دول » قطر

قسوة الجغرافيا وقوة الدبلوماسية: قراءة في إرث الشيخ حمد

في 2026/07/17

مهيب الرفاعي - صحيفة المدن

تركت وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير الوالد،  في الثاني عشر من تموز/يوليو 2026،  إرثاً سياسياً يكشف بوضوح طبيعة السياسة الخارجية القطرية القائمة على المرونة والجرأة والتغيير السريع في المواقف عند تبدل الحسابات الإقليمية وتبدل الفواعل وأهدافها وفق الرؤية الاستراتيجية القطرية التي أسس لها الشيخ حمد.  انطلقت قطر في عهد الشيخ حمد من قناعة راسخة، مفادها ضرورة الانخراط الفاعل في السياسة العربية والعالمية، تفادياً لمصير تفرضه قسوة الجغرافيا على دولة صغيرة تقع بين قوى إقليمية كبرى، وسعياً منها لأداء دور دولي وسياسي يتجاوز حجمها الجغرافي والسكاني. بالنتيجة، تبنّت الدوحة مبادئ العروبة ومبادئ السلام أساساً لحضورها الإقليمي، ووقفت على تحضير عدة قمم عربية وترتيب شؤونها بجهد لافت، وأعلن الشيخ حمد هذا التوجه في مناسبات عدة، حاملاً همّاً واضحاً إزاء تخلي العرب عن قضاياهم.

أدركت القيادة القطرية حينها أهمية فهم ولعب السياسة وأدوات القوة الناعمة لحماية البلد وضمان مستوى معيشة مواطنيه، ورسمت نمطاً جديداً للقيادة والحوكمة الرشيدة في المنطقة، أرست من خلاله منظومة دبلوماسية قطرية متكاملة، قامت على الوساطة والانفتاح على الأطراف المتنازعة كافة. ونتيجة انخراط قطر في سوريا ولبنان وفلسطين؛ قابلت إسرائيل هذا الحضور القطري المتصاعد بعداء واضح، ونظرت إلى الدوحة عدواً يستحق المراقبة والحذر، في مقابل سعي الدوحة الدائم إلى تقريب وجهات النظر بين الدول العربية، وطرح الحلول العادلة الممكنة، والوصول بالأطراف المتصارعة إلى طاولة المفاوضات. وتصاعدت حملات التحريض الإسرائيلية ضد قطر عقب دخولها خطاً مباشراً في ملف الحرب على غزة، محاولة تقويض دورها الوسيط، وتشويه صورتها الإقليمية والدولية.

التقارب والشراكة بين الدوحة ودمشق (2003-2010)

شهدت العلاقة بين الدولتين فتوراً واضحاً خلال التسعينيات، إذ وقف حافظ الأسد ضد دولة قطر في أعقاب وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الحكم عام 1995 وتسلمه زمام الأمور في البلاد وفق رؤية استراتيجية وتجديدية معاصرة وتقدمية مغايرة لفكر الأنظمة الاستبدادية التي كان قد أسس لها نظام الأسد في المنطقة. بعد وفاة حافظ الأسد، حملت زيارة بشار الأسد إلى الدوحة عام 2003 بداية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين، وتدفقت رؤوس الأموال القطرية نحو قطاعات السياحة والفنادق والعقار والاتصالات والمصارف في سوريا، ضمن نمط خليجي أوسع يوظف الثروة السيادية لبناء النفوذ السياسي؛ حيث أبرز الشيخ حمد حينها رغبة في تجاوز حدود الجغرافيا الصغيرة لدولة مثل قطر وبالتالي لعب دور إقليمي و عالمي لا سيما في عدة قضايا أبرزها الطاقة و الأمن و الصراع العربي الإسرائيلي.

