في 2026/07/23
ملاك عبد الله - صحيفة المدن
أعلنت وزارة الطاقة الأميركية، أن الولايات المتحدة والسعودية توصلتا إلى اتفاق للتعاون النووي.
وفي مشهدٍ يكشف حجم التحوّل الجاري في بنية النظام الإقليمي، أعادت واشنطن قبل أيام فتح ملفّ التخصيب النووي السعودي، بعدما كانت قد أرست خلال الزيارة الأخيرة لدونالد ترامب إلى الرياض أسس اتفاقٍ للتعاون النووي المدني بين البلدين لا يستبعد منح المملكة حق تخصيب اليورانيوم. والمفارقة أنّ طائرة ترامب، فيما كانت تحطّ في الرياض آنذاك، كان مفاوضوه يجلسون في مسقط مطالبين إيران بالتخلّي عن نحو 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة، والقبول بوقفٍ للتخصيب يمتدّ عشرين عاماً.
غير أن المعضلة لا تقتصر على ازدواجية المعايير، ذلكَ أنَّ ملفّ التخصيب السعودي يقع عند تقاطع ثلاثة مسارات في آنٍ واحد. أولها مسار إسرائيلي يرتبط بالتطبيع مع السعودية، بحيث يصبح البرنامج النووي المدني السعودي جزءاً من الثمن السياسي المطلوب من تل أبيب قبوله. وثانيها مسارٌ أميركي خليجي يتصل بإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في مواجهة إيران، فيغدو السماح بالتخصيب ورقةً لاستقطاب الرياض إلى اصطفافٍ استراتيجي جديد. أما المسار الثالث فيتصل بترتيب نووي إقليمي أوسع، قد يجعل منح السعودية حق تخصيب اليورانيوم مبادرة تعيد رسم قواعد الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وتمهّد لتسوية تقوم على قدرٍ من التكافؤ بين الرياض وطهران في هذا المجال، بما يتيح لواشنطن القبول باستمرار التخصيب الإيراني من دون أن يبدو ذلك تنازلاً سياسياً أحادياً. لذلك فإن السؤال الحقيقي يتعدى مسألة السبب في السماح بالتخصيب إلى مسألة الثمن الذي دفعته الرياض، والرسالة التي تريد واشنطن إرسالها، كما مدى إمكانية أن يتحول الاستثناء السعودي إلى قاعدة إقليمية جديدة.
من برنامج محدود إلى طموح نووي واسع
حتى العقد الماضي، بقي النشاط السعودي في المجال النووي محدوداً، يتركز في الأبحاث العلمية والاستخدامات السلمية الصغيرة، دون امتلاك مفاعلات لإنتاج الكهرباء أو صناعة نووية متكاملة. التحول الحقيقي جاء مع وصول الأمير محمد بن سلمان وصعود مشروع رؤية 2030، حيث أعلنت الرياض بصورة أوضح طموحها إلى بناء برنامج نووي سلمي واسع، يقوم على إنشاء عشرات المفاعلات النووية لإنتاج الكهرباء، وتنويع مصادر الطاقة، وتحرير مزيد من النفط للتصدير، إضافة إلى خلق قاعدة صناعية وتقنية جديدة. لكن البرنامج لم يكن اقتصادياً فقط، فالسعودية تقع في منطقة نووية بامتياز بحيث تمتلك إسرائيل ترسانة نووية غير معلنة، فيما طوّرت إيران برنامج تخصيب متقدم، ما جعل الملف النووي مرتبطاً أيضاً بحسابات الردع والأمن القومي.
سباق أميركا وروسيا والصين وكوريا الجنوبية
وجدت السعودية أمامها مجموعة من القوى النووية الكبرى حين بدأت بحثها عن التكنولوجيا النووية.
