في 2026/07/09
طه العاني - الخليج أونلاين
تعزز قطر وتركيا حضورهما في اقتصاد الفضاء، عبر توسيع الشراكات التقنية والاستثمار في البنية التحتية للأقمار الصناعية، في توجه يعكس انتقال التعاون الثنائي من القطاعات التقليدية إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة والاتصالات الفضائية، بما يواكب تنامي الطلب العالمي على الخدمات الرقمية عالية الكفاءة.
ويبرز مشروع القمر الصناعي المشترك "سهيل-3/توركسات-بيروني" باعتباره أحدث محطات هذا المسار، إذ يجمع بين التمويل والبنية التحتية والخبرات الفنية للطرفين، ويوسع نطاق الخدمات الفضائية في أسواق إقليمية ودولية، بما يعزز حضورهما في اقتصاد الفضاء.
كما يمثل المشروع المشترك بين الدوحة وأنقرة أحدث خطوة لترجمة التعاون الثنائي إلى شراكة تكنولوجية تستهدف أسواق الاتصالات الفضائية سريعة النمو.
شراكة فضائية
وأعلنت وزارة النقل والبنية التحتية التركية، في 30 يونيو 2026، توقيع اتفاق شراكة استراتيجية بين شركة "توركسات" التركية وشركة "سهيل سات" القطرية لتنفيذ مشروع القمر الصناعي "سهيل-3/توركسات-بيروني" في الدوحة.
وأوضح وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، أن "المشروع يقوم على الاستخدام المشترك لسعة القمر الصناعي عالي الإنتاجية العامل بتقنية (Ka-band) في الموقع المداري 50 درجة شرقاً، بما يعزز القدرة التجارية للمشروع ويوسع حضور تركيا في قطاع الفضاء".
كما أشار أورال أوغلو إلى أن التمويل القطري للمشروع سيضيف قمراً صناعياً جديداً عالي السعة إلى أسطول "توركسات"، مع توفير سعة تصل إلى 50 غيغابايت في الثانية للشركة التركية، بما يدعم البنية الوطنية للاتصالات الفضائية.
وأضاف أن "الشراكة طويلة الأمد تقوم على تبادل القدرات وتحقيق أهداف تجارية مشتركة، مع الحفاظ على الحقوق الترددية والمدارية الحالية".
كما سيتيح القمر الصناعي خدمات الإنترنت عالي السعة، واتصالات الطيران والملاحة البحرية، وخدمات المؤسسات الحكومية، ونقل البيانات.
وستغطي خدماته الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء، بما يعزز حضور قطر وتركيا في قطاع تكنولوجيا الفضاء والاتصالات.
قدرات مشتركة
ولا يقتصر المشروع على إطلاق القمر الصناعي، بل يؤسس لمنظومة تشغيل وتسويق فضائية مشتركة تستفيد من البنية التحتية والخبرات المتراكمة لدى الجانبين.
وإلى جانب اتفاقية الشراكة مع "توركسات" وقعت "سهيل سات" عقداً مع شركة "تيلس ألينيا سبيس" الفرنسية لتصميم وتصنيع القمر الصناعي، في خطوة وصفتها الشركة بأنها أكبر استثمار استراتيجي في مسيرتها منذ تأسيسها.
وستستفيد الشركتان من أصولهما الفضائية المشتركة، والبنية التحتية الأرضية، وشبكات التوزيع، والعلاقات مع العملاء لتقديم خدمات فضائية متكاملة في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء.
كما يقوم المشروع على تقاسم الاستثمار، وتحسين استخدام السعات الفضائية، وتعظيم العوائد التجارية منذ بدء تشغيل القمر.
وأكد الرئيس التنفيذي لـ"سهيل سات"، علي أحمد الكواري، أن الاتفاقيات تمثل محطة مفصلية في مسيرة الشركة، إذ تترجم رؤية مشتركة مع "توركسات" لتعزيز الابتكار والنمو في قطاع الفضاء.
كما أوضح الكواري أنّ التعاون مع "تيلس ألينيا سبيس" يتيح تقديم خدمات اتصالات فائقة الجودة، وتوسيع التغطية نحو أسواق استراتيجية، وتعزيز استقلالية البنية التحتية القطرية للاتصالات.
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لـ"توركسات"، أحمد حمدي أتالاي، إن المشروع يعكس تعاوناً إقليمياً يستجيب للتحولات المتسارعة في سوق الاتصالات الفضائية، عبر توحيد البنية التحتية والخبرات لتقديم خدمات من الجيل الجديد للقطاعين العام والخاص.
تحول نوعي
وتمثل الشراكة الفضائية بين قطر وتركيا خطوة استراتيجية تتجاوز حدود التعاون التقليدي في الاتصالات، لتنقل العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة متقدمة ترتكز على تكنولوجيا المعرفة والسيادة الرقمية، كما يرى الباحث الأكاديمي الدكتور عبد الرحيم الهور.
