دول » السعودية

تدهور النشاط النفطي: الاقتصاد السعودي تحت خطر الانكماش

في 2026/08/04

متابعات

قبل أن تُفتح جبهة اليمن مُجدّداً، بدت السعودية الأفضل حالاً - نسبياً - بين دول الخليج، من حيث نسبة خسائرها الناجمة عن الحرب على إيران. فمن جهة، كانت مُنشآتها هي الأقلّ تعرّضاً للهجمات الإيرانية مقارنة بدول أخرى كالكويت والإمارات والبحرين؛ ومن جهة ثانية، ساعدها موقعها الجغرافي المطلّ على البحر الأحمر في المحافظة على نسبة جيّدة من صادراتها النفطية، التي وصلت إلى نحو 4.5 ملايين برميل يومياً، فيما هناك دول توقّفت صادراتها بشكل شبه كامل أو تراجعت بنسب كبيرة.

لكن مع إعلان حركة «أنصار الله» فرض حصار بحري على السعودية، وتنفيذها هجمات طاولت عدداً من المُنشآت النفطية والبنى التحتية الرئيسة في المملكة، وما أعقب ذلك من تنفيذ الأخيرة هجمات داخل اليمن والعراق، ظهرت الرياض وكأنها تفقد الميزتَين السابقتَين. كما أن المنفذ الذي شكّل متنفّساً استراتيجياً للصادرات النفطية السعودية بات هو الآخر تحت الخطر، في ظلّ شروع «أنصار الله» في منع السفن النفطية السعودية أو تلك المُحمّلة بالنفط السعودي من عبور مضيق باب المندب، الأمر الذي أسهم، بحسب بيانات بعض الشركات العالمية، في حدوث انخفاض قدره 30% في عمليات تحميل النفط الخام العلنية من ميناء ينبع على البحر الأحمر.

خلال الأيام القليلة الماضية، صدرت ثلاثة تقارير اقتصادية هامّة، اثنان منها رسميان سعوديان، وثالث خاص بـ«صندوق النقد الدولي» في إطار مشاورات المادة الرابعة. في ما يأتي قراءة في تلك التقارير التي ترصد بعض المؤشرات المتعلّقة بأداء الاقتصاد السعودي خلال فترة الحرب.

تدهور الأنشطة النفطية

يتعلّق التقرير الأوّل بما نشرته «هيئة الإحصاء السعودية» من تقديرات، وصفتها بالسريعة، للناتج المحلّي الإجمالي للربع الثاني من العام الحالي. وبحسب ما جاء في البيانات المنشورة، فإن هذا الناتج سجّل انكماشاً قدره 4.8%، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. والسبب الرئيس في ذلك يكمن في تراجع الأنشطة النفطية خلال الفترة الزمنية المذكورة بنحو 24.7%، في حين أن الأنشطة الحكومية وتلك غير النفطية سجّلت نمواً محدوداً على أساس سنوي قدره 0.9% و0.6% على التوالي.

تتّضح أكثر انعكاسات الحرب على مؤشّرات أداء الاقتصاد السعودي، مع مقارنة بيانات الربعَين الأول والثاني من العام الحالي؛ إذ تُظهِر تلك المقارنة أن نمو الناتج المحلّي الإجمالي خسر نحو 7.8 نقاط مئوية خلال ربع واحد، مُسجّلاً في الربع الأول 3%، فيما بدا في الثاني سلبياً كما ذُكر سابقاً. وترجع هذه الخسارة إلى تراجع نموّ الأنشطة النفطية من نحو 2.9% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 إلى نحو -24.7% في الأشهر الثلاثة التالية، أي بمقدار 27.6 نقطة مئوية، وهو ما أدّى بطبيعة الحال إلى تراجع نسبة مساهمة الأنشطة النفطية في معدّل النمو من نحو 0.8% في الربع الأول، إلى مساهمة سلبية قدرها 5.4% في الثاني. وبذلك، يمكن القول إن النفط مثّل، مطلع السنة الحالية، أحد مصادر النمو، قبل أن يتحوّل سريعاً إلى المصدر الرئيس للانكماش.

إلا أن ذلك لا يعني أن القطاعات الاقتصادية الأخرى شهدت تدهوراً مشابهاً؛ فالأنشطة الاقتصادية غير النفطية، والتي تشكّل ركيزة أساسية في «رؤية السعودية 2030»، حافظت على نموّ إيجابي خلال الربعَين المذكورين، وإن تباطأ هذا النمو على أساس سنوي من نحو 2.9% في الأول إلى 0.6% في الثاني. والحال نفسه ينسحب على الأنشطة الحكومية التي تباطأ نموّها هي الأخرى، من نحو 1.5% إلى 0.9%.

يتّضح، في ضوء تلك البيانات، أن الناتج المحلّي الإجمالي خلال الربع الثاني، انكمش بسبب تدهور النشاط النفطي، وهو ما كان مُتوقَّعاً، بينما استمرّت القطاعات غير النفطية والحكومية في تحقيق معدّلات نمو موجبة، وإن أقلّ من ما حقّقته في الربع السابق. إلّا أن هذه القطاعات والأنشطة، ورغم محافظتها على نموّ إيجابي، ظهرت عاجزة عن سدّ الفجوة التي تسبّب بها تراجع النشاط النفطي، إضافة إلى تأثّرها الواضح بتداعيات الحرب الجارية حالياً.

