علاقات » صيني

التوازن الحرج بعد الحرب.. دلالات الاستدارة الصينية نحو العواصم الخليجية

في 2026/07/11

طه العاني - الخليج أونلاين

أعادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران رسم حسابات القوى الكبرى في الشرق الأوسط، ولم تقتصر تداعياتها على موازين القوة العسكرية، بل امتدت إلى إعادة صياغة أولويات الفاعلين الدوليين في المنطقة.

ومع دخول المنطقة مرحلة من التهدئة الحذرة ثم عودة ضربات محدودة، برز الخليج بوصفه الساحة الأكثر حساسية في حسابات بكين، التي تسعى إلى الحفاظ على نفوذها لدى العواصم الخليجية عبر أدوات الاقتصاد والدبلوماسية، في وقت عززت فيه التحولات الأمنية الأخيرة ارتباط دول المنطقة بالشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة، ما جعل مهمة الحفاظ على التوازن أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

أولوية خليجية

وفرضت نتائج الحرب على بكين إعادة صياغة أولوياتها الإقليمية، مع انتقال التركيز من إدارة العلاقة مع إيران إلى الحفاظ على موقعها لدى الشركاء الخليجيين.

وبحسب تحليل نشرته مجلة "ذا ديبلومات" الدولية، في 26 يونيو، باتت الأولوية الصينية تتمثل في منع السعودية والإمارات من الاقتراب بصورة أكبر من واشنطن، بعدما أعادت الحرب تشكيل الاصطفافات الإقليمية، ورسخت اعتماد عدد من دول المنطقة على المظلة الأمنية الأمريكية.

ويأتي هذا التحول في وقت كانت فيه الصين قد أعادت أصلاً ترتيب أولويات سياستها الخارجية منذ مؤتمر العمل المركزي الخاص بالدول المجاورة في أبريل 2025، الذي منح جوارها الإقليمي أولوية متقدمة، في حين تراجع الشرق الأوسط إلى مرتبة لاحقة، وهو ما جعل بكين تميل إلى إدارة مصالحها في المنطقة بأقل قدر ممكن من الانخراط السياسي والعسكري.

وفي المقابل، تواصل الصين الاحتفاظ بعلاقاتها مع إيران، مستفيدة من اعتماد طهران الاقتصادي عليها، ولا سيما في قطاع النفط، لكنها لا تبدي استعداداً لتجاوز سياسة عدم التدخل أو تقديم دعم عسكري مباشر، ما يجعل استثماراتها الدبلوماسية تتجه بصورة أكبر نحو الخليج.

شراكة متوازنة

وترى بكين أن الحفاظ على العلاقات مع العواصم الخليجية يمثل الركيزة الأساسية للحفاظ على نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة.

وتستند هذه المقاربة إلى شبكة مصالح اقتصادية واسعة، إذ تتجاوز قيمة التبادل التجاري بين الصين وكل من السعودية والإمارات 100 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يفوق حجم تجارتها مع إيران، ويجعل استقرار الخليج أولوية مباشرة للاقتصاد الصيني.

وتتربع الصين على صدارة مستوردي الطاقة من المنطقة، وهو ما يربط أمن الملاحة في مضيق هرمز ارتباطاً وثيقاً بمصالحها الاستراتيجية العليا وأمنها القومي.

وتستفيد بكين كذلك من رصيدها الدبلوماسي بعد رعايتها استئناف العلاقات السعودية الإيرانية في مارس 2023، وهو الاتفاق الذي منحها موقعاً مميزاً لدى مختلف الأطراف، ورسخ صورتها وسيطاً قادراً على التواصل مع الجميع دون الانخراط في الاستقطابات الإقليمية، وهو ما تحاول البناء عليه في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق، جدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في بكين، مطلع يوليو 2026، تأكيد دعم بلاده للحوار واستمرار المفاوضات، مع استعدادها للعمل مع الرياض لخفض التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

دروس عميقة

ويؤكد د. محمد سليمان الزواوي، المحاضر في معهد الشرق الأوسط بجامعة سكاريا التركية، أن المواجهات الأخيرة ضد إيران استهدفت احتواء الصعود الصيني وخنق إمدادات الطاقة المتدفقة لبكين، معتبراً الخليج ركيزة استراتيجية حيوية للحسابات الصينية تمنع انفراد واشنطن بالسيطرة.

ويبين، في حديثه مع "الخليج أونلاين"، أن بكين استخلصت دروساً عميقة من الصراع، فدعمت قدرات طهران الدفاعية باختبار أحدث أسلحتها، رغبةً في منع سقوطها والحفاظ على تدفق النفط وإبقائه بعيداً عن الفلك الأمريكي.

ويعتقد الزواوي أن الصين تمتلك مقومات تتيح لها لعب دور الوسيط لخفض التصعيد وحماية البنى التحتية، مشيراً إلى تقاطع المصالح الخليجية الصينية في تجنيب ممرات الطاقة الصراعات العسكرية المدمرة بالمنطقة.

ولفت الأكاديمي إلى أن التطور التكنولوجي العسكري لبكين جعلها رقماً صعباً، مبيناً أن نجاح دمج المنظومات الصينية لدى باكستان ومصر يزيد جاذبيتها لدول الخليج الراغبة في تنويع شراكاتها الأمنية لحماية أجوائها.

ويشير الزواوي إلى أن التباين الخليجي الأمريكي فتح الباب لمقاومة الضغوط، موضحاً أن عجز الأنظمة الغربية أحياناً يعزز فرص بناء منظومة أمن إقليمية مشتركة تتكامل فيها القدرات الصينية والباكستانية والمصرية.

ويرى أن الشروط السياسية المعقدة لواشنطن تدفع المنطقة نحو البديل الصيني، لافتاً لفاعلية تقنيات بكين ورخص ثمنها وقدرتها على صد الصواريخ والمسيرات، مما يمنحها أفضلية في رسم أمن الخليج.

حدود النفوذ

ورغم توسع حضورها الاقتصادي، تدرك الصين أن نفوذها في الخليج يبقى مقيداً بالتفوق الأمني والعسكري الذي تحتفظ به الولايات المتحدة.

فالحرب عززت قناعة عدد من دول الخليج بأن الضمانات الأمنية الأمريكية لا تزال الركيزة الأساسية لحماية المنطقة، وهو ما ظهر في استمرار التنسيق الدفاعي الوثيق، مقابل تركيز الصين على أدوات الاقتصاد والدبلوماسية دون السعي إلى بناء مظلة أمنية بديلة.

كما دفعت الحرب إلى تأجيل القمة الصينية العربية والقمة الصينية الخليجية اللتين كانتا مقررتين في بكين خلال يونيو 2026، ما عكس حجم التحديات التي تواجهها بكين في ترجمة نفوذها الاقتصادي إلى مكاسب سياسية أوسع.

وبينما تبدو إيران أكثر ارتباطاً بالصين، و"إسرائيل" أكثر التصاقاً بالولايات المتحدة، يبقى مستقبل علاقاتها مع العواصم الخليجية الاختبار الحقيقي لقدرة بكين على الحفاظ على موطئ قدم داخل التوازنات الإقليمية الجديدة.