في 2026/08/01
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
بعد أن وقّعت السعودية والولايات المتحدة اتفاقية للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، هناك من رأى أن هذه الخطوة تؤسس لشراكة طويلة الأمد بين البلدين، وتدعم جهود المملكة لتنويع مصادر الطاقة وتطوير التقنيات المتقدمة وتعزيز فرص الاستثمار. مع ذلك، بدأ الجدل يدور في عدة نقاط، أبرزها الثمن المدفوع مقابل هذه الخطوة، كذلك الشيطان الذي يكمن في تفاصيلها.
مبدئيا، الاتفاق يتعلق بالطاقة النووية المدنية السلمية ومعظم الدول التي تمتلك مفاعلات نووية مدنية تتطلب يورانيوم مخصباً لا تقوم بإنتاجه محلياً، بل تقوم بشرائه من موردين مثل الولايات المتحدة أو روسيا.
كانت السعودية تطالب على الدوام بتخصيب اليورانيوم، في حين ينص الاتفاق على أنه قبل البدء في أي عمليات تخصيب نووي سعودية، سيقوم فريق مشترك أمريكي-سعودي بدراسة مدى مبررات هذه الخطوة وجدواها التجارية. في حال التوصل إلى تغليب جدوى التخصيب محليًا، سيتولى الجانب الأمريكي بناء المنشأة من دون نقل التكنولوجيا إلى السعودية.
كما تحفظت السعودية على التفتيش المفاجئ وبعض اجراءات الوكالة الذرية، فحاولت أميركا إرضاء السعودية بفرض بعض القيود على التفتيش. مع ذلك؛ يشتمل الاتفاق على بعض اتفاقيات الضمانات الثنائية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي سيتعين عليها المصادقة على بنوده.
لكن الأمر الذي أثار الجدل، هو ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين قال إن المضي قدمًا في تنفيذ البرنامج النووي السعودي يبقى مربوطًا بانضمام المملكة إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية".. كما نفى ترامب إمكانية التخصيب، حين قال، في تغريدة على منصته "تروث سوشال"، إن اتفاق الطاقة النووية المدنية بين الولايات المتحدة والسعودية سيحظى بالموافقة "من دون وجود تخصيب"، وللاستخدامات غير العسكرية، موضحًا أنه مشروط تمامًا بانضمام الرياض إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية"، والتي رأى أنها "تحظى بتقدير ونجاح".
مع المزيد من التصريحات وكشف التفاصيل، فقد الانجاز السعودي مضمونه، فقد بدا وأن المشروع يقتصر على الجوانب الاستثمارية التي تفيد الولايات المتحدة، وهو ما تجلى في بيان وزارة الطاقة الأميركية، والتي قالت إن توقيع اتفاق التعاون النووي مع المملكة العربية السعودية يؤسس لشراكة تمتد لعقود في مجال الطاقة النووية السلمية، وبمليارات الدولارات. وبحسب وزارة الطاقة الأميركية، هذه الشراكة تعزز الأمن القومي وأمن الطاقة، وترسخ المعايير العالمية لمنع الانتشار النووي، وتعمق العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن والرياض.
كما تحدثت وسائل الإعلام عن المصلحة الأمريكية؛ ورأت أنها كانت الدافع الأوحد والوحيد في اتخاذ قرار الذهاب لاتفاق نووي مع السعودية، وهو ما سوغ لترامب تخطّى التعطيل الإسرائيلي وصدّق على الاتفاق انطلاقًا من مصالح أمريكية وازنة منها:
1. إعطاء دفعة قوية للصناعة النووية الأمريكية بتوكيل شركات أمريكية لإقامة المنشآت اللازمة وإبراز قدراتها لإقناع دول أخرى بشراء قدراتها وخدماتها.
2. تحسين العلاقة بالمملكة العربية السعودية، والتي شهدت توتّرًا بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وازدياد قلق السعودية من أن الولايات المتحدة لا تأخذ بالحسبان مصالحها ومصالح بقية دول الخليج.
3. منع المزيد من التقارب بين السعودية وروسيا والصين، وقطع الطريق على تحوّل كلّ منهما إلى شريك أساسي في البرنامج النووي السعودي.
على الرغم من أهمية المشروع النووي السلمي لأي دولة، ومنها السعودية التي ترغب وتمطح بتطوير وتنويع اقتصادها، إلا أن هناك كلفة سياسية أعلنها ترامب، وبدت شرطا للمضي قدمًا في المشروع.. فهل وقعت السعودية في موازنة بين المنفعة الاقتصادية والاستراتيجية وبين الكلفة السياسية، وما يترتب عليها من تداعيات استراتيجية؟
من تفاصيل المشروع، تبدو مصلحة أميركا به وازنة، وبالتالي السعودية غير مطالبة بدفع ثمن سياسي، وهو ما يتطلب موقفًا سعوديًا صلبًا، إلا إذا كان هناك قبول سعودي بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. هنا؛ تبرز عدة تساؤلات، هل فاجأ الرئيس ترامب السعودية بهذا الربط بين التطبيع وإتمام المشروع، أم أن السعودية عقدت صفقة متكاملة مع أميركا؟
قد يحتاج الأمر إلى المزيد من التوضيح السعودي والشفافية بهذا الشأن لاطلاع المواطن الخليجي والسعودي على المستجدات واتجاهات الأمور ومسارها، وخاصة وسط القلق الذي يعيشه هذا المواطن في هذه المرحلة الصعبة والحساسة.