علاقات » ايراني

من يهدد وجود الخليج؟

في 2026/06/15

أحمد شوقي (راصد الخليج) 

تشهد المنطقة والعالم متسجدات تغير التوازنات الدولية، وهو ما يفرض ترتيبات جديدة في الأمن الجماعي وأمن كل دولة على حدة.

ثبت تاريخيا، ومنذ استقلال دول الخليج، أن الأمن في منطقة الخليج لا يصلح له منطق الخلاص الفردي أو الأمن المستقل بمعزل عن المحيط، بل يتحدد أمنه وفقا لتشابك المصالح والخصائص الجغرافية والديموغرافية لدول الخليج، وهو ما يؤسس لحقيقة استراتيجية مفادها حتمية الأمن الجماعي.

من الأخطاء الواجب مراجعتها، فصل أمن مجلس التعاون الخليجي عن الجوار الإيراني، والدخول في تناقض ينذر بعداء، وهو ما حدث في الحرب الأخيرة، عندما حدثت المواجهة بين أميركا وإيران، بسبب ربط أمن الخليج بالحماية والقواعد الأمريكية، على الرغم من عدم وجود عداء مفترض بين دول الخليج والجار الإيراني.

الأخطر هو اكتشاف أن هناك اصطفافا مع العدو الأصلي المتمثل بـــ"اسرائيل"، حيث تقاطع أمن الخليج مع أمنها بشكل غير مقصود، والسبب هو القيادة الأمريكية لمنظومة الأمن، والتي وضعت أمن الخليج و"اسرائيل" في بوتقة واحدة، من دون استشارة وتنسيق مع دول الخليج التي يستبعد أن توافق على هذا الطرح. وهو ما يعني انكشافا استراتيجيا وتناقضا فجا بين عروبة دول الخليج ووجدان شعوبها، وبين الواقع الذي فرض ميدانيا في مسرح عمليات الحرب.

مؤخرا، وبعد الضربات التي تلقتها القواعد الأمريكية في الحرب، ارتفعت أصوات أمريكية تحث البنتاغون على مراجعة الوجود العسكري، ووصلت إلى المناداة بإغلاق القواعد الأمريكية في الخليج كونها أصبحت مستهدفة، وأنها لا تستطيع توفير الحماية لنفسها بعد التجربة العملية في الحرب الراهنة.

كان مفاد تلك الدعوات للبنتاعون هو أنه قد حان الوقت للولايات المتحدة أن تحذو حذو بريطانيا في الانسحاب من القواعد في الخليج، حيث تتمتع الطائرات الأمريكية اليوم بمدى طيران أطول، كما أن سفن الإنزال البرمائية التي تنقل طائرات إف-٣٥ وأوسبري تجعل العديد من القواعد العسكرية غير ضرورية.

في هذا السياق؛ للخليج مطالب بالبحث الفوري عن بديل وامتلاك المبادرة في وضع هذا البديل عبر تنويع مصادر تسليحه والاتفاق على ترتيبات جديدة للأمن الجماعي، ولكن بشرط ضروري وهو حتمية توصيف التهديدات وأولها توصيف العدو.

هناك فوارق استراتيجية بين المنافس والخصم والعدو، وكل توصيف يفرض ترتيبا مختلفا للأمن القومي للدول وللتكتلات.

المنافس يمكن التنسيق والحوار معه وهناك مجالات للتعاون، وحتى الخصم يمكن تحييد الصراع معه في تفاهمات واتفاقات، بينما العدو فهو تهديد دائم والصراع معه وجودي والسلام معه ليس إلا هدنة مؤقتة واشتباك مؤجل.

لا نرى عدوا للعرب ولا دول الخليج سوى "اسرائيل"؛ وهي لاتخفي هذا العداء على الرغم من التطبيع والاتفاقات "الإبراهيمية"، فهي تتبجح بإعلان مشروع "إسرائيل الكبرى"، وهو مشروع يحمل في تفاصيلة السيطرة على المنطقة، بما فيها دول خليجية مثل السعودية والكويت وغيرها.

عندما نوصف العدو، فإن ترتيبات الأمن الجماعي ستكون واضحة وآمنة، وتميز بين العدو والمنافس وتبعد دولنا عن التورط والانكشاف الاستراتيجي. الأهم أنها ستتسق مع وجداننا وثوابتنا العربية والإسلامية.

لقد وجدنا ملامح لهذه المراجعات وسعيا للتفاهم مع الجيران وأصوات خليجية مرتفعة تعترض على أميركا وتوريطها لنا، وهو تطور مشجع نرجو أن ينمو ويتطور كي تطمئن الشعوب الخليجية لمستقبلها في عالم جديد يحمل ملامح مختلفة في توازناته وأقطابه.