تقاطعت المصالح القطرية السورية في ملفات إقليمية عدة، جاء لبنان في مقدمتها، ووسّط الشيخ حمد اتفاق الدوحة عام 2008 الذي أنهى جموداً سياسياً استمر ثمانية عشر شهراً بين الحكومة اللبنانية والمعارضة بقيادة حزب الله، في بيئة إقليمية احتفظت فيها دمشق بنفوذ راسخ على الساحة اللبنانية، وتقاربت خلالها المصلحتان القطرية والسورية إلى حد بعيد. وانتهجت الدوحة في عهد الشيخ حمد سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، وهذا مفيد بالنسبة لسوريا التي كنت تلعب على التوازنات، فاستضافت قاعدة جوية أميركية كبرى، وحافظت في الوقت ذاته على علاقات وثيقة مع طهران وحماس وحزب الله، ووجدت سوريا موقعها الطبيعي في هذا التوازن باعتبارها العقدة العربية المركزية لما يسمى "محور المقاومة". وأعلن بشار الأسد والشيخ حمد في أيار/ مايو 2010 دعمهما المشترك للجهود التركية الرامية إلى تسوية الملف النووي الإيراني، في إشارة أخيرة إلى تقديم الدوحة ودمشق نفسيهما شريكين متفاهمين على أبواب الربيع العربي.

قامت العلاقة الدافئة بين الدوحة ودمشق حينها على سلسلة من اللقاءات الثنائية والقمم العربية التي جمعت الشيخ حمد وبشار الأسد جنباً إلى جنب في أهم الملفات الإقليمية. استضافت دمشق في آذار/ مارس 2008 قمة الجامعة العربية، وحضرها الشيخ حمد بن خليفة بينما قاطعتها السعودية ومصر بسبب توترات مرتبطة بتداعيات التدخل السوري في لبنان واغتيال رفيق الحريري وحرب لبنان عام 2006، وفي ظل هذا التقارب القطري-السوري حمل حضور قطر في ظل غياب المحور السعودي المصري رسالة مباشرة، مفادها تبني الدوحة موقفاً رافضاً لعزل دمشق.  واستضافت الدوحة بدورها في كانون الثاني/ يناير 2009 قمة عربية أخرى، وألقى فيها الأسد، بوصفه مضيف القمة السابقة، والشيخ حمد، بوصفه مضيف القمة الحالية، خطابين عبّرا عن الموقف الإيراني السوري القطري بوضوح تام، في مقابل امتناع الملك السعودي عن إلقاء أي كلمة في تلك القمة.  سمّت قمة سرت عام 2010 الشيخ حمد ضمن لجنة إصلاح عربية خماسية، ضمت القذافي ومبارك وآخرين، وغاب عنها بشار الأسد، ولاحظ مراقبون برودة واضحة طرأت على العلاقة بين الرئيس السوري والأمير القطري قُبيل انعقاد القمة رغم توصيفها بالممتازة على الصعيدين الاقتصادي والمالي. وأكد الأسد والشيخ حمد في مايو 2010 دعمهما المشترك للوساطة التركية في الملف النووي الإيراني، في آخر مواقف التقارب العلني قبل اندلاع الثورة.

فعليًا، حملت هذه اللقاءات مجتمعة أهدافاً جيدة بعيدة عن الطابع العاطفي، إذ سعى الشيخ حمد عبر القمم إلى ترسيخ موقع قطر كقوة إقليمية صاعدة، ضمن محور بدا للمراقبين الإقليميين قادراً على دفع السعودية نحو مواقف أكثر مرونة، وكشف حدود نفوذ المحور السعودي المصري. واستغل الأسد منابر الدوحة الإعلامية لتوجيه رسائل حول مبادرة السلام العربية، وأعلن في قمة الدوحة موت المبادرة عملياً، وامتنعت قطر عن معارضة هذا الطرح، انسجاماً مع احتضانها قيادة حماس المقيمة آنذاك في دمشق. وتطلبت إدارة الملف اللبناني حضوراً سورياً موازياً لحضور حزب الله، فسعى الشيخ حمد حينها إلى ضمان التوافق مع دمشق حول اتفاق الدوحة كي يكتب له النجاح والاستمرار. وحمل الجانب الاقتصادي بعداً أكثر واقعية، إذ فتحت سوريا أبوابها أمام تنويع مصادرها المالية، ووجدت قطر في السوق السورية فرصة استثمارية متنامية منذ عام 2003