الإيرادات النفطية تزيد... ولكن

ثاني التقارير كان لوزارة المالية السعودية، التي أفادت فيه بأن الإيرادات المتحقّقة خلال الربع الثاني بلغت نحو 338.7 مليار ريال، فيما وصلت قيمة المصروفات إلى أكثر من 373 مليار ريال. وبالتالي، فإن العجز المتحقّق، خلال هذا الربع، بلغ نحو 34.2 مليار ريال. وفي التفاصيل، تكشف بيانات «المالية» حدوث ارتفاع واضح في قيمة الإيرادات النفطية، رغم التراجع الحاصل في صادرات البلاد من النفط على خلفية إغلاق مضيق هرمز؛ إذ وصلت تلك الإيرادات في الربع الثاني إلى نحو 185.1 مليار ريال - بنسبة زيادة قدرها 27.9% عن المتحقِّق في الربع الأول -، مشكِّلةً ما نسبته 54.6% من إجمالي مداخيل الموازنة، وهذا ما ساعد المملكة في مواجهة تداعيات الحرب.

كذلك، يَظهر حجم الأثر الذي تركه ارتفاع أسعار النفط على إيرادات البلاد النفطية، مع مقارنة هذه الإيرادات بنظيرتها في العام الماضي - عندما كانت صادرات البلاد في وضعها الطبيعي -، حيث يُلاحَظ وجود زيادة نسبتها تصل إلى نحو 22%. ومع هذا، فإن هذه الزيادة لا تلغي وجود انكماش في الناتج المحلّي، وفق ما أشير إليه أعلاه. على أن اللافت في البيانات، أن الإيرادات غير النفطية زادت هي الأخرى في الربع الثاني بنسبة تصل إلى 32% عن الأول، ووصلت قيمتها إلى نحو 153.6 مليار ريال، وهو ما يمكن عزوه إلى التضخّم وارتفاع كلف إنتاج السلع والخدمات أحد أسبابها.
وفي سياق إجراءات ضبط الإنفاق وترشيده، أظهرت قائمة المصروفات تراجع تعويضات العاملين بنسبة 4.4% عن الربع الأول، وكذلك الحال بالنسبة إلى استخدام السلع والخدمات التي انخفضت بنحو 24.2%، والإعانات بنسبة 24.3%. لكن في المقابل، ارتفع الإنفاق على المنافع الاجتماعية بنحو 36.4%، في ما يُعزى إلى محاولة تخفيف تأثيرات الحرب على السكان.

«النقد الدولي» متفائل

في تقريره الصادر أخيراً في إطار مشاورات المادة الرابعة، يشيد خبراء «صندوق النقد الدولي» بما اعتبروه «قدرة الاقتصاد السعودي على الصمود في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط، مدعوماً بمتانة أساسياته، وتنوّع بنيته التحتية النفطية واللوجستية، فضلاً عن جهود الحكومة في احتواء التداعيات». إلا أنهم في المقابل يعترفون بأن «الحرب أدّت إلى تعطيل حركة التجارة، بما في ذلك صادرات النفط، كما ألقت بظلالها على الأنشطة غير النفطية ومستويات الثقة».

ويضيف هؤلاء أن حالة «عدم اليقين لا تزال تهيمن على الآفاق، كما تنذر المخاطر الراهنة بتطوّرات سلبية. وتشير التوقعات إلى تعافي الاقتصاد تدريجياً بمجرّد عودة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها. ومن المتوقّع أن يساهم ارتفاع أسعار النفط في تجاوز الآثار الناجمة عن تراجع أحجام الصادرات، محقّقاً إيرادات استثنائية». ومن هنا، ومن أجل «الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلّي، واحتواء آثار الصدمة، وتعزيز القدرة على الصمود»، ينصح خبراء الصندوق، الحكومة السعودية، بـ«إجراء خفض معتدل في العجز الأولي غير النفطي في عام 2026، مع توجيه الدعم المالي إلى المستحِقّين على أساس مؤقّت وفي إطار من الشفافية. وعلى المدى المتوسط، يظلّ من الضروري ضبط أوضاع المالية العامة وتنفيذ إصلاحات رؤية السعودية 2030 لدعم النمو والتنويع الاقتصادي».

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الاقتصاد السعودي، وكغيره من اقتصادات المنطقة، سيكون على موعد خلال الفترة القادمة مع أحد سيناريوَين:

- الأوّل: مزيد من النتائج السلبية في ما لو استمرّت الحرب وأجواء التصعيد لفترة زمنية أطول، أو توسّعت دائرة المواجهة مستقبلاً لتشمل منشآت الطاقة والبنى التحتية. كما أن فشل المملكة في احتواء التصعيد الحاصل مع اليمن والعراق، ودخولها في مواجهة قد لا تكون قادرة على حسمها، سيفاقمان التوقّعات السلبية لاقتصادها.

-أمّا الثاني، والمرتبط بالتوصّل إلى اتفاق سلام دائم ينهي الحرب الدائرة، ويعيد فتح مضيقَي هرمز وباب المندب أمام حركة الملاحة، فإن التوقعات تشير إلى أن فرصة تعافي الاقتصاد السعودي، في حال حدوثه، تبدو أكبر وأسرع من فرص بقيّة الدول، وذلك بالنظر إلى إمكانية استعادة المملكة لمستوى صادراتها النفطية خلال فترة قصيرة. لكن في المقابل، لا يعني هذا الأمر تجاوز تأثيرات الحرب وطيّ صفحتها بالسرعة نفسها، سواء أكان داخلياً أم خارجياً.