ويبين الهور لـ"الخليج أونلاين" أن "هذا التحالف يأتي بالتزامن مع اشتداد المنافسة العالمية في قطاع الفضاء والاتصالات الفضائية، بما يفرض على الدول الطامحة للحفاظ على مكانتها بناء شراكات قادرة على تقاسم التكاليف الاستثمارية، وتبادل الخبرات، وتسريع وتيرة الابتكار لبناء قوة تنافسية مستدامة".
كما يشير إلى أن "دمج الاستثمارات والخبرات التشغيلية القطرية مع القدرات الصناعية والتكنولوجية التركية المتنامية، من شأنه تأسيس منصة إقليمية قوية تقدم خدمات بث ونقل بيانات عالية الكفاءة، ما يقلص الاعتماد على المزودين التقليديين في الشرق الأوسط وأفريقيا".
ويلفت الهور إلى أن "المشروع الفضائي المشترك سيعزز مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، ويخلق حوافز استثمارية واعدة في مجالات تصنيع المكونات الفضائية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، فضلاً عن استقطاب رؤوس الأموال العالمية وتحفيز مراكز البحث والتطوير".
ويضيف الباحث الأكاديمي أن المكاسب الاقتصادية تمتد لتحقيق وفورات مالية ضخمة عبر خفض تكاليف إدارة المخاطر، إذ تسهم البيانات الفضائية الدقيقة في:
رفع سلامة الملاحة الجوية والبحرية.
تحسين كفاءة شبكات الطاقة.
تقليل الخسائر التشغيلية.
ويرى الهور أن "هذه الخطوة تؤسس لتحول نوعي ينقل التعاون الثنائي من قطاعات التجارة والبنية التحتية التقليدية إلى الصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهو توجه ينسجم تماماً مع الرؤى الوطنية للبلدين الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصادات قائمة على المعرفة".
ويؤكد أن البعد الاستراتيجي للمشروع يعزز استقلالية القرار السياسي والأمني عبر تملك بنية تحتية فضائية مستقلة لإدارة البيانات والخدمات السيادية، مما يحد من الارتهان للخارج، ويرسخ مكانة الدوحة وأنقرة كمركزين قياديين للمشاريع التكنولوجية الكبرى في المنطقة.
كما يعتقد الهور أن التطبيقات العملية للقمر الصناعي الجديد ستحدث طفرة في دعم المدن الذكية، وإدارة الأزمات، ومراقبة البيئة، وحماية شبكات الاتصالات الحيوية، وهو ما يرفع من مرونة الاقتصادات الوطنية في مواجهة التحديات المستقبلية، ويخلق فرص عمل نوعية جديدة للكوادر المحلية.
مسار متصاعد
وتستند الشراكة الجديدة إلى مسار استثماري طويل مكّن قطر من بناء منظومة فضائية متكاملة، قبل الانتقال إلى مرحلة التوسع الإقليمي بالشراكات الدولية.
وأوضحت وكالة الأنباء القطرية (قنا)، في تقرير نشرته في 6 يوليو 2026، أن "سهيل سات" انتقلت خلال نحو 13 عاماً من الاعتماد على مشغلي الأقمار الصناعية الخارجيين إلى إدارة منظومة فضائية متكاملة.
وتأسست "سهيل سات" عام 2010 برأسمال يبلغ 4.18 مليارات ريال قطري (1.15 مليار دولار)، بهدف تعزيز استقلالية الدولة في خدمات البث والاتصالات ضمن مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030.
وبدأت الشركة هذا المسار بإطلاق "سهيل-1" عام 2013، ثم "سهيل-2" عام 2018 الذي دخل الخدمة التجارية في 2019، لتوسّع خدماتها من البث الفضائي إلى الإنترنت عالي السعة، والاتصالات الحكومية، والخدمات البحرية والجوية، وحلول (VSAT)، مدعومة بمحطة أرضية في الدوحة تمتد على نحو 50 ألف متر مربع وتحمل تصنيف (Tier IV) العالمي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التطور يعزز الاستقلالية التقنية لقطر ويرسخ مكانتها كبيئة جاذبة للاستثمارات التكنولوجية، مؤكدين أن المشروع الفضائي يمثل انتقالاً لجيل جديد من الاتصالات يدعم الاقتصاد الرقمي ويعزز القدرة على التنافس عالمياً.
كما أكد الرئيس التنفيذي لـ"سهيل سات"، علي أحمد الكواري، في تصريحات سابقة لـ"قنا"، أن تكلفة المشروع تبلغ نحو 295 مليون ريال قطري (81 مليون دولار)، ومن المتوقع إنجازه خلال 3 إلى 4 سنوات على أن يدخل الخدمة بحلول 2030.