في 2026/08/25
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
تعيش كازاخستان، حاليًا، في مأزق فرضته الحرب الباردة بين الصين وأميركا، والتي تعد الحرب التجارية أسخن جبهاتها، حيث سعت كازاخستان إلى التحوط وتنويع العلاقات، في وقت قررت فيه أميركا تخييرها بين علاقتها بها أو بالصين.
هو وضع مشابه لوضع الخليج الذي حاول، في السنوات الأخيرة، تنويع العلاقات والانفتاح على الصين، مع الفوارق بين التحالف والشراكة الخليجية سواء مع أميركا أم الصين. لكن الشاهد أن أميركا المتقلبة والمأزومة دوليًا قد تستخدم هذه الورقة كلما ازدادت أزماتها ومال الميزان نحو الصين.
نستعرض بعضًا من جوانب مأزق كازاخستان؛ لبيان المحاذير التي ينبغي على الخليج مراعاتها، وأن تسأل دوله نفسها، هل استعدت لهذه اللحظة؟
طبيعة أزمة كازاخستان
تتلخص هذه الأزمة في أن كازاخستان هي، حاليًا، الدولة الوحيدة التي تشارك في آنٍ في مبادرة Pax Silica الأمريكية ومنظمة WAICO الصينية (المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي). بحسب وكالة رويترز، تعدّ وزارة الخارجية الأمريكية رسالةً ستُرسلها إلى 35 دولة، مفادها أن واشنطن ترى عدم جواز أن تكون كازاخستان عضوًا في المبادرتين الأمريكية والصينية معًا.
تاليًا، وجدت كازاخستان نفسها في موقفٍ بالغ الصعوبة، إذ يمرّ نحو 80% من صادراتها النفطية عبر ممرات النقل الروسية؛ ويعتمد تصنيعها للمعادن الأرضية النادرة على التكنولوجيا الصينية؛ ولا يُمكن الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة والموارد المالية إلا من خلال الشركاء الغربيين.. أي أن أجندة التكنولوجيا العالمية، والتي عمقت الانقسام بين المعسكرين الرئيسين في مجال الذكاء الاصطناعي، وصلت إلى لحظة إجبار دولٌ عديدة على ضرورةً الاختيار، وهو ما جعل الخبراء في كازاخستان يصفون الوضع الراهن الذي يحاول إرضاء الجميع بأنه "وضع مستحيل".
الوضع الخليجي ومبادرة "باكس سيليكا"
مبادرة "باكس سيليكا" (Pax Silica) هي تحالف أمني واقتصادي دولي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، يهدف إلى تأمين وتعزيز سلاسل التوريد العالمية للتقنيات المتقدمة، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والمعادن الحيوية والبنية التحتية للطاقة والبيانات.. أي أنه تحالف في مواجهة المعسكر الصيني، واللافت أن هناك دولتين خليجيتين وقعتا عليها، وهما قطر والإمارات العربية المتحدة.
في حين فضلت السعودية، حتى الآن، التروي والحفاظ على نهج "تعدد الشراكات" وبناء علاقات متوازنة مع القوى التكنولوجية المختلفة في العالم، وبسبب الدور الصيني المتنامي في رؤية المملكة للعام 2030.
وفقًا لتقرير وكالة رويترز، الرسائل الواصلة إلى كازاخستان ستصل إلى الإمارات وقطر، ولكن لن يقتصر الأمر على ذلك، فقد تتطور الأمور مع تأزم الوضع الأمريكي إلى تخيير الدول كافة بين العلاقات مع أميركا والصين.
كما قد لاتقتصر التحذيرات على الذكاء الاصطناعي ومجال الرقمنة، وقد تصل إلى التبادل التجاري، وخاصة مع الأزمة الأخيرة مع كندا ومراقبة الحدة التي تعاملت بها أميركا مع دولة تعد من أكبر شركائها.
في هذا الصدد؛ ينبغي قبل أن نسأل عن استعداد دول الخليج لهذه اللحظة، أن نذكر بعض الإحصائيات:
1. قبيل اندلاع الحرب على إيران؛ كانت دول مجلس التعاون الخليجي تصدّر إلى الصين ما يقارب أربعة ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، وفي الوقت نفسه كثفت صناديق الثروة السيادية الخليجية استثماراتها في الصين، وافتتحت مكاتب لها في بكين وهونغ كونغ وشنغهاي. كما أبرمت دول خليجية عديدة اتفاقيات تعاون مع الصين في مجالات متنوعة؛ شملت الطاقة المتجددة وتقنيات الفضاء، كذلك شهدت الجالية الصينية في شبه الجزيرة العربية نموًا ملحوظًا ليتجاوز عدد أفرادها نصف مليون نسمة.
2. في العام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري، بين الصين ودول الخليج، نحو 300 مليار دولار متجاوزًا إجمالي تجارة الخليج مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مجتمعين. إذ لو استخدمت أميركا دبلوماسيتها القسرية وضغوطها، فإن الخليج سيقع في عدة محاذير وأضرار؛ مثل خسارة الحلول التقنية المرنة التي تقدمها الشركات الصينية لتطوير البنى التحتية والمدن الذكية بأسعار تنافسية. كما يمكن أن يتعرض التبادل التجاري للخطر بما لا تستطيع أميركا والغرب تعويضه.
هذه نذر يجب أن تضعها دول الخليج، في الحسبان، والإعداد لها، قبل أن تفاجئ بلحظة الأزمة في كازاخستان، وتصل إلى وضع مستحيل تجاوزه.