في 2026/04/07
طه العاني - الخليج أونلاين
تتجه استثمارات الطاقة العالمية نحو آسيا، حيث يتسارع الطلب على الكهرباء مدفوعاً بالنمو الصناعي والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، ما يعيد تشكيل مراكز النفوذ في أسواق الطاقة.
وتتحرك أبوظبي وباريس في هذا الاتجاه عبر شراكات استراتيجية تستهدف بناء حضور طويل الأمد في القارة، في دلالة على انتقال المنافسة من الإنتاج إلى إدارة مسارات نمو الطاقة مستقبلاً.
شراكة آسيوية
وفي إطار ذلك، تتصاعد المنافسة الدولية على أسواق الطاقة الآسيوية باعتبارها المحرك الرئيسي لنمو الطلب العالمي خلال السنوات المقبلة، في ظل توقعات باستحواذها على نحو 80% من الزيادة في استهلاك الكهرباء حتى عام 2030، وفق وكالة الطاقة الدولية.
وبهذا السياق، أعلنت "مصدر" الإماراتية، في 2 أبريل 2026، عبر إفصاح لسوق أبوظبي للأوراق المالية، توقيع اتفاقية ملزمة مع "توتال إنرجيز" لتأسيس شراكة متساوية (50% لكل طرف) بقيمة تصل إلى 2.2 مليار دولار، لدمج أصولهما في مشاريع الطاقة المتجددة البرية عبر 9 دول آسيوية.
وتشمل هذه الأسواق أذربيجان، وإندونيسيا، واليابان، وكازاخستان، وماليزيا، والفلبين، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وأوزبكستان، حيث ستركز المنصة الجديدة على تطوير وبناء وتشغيل مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الكهرباء.
وأكد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ"توتال إنرجيز"، باتريك بويانيه، أن الاتفاقية "تؤسس لشراكة قوية مخصصة لمشروعات آسيا"، مشيراً إلى أنها تجمع نقاط القوة لدى الطرفين لتعزيز الحضور وتنفيذ مشاريع أكبر قيمة، بما يتماشى مع استراتيجية الشركة في التحول نحو الطاقة المتجددة.
كما يؤكّد هذا التوجه انتقال الشركتين من الاستثمار المنفرد إلى بناء منصات إقليمية قادرة على المنافسة في أسواق عالية النمو.
قدرات تشغيلية
وتُظهر هيكلة الشراكة توجهاً لتأسيس منصة تشغيلية متكاملة، لا تقتصر على تطوير المشاريع، بل تمتد إلى إدارتها وتوسيعها ضمن نطاق جغرافي واسع.
وتضم المحفظة المشتركة مشاريع بقدرة إجمالية تبلغ نحو 9 غيغاواط، تشمل 3 غيغاواط من المشاريع قيد التشغيل، إضافة إلى 6 غيغاواط في مراحل تطوير متقدمة يُتوقع دخولها الخدمة بحلول عام 2030، وفق بيانات "مصدر".
ويمثل هذا الحجم من القدرات قاعدة انطلاق قوية للتوسع، خاصة مع تركيز المشاريع على مزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الكهرباء، ما يعزز استقرار الإمدادات ويزيد من كفاءة الشبكات في الأسواق المستهدفة.
ومن المقرر أن تتخذ الشركة الجديدة من سوق أبوظبي العالمي مقراً رئيسياً، مع فريق يضم نحو 200 موظف، على أن يتم الإعلان عن الإدارة التنفيذية بعد استكمال الموافقات التنظيمية.
ويأتي ذلك ضمن مسار أوسع لـ"مصدر"، التي تدير محفظة عالمية تتجاوز 65 غيغاواط عبر أكثر من 40 دولة، مع استهداف رفعها إلى 100 غيغاواط بحلول 2030، بحسب منصة الطاقة المتخصصة، ما يعزز استراتيجية توسع قائمة على الشراكات الكبرى في الأسواق الناشئة.