كانت الولايات المتحدة الخيار الطبيعي بحكم العلاقة الاستراتيجية الطويلة بين البلدين، وبسبب اعتماد السعودية تاريخياً على المظلة الأمنية الأميركية. لكنها لم تكن الخيار الوحيد. دخلت روسيا بقوة باعتبارها إحدى أكبر الدول المصدرة للمفاعلات النووية في العالم، كذلكَ الصين التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة منافساً صاعداً، بعد أن بنت عدداً كبيراً من المفاعلات داخل أراضيها وبدأت تصدّر التكنولوجيا النووية. أما كوريا الجنوبية، فقد أثبتت قدرتها بعد بناء مفاعلات محطة براكة في الإمارات. لكن لكل خيار قيوده. فالشركات الكورية الجنوبية رغم استقلالها الصناعي ترتبط جزئياً بالتكنولوجيا الأميركية، وهو ما يجعلها خاضعة في النهاية لقواعد واشنطن. ولهذا انحصرت المنافسة الأساسية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
لماذا تريد أميركا المشروع السعودي؟
ظاهرياً، يبدو الملف النووي السعودي ملفاً سياسياً وأمنياً، لكن ثمة عامل اقتصادي خلفه كذلك. لقد فقدت الصناعة النووية الأميركية جزءاً كبيراً من موقعها العالمي، خصوصاً أنَّ روسيا غدت لاعباً رئيسياً في بناء المفاعلات الخارجية، وأنَّ الصين تتقدم بسرعة في هذا الإطار، بينما تقلصت مشاريع البناء النووي الأميركية. من هذه الزاوية، سيمثّل السوق السعودي فرصة استثنائية لها. بناء المفاعلات يعني تلقائياً عقوداً بمئات المليارات من الدولارات، ليس فقط في مرحلة البناء، بل أيضاً في تزويد الوقود النووي والصيانة وتحديث الأنظمة والخدمات الفنية والتدريب. سيظهر هنا ضغط الشركات والمصالح المرتبطة بهذه الصناعة التي ترى أن الاتفاق مع الرياض يمكن أن يعيد تنشيط قطاع كامل، علماً أنه ثمة في المقابل لوبيات أخرى داخل واشنطن تعارض منح السعودية مرونة نووية، سواء بسبب المخاوف الإسرائيلية أو بسبب هواجس الانتشار النووي..
تركيا وباكستان: المظلّة النووية وولادة "التتالي النووي"
لكنّ أعقد ما في مسألة السماح للسعودية بالتخصيب هو أنه يفتح احتمالات لدى دولٍ أخرى كانت تراقب منذ عقود حدود النظام النووي العالمي.
بالنسبة إلى باكستان، لطالما حملت العلاقة السعودية الباكستانية بعداً أمنياً يتجاوز التعاون التقليدي. إسلام آباد مثّلت تاريخياً مظلّة ردع غير معلنة للخليج. ومع توقيع اتفاقات دفاعية مشتركة وتصاعد الحديث عن استعداد باكستان لتقديم دعم استراتيجي للرياض عند الحاجة، تصبح السعودية أمام صيغة مزدوجة: برنامج نووي مدني محلي قد يتحول إلى قدرة كامنة، ومظلّة نووية خارجية جاهزة. وهذا التحول يغيّر موقع المملكة في الحسابات الإقليمية، فالدولة التي كانت تعتمد على الحماية الأميركية المباشرة، تسعى تدريجياً إلى بناء شبكة ردع متعددة الطبقات عبر علاقات أمنية مع واشنطن، وشراكات دفاعية مع باكستان، وتعاون نووي يرفع سقف استقلاليتها الاستراتيجية.
أما تركيا، فإنّها تقرأ السابقة السعودية من زاوية مختلفة. أنقرة لم تخفِ يوماً اعتراضها على ما تعتبره ازدواجية في النظام النووي الدولي. وقد عبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً عن رفضه أن تُمنح دولٌ معينة حق امتلاك التكنولوجيا النووية بينما تُحرم منه دول أخرى. لذلك فإنّ السماح للسعودية بالتخصيب سيُقرأ في تركيا ليس فقط باعتباره اتفاقاً سعودياً أميركياً، بل باعتباره كسراً لحاجز سياسي. فإذا أصبح التخصيب مقبولاً لدولة حليفة للولايات المتحدة في الخليج، ستصبح مطالبة تركيا عندها بدور مماثل أكثر قابلية للطرح. ومع امتلاكها مفاعل "أكويو" النووي وتطلّعها إلى بناء قاعدة صناعية نووية مستقلة، فإنّ أنقرة قد ترى في اللحظة السعودية فرصة لإعادة فتح ملفها الخاص.
