في الروايات الرسمية. ومن أبرز هذه الأساليب:

نشر فيديوهات وصوتيات مفبركة تستهدف قيادات سياسية أو عسكرية.

الترويج لهجمات أو خسائر غير حقيقية لإرباك الرأي العام.

بث شائعات تمس الحياة اليومية مثل نقص الوقود أو انقطاع الكهرباء أو إغلاق المطارات، بهدف خلق حالة من الذعر الرقمي.

ويضيف أن المعلومات المضللة قد تُستخدم أيضاً للتأثير في الأسواق والاقتصاد، خصوصاً في منطقة ترتبط بأسواق الطاقة والملاحة البحرية، حيث يمكن لأخبار كاذبة عن منشآت نفطية أو ممرات بحرية أن تترك أثراً سريعاً في الأسواق. 

ولا يستبعد الخبير في الشأن الاستراتيجي والأمني، سيناريو فبركة أو تسريب وثائق رقمية لإثارة الانقسامات أو التشكيك في القرارات الحكومية خلال الأزمات.

ويؤكد الحديثي أن مواجهة هذه التحديات تتطلب رصداً مبكراً للحملات الرقمية المنسقة، وتسريع الاتصال الحكومي في أوقات الأزمات، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بالمحتوى المصنّع بالذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن إدارة الفضاء الرقمي باتت جزءاً أساسياً من إدارة الصراع في البيئة المعلوماتية الحديثة.