القطيعة ومرحلة 2011-2012

حمل العام 2011 الرسالة الأكثر حسماً في العلاقة الشخصية بين الزعيمين، إذ حاول الشيخ حمد حينها شخصياً إقناع بشار الأسد بالتنحي أمام اتساع الاحتجاجات الشعبية المناهضة لحكمه، قبل قطع الدوحة علاقاتها نهائياً مع نظام الأسد المخلوع احتجاجاً على قتل قوات الأمن للمتظاهرين وإحكام القبضة الأمنية على السوريين وقمع احتجاجاتهم. حملت هذه الواقعة تحولاً جوهرياً في مضمون الخطاب، إذ انتقلت الرسالة من "لنبنِ المنطقة معاً" إلى ما يشبه التحذير المباشر، بأن استمرار الوضع القائم بات غير ممكن، وأن التنحي يشكل السبيل الوحيد لتجنب ما هو أخطر. وحين قوبلت هذه المحاولة بالرفض واستمر القمع، انتقلت قطر من الإقناع السري إلى القطيعة العلنية خلال أشهر معدودة، فسحبت سفيرها، وألغت مشاريعها الكبرى في سوريا، وتصدرت داخل الجامعة العربية الدفع نحو عزل دمشق دولياً.

اتخذت الدوحة موقفاً أكثر سرعة وحسماً من أي عاصمة عربية أخرى عقب اندلاع الاحتجاجات وأعلن الشيخ حمد دعم قطر الثورات العربية المتصاعدة في المنطقة، في موقف وضع الدوحة على طرف نقيض من الرياض وأبو ظبي، الأكثر تحفظاً تجاه أي تحول ثوري يهدد نموذج الاستقرار الملكي. ودفعت عوامل عدة هذا التحول، جاءت في مقدمتها قراءة قطرية أوسع للربيع العربي بوصفه فرصة لدعم قوى سياسية صاعدة، ولا سيما التيارات الجديدة في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، بما يوسع نفوذ الدوحة الإقليمي. وارتفعت الكلفة الدبلوماسية للتحالف مع دمشق بشكل حاد مع تصاعد القمع الحكومي خلال العام 2011، إقليمياً وفي العواصم الغربية التي استثمرت فيها قطر صورتها كدولة إصلاحية حديثة. وقاد رئيس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، دفعاً مؤسسياً واضحاً داخل الجامعة العربية نحو مواجهة دمشق سياسياً وقطيعتها.

وتسارعت وقائع القطيعة بشكل ملموس، إذ هاجم "شبيحة" الأسد حينها السفارة القطرية في دمشق خلال صيف 2011، واعتذرت سوريا لاحقاً عن الحادثة، وتزامن ذلك مع سحب الدوحة سفيرها وإلغائها مشاريع قطرية ضخمة داخل سوريا؛ وتصدرت الدبلوماسية القطرية داخل الجامعة العربية الدفع نحو حزمة العقوبات غير المسبوقة التي فرضتها الجامعة في نوفمبر 2011، وحين تعثر تنفيذ بعثة المراقبين العرب، رفعت القيادة القطرية صوتها مطالبة بإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي. وطرحت قطر فكرة نشر قوات عربية مشتركة لكبح العنف، وإن ظلت هذه الفكرة بلا تطبيق فعلي. أعلن الشيخ حمد بوضوح أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة والستين عام 2012، دعمه المطلق للشعب السوري حين قال إن "الوضع في سوريا بلغ مرحلة غير مقبولة، فمئات السوريين الأبرياء يقتلون يوميًا على يد نظام لا يتردد في استخدام جميع أنواع الأسلحة ضد شعبه".

دعم المعارضة السورية 

عملت السياسة القطرية تجاه سوريا بعد عام 2011 على مسارات متوازية عدة؛ إذ حمل مسار الاعتراف الدبلوماسي طابعاً مبكراً وثابتاً، إذ اعترفت الدوحة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذي تشكل أواخر عام 2012، بوصفه ممثلاً شرعياً للشعب السوري، وسلّمت قطر مبنى السفارة السورية في الدوحة إلى الائتلاف المعارض في خطوة حملت دلالة رمزية بالغة، بينما ظلت سفارة قطر في دمشق مغلقة منذ عام 2011 لأكثر من عقد كامل، وأعادت الدوحة فتحها في ديسمبر 2024 عقب سقوط نظام الأسد.

