في 2026/05/22
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
مما لا شك فيه أن ثورة التطوير التي قادتها المملكة العربية السعودية، في مناسك الحج، ودخولها عصر الرقمنة والذكاء الصناعي، هي ثورة مهمة جدًا وتعود بالنفع ومعالجة كثير من المشكلات وتلافي العديد من الحوادث المتكررة. لكنها، في المقابل، تستدعي بعضًا من الانتباه والأخذ بالحسبان بعض الأمور المهمة، والتي تتعلق بمشكلات عامة في الذكاء الصناعي، قد تنسحب بدورها على المسار الراهن لتطوير إدارة المناسك.
هذا؛ وكانت وزارة الحج والعمرة في السعودية قد أعلنت، في موقعها الرسمي، الحرص على توفير خدمات إلكترونية عبر البوابة الإلكترونية للوزارة والأجهزة الذكية، لتسهيل إنجاز معاملات المستفيدين وتسريعها.
يمكن تلخيص خطوات إدارة الحج بالرقمنة والذكاء الصناعي ومراحله لبيان ما نريد لفت النظر إليه:
1. التسجيل الرقمي والتحقق الذكي من الحجاج، حيث تبدأ العملية قبل وصولهم إلى السعودية عبر منصات رقمية موحدة؛ مثل منصة وتطبيق "نسك"، والتي أصبحت البوابة الرئيسة لإجراءات الحج والعمرة. تشمل هذه المرحلة تسجيل بيانات الحاج رقميًا وإصدار التصاريح إلكترونيًا، مع ربط البيانات بالجهات الأمنية والصحية. كما تعتمد منصة "نسك" على التكامل مع عشرات الجهات الحكومية لتقديم أكثر من 120 خدمة رقمية للحجاج.
2. تحليل البيانات والتنبؤ بالكثافات والمشكلات المتوقعة، حيث تستخدم المملكة تقنيات تحليل البيانات الضخمة والذكاء الصناعي للتنبؤ بحركة الحشود قبل حدوث الاختناقات. وذلك عبر كاميرات ذكية موزعة في الحرم والمشاعر، يتزامن معها تحليل فوري للتدفقات البشرية، مع مراقبة المسارات ونقاط التكدس وتوقع أماكن الاختناق قبل وقوعها. تقوم أنظمة الذكاء الصناعي بإرسال تنبيهات فورية إلى غرف العمليات لتعديل مسارات الحركة أو توزيع الحشود.
3. إدارة الحشود لحظيًا بإعادة توزيع الحشود وتوجيه الحافلات وفقًا للزحام وفتح وإغلاق مسارات، بشكل ديناميكي. إضافة إلى استخدام تطبيقات ميدانية مرتبطة بالذكاء الصناعي لقراءة التصاريح فوريًا عند نقاط التفتيش.
باختصار، يمكن القول إن السعودية نقلت إدارة الحج من نموذج “الإدارة البشرية التقليدية” إلى نموذج “الإدارة الخوارزمية الذكية".
سلبيات الإدارة الذكية ومخاطرها:
بعد هذا الاستعراض، ينبغي لفت الانتباه إلى بعض السلبيات والمخاطر، لا سيما بسبب المسؤولية الضخمة لإدارة حشد يعدّ أكبر التجمعات البشرية في العالم وأكثرها حساسية دينيًا.
أبرز هذه المخاطر:
1. محاذير الاعتماد المفرط على الأنظمة التقنية، حيث يزداد خطر "الشلل التقني" إذا حدث انقطاع في الشبكات، أو أي خلل في الخوادم، نتيجة أي أعطال كهربائية أو حدوث فشل في قواعد البيانات أو التعرض لأي هجمات سيبرانية. في الحج التقليدي كانت بعض العمليات تُدار بشريًا، ويمكن تعويض الخلل بسرعة، أما في النموذج الذكي، بحال تعطل النظام المركزي قد يؤثر في التصاريح والتنقل وإدارة الحشود، وربما دخول المشاعر المقدسة.
2. المراقبة الشاملة وفقدان الخصوصية، حيث يعتمد النظام الذكي على كثافة الكاميرات وتتبع الهواتف والهوية الحركية وتحليل الحركة وتقنيات تعرّف الوجوه، فيصبح تحركات الفرد وبياناته وسلوكه قابلة للتتبع الكامل. هذا الأمر يثير كثيرًا من التساؤلات، وربما الانتقادات، بخصوص حدود الخصوصية، وما هي مدة الاحتفاظ بالبيانات والجهات التي يمكنها الوصول إليها، وهواجس بكيفية استخدام البيانات لاحقًا.
3. احتمال التحيز الخوارزمي، إذ إن الذكاء الصناعي ليس محايدًا، بشكل دائم، فيمكن للأنظمة أن تسيء تفسير سلوكيات بشرية، كذلك يمكن أن تخطئ في تصنيف الحشود، أو تعطي أولوية لفئات معينة وفقًا لتصميم الخوارزمية. هذا يعني احتمال حدوث أخطاء من نوعية خطأ في التعرّف الهوية ومنع شخص مصرح له، أو توجيه الحشود بطريقة غير عادلة. في بيئة مكتظة، مثل الحج، من الوارد أن يتحول خطأ خوارزمي صغير إلى أزمة ميدانية كبيرة.
لعل أهم سلبية هي تقليص العامل البشري والخبرة الميدانية، حيث تعتمد مناسك الحج تاريخيًا على الخبرة البشرية، عن طريق رجال الأمن والمرشدين والإدارة البشرية للحشود الميدانية، بشكل مباشر. بينما الإفراط في الاعتماد على أنظمة الذكاء الصناعي قد يؤدي إلى تراجع مهارات التدخل البشري وبطء رد الفعل إذا تعطلت الأنظمة، وتحول الأفراد إلى منفذين لقرارات الخوارزمية بدلاً من التقدير الميداني المبني على العقل البشري والإنساني الذي يستطيع تقويم المواقف، بشكل دقيق ورصين، والتعاطي معها بما يتوافق وروح ووجدان المناسك الدينية وقدسيتها.
إذ لا تعد الحشود البشرية مجرد معادلات رياضية دقيقة، ففي موسم الحج يمكن أن تظهر حالات هلع مفاجئة وتدافع ديني أو عاطفي أو تغيرات مناخية حادة، وربما سلوك جماعي غير متوقع. إذ قد تفشل النماذج الذكية في توقع القرارات العاطفية والسلوك الديني الجماعي أو ردود الحشود النفسية.
كما يجب ملاحظة أن هناك فئات لا تتوافق وهذه الأنظمة، فليس الحجاج كلهم يجيدون التطبيقات الإلكتروينة، أو يمتلكون هواتف ذكية، أو يستطيعون التعامل مع الأنظمة الرقمية المعقدة، مثل بعض كبار السن أو بعض القادمين من دول فقيرة، أو غير المتعلمين تقنيًا. هذا ما قد يخلق نوعًا من صعوبات في التنقل وارتباكًا في التصاريح واعتمادًا كاملًا على الوسطاء.
لهذا يجب أن تكون هناك موازنة بين الذكاء الصناعي والخبرة البشرية والمرونة الميدانية، حتى يخرج موسم الحج بأفضل صورة ممكنة؛ من حيث الأمان واليسر والسلامة.