وهنا يظهر خطر التتالي الذي لطالما حذّرت منه المؤسسات الدولية، بمعنى أنه ليست المشكلة في دولة واحدة، بل في أن تؤدي سابقة واحدة إلى تغيير قواعد اللعبة. وحين تنتقل التكنولوجيا النووية الحساسة من كونها امتيازاً استثنائياً إلى أداة تفاوض سياسي، يصبح ضبط انتشارها أصعب بكثير.
من حرب إيران إلى إعادة رسم الشرق الأوسط
قراءة صفقة التخصيب بطبيعة الحال لا تنفصل عن زاوية إعادة ترتيب الإقليم بعد الحرب مع إيران. والرياض التي عاشت خلال السنوات الماضية تجربة الصواريخ الحوثية والهجمات على منشآتها النفطية، لم تعد تريد فقط ضمانة أميركية تأتي عند الخطر، بل تسعى إلى امتلاك أدوات قوة تجعلها أقل هشاشة. من جهتها تريد واشنطن استخدام الحوافز لإعادة إدخال الرياض في منظومة الضغط على إيران، بعد فترة بدا فيها أن الخليج يتجه نحو سياسة توازن لا مواجهة. لكنّ المفارقة أن واشنطن وهي تحاول بناء جبهة أكثر صلابة ضد طهران، قد تمنح إيران في الوقت نفسه أقوى حججها السياسية، وهذا ما قد يُحول الاتفاق السعودي إلى باب خلفي لتسوية إيرانية مستقبلية.
إسرائيل: انتصار التطبيع أم خسارة الاحتكار؟
لطالما تعاملت إسرائيل مع التفوق النووي بوصفه إحدى ركائز أمنها القومي. لم يكن الأمر مرتبطاً فقط بالسلاح النووي نفسه، بل بفكرة الاحتكار الاستراتيجي؛ أي أن تبقى الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرة نووية عسكرية وتمتلك المعرفة النووية الحساسة في المنطقة، وأن يُمنع الآخرون حتى من الاقتراب من العتبة التقنية. لكنّ التطبيع السعودي يضع تل أبيب أمام معادلة صعبة، فإسرائيل ترى في إقامة علاقات كاملة مع الرياض مكسباً تاريخياً يتجاوز أي مكسب دبلوماسي سابق، لكن الثمن هو القبول بتغيير إحدى قواعد الأمن الإقليمي التي بنت عليها إسرائيل سياستها لعقود.
القلق الإسرائيلي لا يتعلق بالسعودية الحالية وحدها، بل بالسؤال عن مآلات تغير الأنظمة أو التحالفات على اعتبار أن الدول لا تبقى ثابتة، والتحالفات التي تبدو راسخة في لحظة معينة قد تتحول مع تبدل المصالح، لا سيما في ظل التنافس المتزايد بين إسرائيل والسعودية على بعض مشاريع الممرات الاقتصادية والإقليمية المستقبلية.
لعبة التوازن النووي
تقف الولايات المتحدة أمام لحظة فيصل، فإما أن يبقى التخصيب امتيازاً استثنائياً تتحكم به اعتبارات السياسة، أو يتحول تدريجياً إلى حق تسعى إليه قوى إقليمية متعددة.
قد تكون واشنطن أرادت من الصفقة السعودية ثلاث رسائل: طمأنة الرياض، إغراء إسرائيل بالتطبيع، والضغط على إيران. لكن تكمن المفارقة الكبرى في أنَّ الحرب التي بدأت تحت عنوان منع انتشار القدرة النووية قد تنتهي إلى مرحلة يصبح فيها الانتشار نفسه جزءاً من لعبة التوازنات الجديدة!