وظّفت قطر مكانتها داخل الجامعة العربية، وعلاقتها الوثيقة بتركيا، وامتدادها الإعلامي الواسع لإبقاء الملف السوري في صدارة الاهتمام الإقليمي والعالمي، ودفعت نحو عزل الأسد في قمم عربية متتالية، وساندت جهود التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية. وفي مستويات أوسع، قدّمت مؤسسات قطرية رسمية وشبه رسمية، جاءت جمعية قطر الخيرية ومؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيرية في طليعتها، مساعدات إنسانية واسعة للمتضررين من الحرب السورية، شملت اللاجئين الذين فروا إلى تركيا والأردن ولبنان من جحيم وبطش نظام الأسد، في امتداد لنمط قطري أوسع يوظف العطاء الإنساني أداة نفوذ ناعم طوال سنوات الربيع العربي.

إدارة الملف اللبناني 

لم يقتصر النهج القطري على الملف السوري بمعزل عن لبنان، وإنما شكّلت الدبلوماسية اللبنانية للشيخ حمد امتداداً مباشراً للمحور نفسه الذي قام عليه التقارب مع دمشق، القائم على التحالف بين دمشق وطهران وبيروت، وسارت القطيعة اللاحقة في المسار عينه الذي شهدته العلاقة مع سوريا. انفجرت الأزمة اللبنانية في مايو 2008 بعد قرار الحكومة تفكيك شبكة اتصالات حزب الله الخاصة، وإقالة رئيس أمن مطار رفيق الحريري الدولي، مما أشعل اشتباكات طائفية عنيفة وصفت بالأخطر منذ نهاية الحرب الأهلي.  ودعا الشيخ حمد شخصياً كافة الفصائل اللبنانية المتنازعة إلى الدوحة، ونقل كبار الزعماء اللبنانيين إلى فندق الشيراتون في العاصمة القطرية للتفاوض على تسوية شاملة.  وأثمرت هذه الوساطة "اتفاق الدوحة" الموقع في الحادي والعشرين من مايو 2008، الذي أفضى إلى انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، بعد شغور الموقع منذ نوفمبر 2007، ومنح المعارضة، بقيادة حزب الله وحلفائه، أحد عشر مقعداً من أصل ثلاثين في حكومة الوحدة الوطنية، بما يكفل لها حق النقض الفعلي، وأقرّ حظر استخدام السلاح والعنف أداة لفض النزاعات السياسية، وأرجأ ملف سلاح حزب الله إلى مرحلة لاحقة ضمن استراتيجية دفاعية وطنية.

رحّبت سوريا وإيران بهذا الاتفاق القطري إلى جانب السعودية والولايات المتحدة وفرنسا، في لحظة نادرة من التوافق الدولي الواسع، ووصف رئيس الوزراء القطري آنذاك، الشيخ حمد بن جاسم، الاتفاق بأنه توافق بين "الإخوة اللبنانيين"، بينما لاحظ محللون في حينها أن الاتفاق كرّس عملياً موازين القوى لصالح حزب الله المدعوم من طهران ودمشق.  وتقاطع هذا المسار مباشرة مع الملف السوري ( الذي كان في عزلة إقليمية قوية بعد اغتيال الحريري)، ففي العام نفسه الذي استضاف فيه الأسد قمة دمشق العربية، وحظي فيه بالترحيب داخل المحور الإيراني السوري القطري في قمة الدوحة عام 2009، وسّط الشيخ حمد اتفاقاً لبنانياً رسّخ نفوذ الحليف الأول لسوريا وإيران داخل الحكومة اللبنانية، مما يجعل قطر وسوريا ولبنان أطرافاً ثلاثة لاستراتيجية إقليمية واحدة متكاملة.

لعب الشيخ حمد دوراً في جهود وقف إطلاق النار خلال حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وأسهم بشكل كبير في إعادة إعمار المناطق المتضررة جنوب لبنان، في مساعدات وصلت مجدداً إلى مناطق الجنوب، معززة مكانة الدوحة لدى بلاد الشام عمومًا. وحملت زيارة الشيخ حمد إلى جنوب لبنان عام 2010 أوضح صورة رمزية لمثلث الدوحة ودمشق وبيروت، ووُصفت بأحد أبرز المواقف المعززة لمكانة بيروت الإقليمية، وجاءت في العام نفسه الذي أعلن فيه حمد والأسد دعمهما المشترك للوساطة التركية بشأن الملف النووي الإيراني، مؤكدة ترابط السياسة اللبنانية والسورية للدوحة ضمن منظومة واحدة، لا ملفين منفصلين.