سوق واعدة
ويعتقد الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد ذكر الله، أن شراكة "مصدر" و"توتال إنرجيز" إشارة استراتيجية تتجاوز الاتفاقيات العابرة، لتقود تحول الطاقة في القارة الآسيوية برؤية بعيدة المدى.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين"، أن تأسيس كيان مشترك بمحفظة مشاريع واسعة في دول آسيوية يؤكد تموضع أبوظبي كمركز ثقل للقرار والتمويل بمنظومة الطاقة العالمية.
ويوضح ذكر الله أن اختيار العاصمة الإماراتية مقراً للشركة يعزز تكامل رأس المال الوطني مع الخبرة التقنية الفرنسية، لخلق منصة قادرة على التأثير بالأسواق الناشئة.
وأشار إلى وجود عوامل تمنح التحالف تفوقاً ملموساً، أبرزها الموارد التمويلية الضخمة لشركة "مصدر" والقدرات الهندسية المتقدمة التي تمتلكها "توتال إنرجيز" عالمياً.
ولفت إلى أن الانتشار الجغرافي الواسع للشركة الجديدة يمنحها قدرة فائقة على تنويع المخاطر، والاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير الضرورية لمشاريع الطاقة الكبرى في آسيا.
ويتحدث ذكر الله عن أهمية توقيت الدخول في ظل أزمة طاقة عالمية، مما يمنح التحالف موقفاً تفاوضياً قوياً مع الحكومات المحلية لتطوير بنيتها التحتية.
وحول المنافسة مع الصين، يؤكد المحلل الاقتصادي أنها تتطلب ميزات نوعية، نظراً لتفوق بكين في تكلفة التصنيع والدعم الحكومي الضخم لصادراتها التكنولوجية في الأسواق الآسيوية.
ويردف قائلاً إن هذا التحالف يتمتع بموثوقية جيوسياسية عالية لدى الدول الساعية لتنويع مصادر تمويلها واعتمادها الطاقي بعيداً عن التبعية الحصرية لقطب دولي واحد.
وأوضح أن الجودة التشغيلية والامتثال لمعايير الحوكمة الدولية تمنح المؤسسات الغربية والخليجية أفضلية في كسب مساحات جديدة بالسوق الآسيوية على حساب التكنولوجيا الصينية.
ويخلص ذكر الله إلى أن التحالف يمثل سوقاً واعدة تتسم بالاستقلالية والقدرة على جذب الاستثمارات الساعية للنمو المستدام بعيداً عن الارتباطات التقليدية المحدودة.
طلب متسارع
ويعزز التركيز على آسيا موقعها كمركز ثقل للطلب العالمي على الطاقة، في ظل تسارع التصنيع وارتفاع استهلاك الكهرباء وتوسع المدن.
وأكد وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ورئيس مجلس إدارة "مصدر"، سلطان أحمد الجابر، في بيان بتاريخ 2 أبريل 2026، أن "آسيا ستتصدر نمو الطلب العالمي على الكهرباء خلال هذا العقد"، مشيراً إلى أن الشراكة ستسهم في "فتح آفاق جديدة للنمو وتوفير حلول طاقة تنافسية وموثوقة".
من جهته، أوضح الرئيس التنفيذي لـ"مصدر"، محمد جميل الرمحي، أن الاتفاقية "ترسخ مكانة أبوظبي مركزاً عالمياً للطاقة، وتسرّع نشر حلول الطاقة المتجددة في آسيا"، لافتاً إلى دورها في تنويع الاستثمارات والتوسع في الأسواق ذات النمو المرتفع.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعيد فيه شركات الطاقة الكبرى ترتيب محافظها، مع التركيز على الطاقة منخفضة الكربون، في ظل توقعات بارتفاع الطلب بوتيرة تتجاوز الإمدادات التقليدية، ما يعزز أهمية بناء شراكات عابرة للحدود.
ويعزز هذا المسار توجهاً نحو ترسيخ النفوذ داخل أسواق الطاقة الآسيوية، ما يضع أبوظبي وباريس في موقع متقدم ضمن سباق قيادتها خلال مرحلة التحول المقبلة.