امتدت تداعيات القطيعة القطرية السورية إلى الملف اللبناني مباشرة عقب عام 2011، فطاولت العلاقة القطرية التحزبات التي رسّخها اتفاق الدوحة، ووجّه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله انتقادات متكررة للدوحة في خطاباته، بعد رفع قطر يدها عن سوريا وبدء دعم معارضي نظام الأسد، بينما قاتل حزب الله في الوقت نفسه إلى جانب نظام الأسد داخل سوريا. 

غزة والدعم غير المحدود

سار الشيخ حمد في ملف غزة على النمط عينه الذي انتهجه في سوريا ولبنان، جامعاً بين الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي والانخراط الشخصي رفيع المستوى؛ وزار الشيخ حمد قطاع غزة في أكتوبر 2012، ليصبح أول رئيس دولة يزور القطاع منذ سيطرة حماس عليه عام 2007، وتعهّد بتقديم نحو أربعمائة مليون دولار لمشاريع البنية التحتية والتنمية، شملت المستشفيات والمساكن، وردّدت محطات إذاعية في غزة أغنية حملت عنوان "شكراً قطر" خلال الزيارة. 

وامتدت هذه العلاقة من جذور أقدم، إذ استضافت الدوحة قيادة حماس السياسية في المنفى، وضمت خالد مشعل الذي انتقل من دمشق إلى الدوحة مع انقطاع العلاقات القطرية السورية بعد عام 2011، بما نقل عملياً مركز ثقل حماس الخارجي إلى المدار القطري. هنا نظرت إسرائيل إلى هذا التموضع القطري نظرة عدائية راسخة، واتخذت من قطر عدواً يستحق المهاجمة والتحريض المستمرين بسبب تمسك الدوحة بملف غزة ورعايتها المتواصلة لحماس. وحافظ الشيخ حمد على توازنه المعهود، فأبقى دعمه لحماس قائماً، وواصل في الوقت نفسه قناة اتصال دبلوماسية لضمان الوساطات والتفاهمات حيال الملف الفلسطيني؛ فازدادت حدة الخطاب الإسرائيلي المعادي لقطر مع كل تصعيد لاحق في غزة، ورأت تل أبيب في استمرار الدوحة راعياً لحماس تهديداً مباشراً لمصالحها الأمنية والسياسية. وحمل هذا الدعم مضموناً حقيقياً وملموساً، وخدم في الوقت ذاته طموح قطر الأوسع لتكون وسيطاً لا غنى عنه عبر أكثر خطوط الانقسام الإقليمي حدة.

قراءة الإرث

تعكس السياسة القطرية تجاه سوريا ولبنان وفلسطين، ولا سيما قطاع غزة، في عهد الشيخ حمد المفارقة الأعمق التي طبعت حكمه الممتد ثمانية عشر عاماً والمتمثل بدولة صغيرة تحمل طموحاً إقليمياً كبيراً، وتُقدم بشجاعة ومغامرة محسوبة على التخلي عن شراكة راسخة بين ليلة وضحاها حين يتبدل الحساب الاستراتيجي والقيمي والأخلاقي، وتدعم اختياراتها برأسمال دبلوماسي ومالي فعلي يتجاوز حدود الخطاب. يحمل التاريخ قراءتين متعارضتين لهذا الإرث، تصف إحداهما الموقف القطري تضامناً مبدئياً مع انتفاضة شعبية ضد حكم استبدادي، مدعوماً بضغط دبلوماسي متواصل ومساعدات إنسانية وبناء مؤسسي للمعارضة السياسية، بينما تصفه القراءة الأخرى، المفضلة لدى منتقدين في دمشق وموسكو وعواصم غربية، تدخلاً جريئاً وأحياناً متهوراً في نزاع أهلي داخل دولة أخرى، تشابكت فيه الأهداف الإنسانية مع دعم معارضة ساهمت في إطالة أمد الحرب السورية، وأثرها على المنطقة. لكن الواضح والراسخ هو أن دولة قطر لم تتخلّ يومًا عن دعم الشعب السوري واللبناني والفلسطيني وإرادتهم الحرة في المنطقة.