علاقات » اميركي

هل تتأثر العلاقات الخليجية- الروسية بعد مستجدات التحالف مع أوكرانيا؟

في 2026/04/29

(أحمد شوقي \ راصد الخليج)

مع اندلاع الحرب وتساقط الصواريخ والمسيّرات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الخليج، وما عدّته حكوماتنا الخليجية تهديدًا مباشرًا وانتهاكًا للسيادة الخليجية، ثبتت عدة حقائق كانت تنتظر اختبارات عملية في ما يبدو لتصبح جلية وكي تكتشف.

من هذه الحقائق، أن الدفاعات الأمريكية التي اشترتها حكوماتنا من أميركا لم تفلح في انهاء تهديد الصواريخ والمسيرات. كما أن كلفتها العالية لاتقارن بالمسيرات الإيرانية رخيصة الثمن، وهو ما يضيف تهديدًا اقتصاديًا مضافًا للتهديد الأمني.

كما أن التقارير عن قرب نفاذ الدفاعات الخليجية سببّت هلعًا مجتمعيًا، ما فتح الطريق لاختراق بعض المحظورات مثل استعانة الإمارات بالقبة الحديدية الإسرائيلية، وإرسال خبراء إسرائيليين لتشغيل النظام في الإمارات، وهو ما كشفته وسائل الإعلام حديثًا، وعلى رأسها موقع أكسيوس.

هناك محظور آخر هو ما نودّ مناقشته، هنا، لأنه وإن كان ليس محظورًا سياسيًا بحكم طبيعة العلاقات السياسية، إلا أنه قد يكون محظورًا استراتيجيًا بحكم طبيعة الملف وتداعياته وتشابكاته. نقصد ملف التعاون الأوكراني - الخليجي في مجال الدفاع وتطوراته المتسارعة ومدى تأثير ذلك في العلاقات الخليجية – الروسية، والتي تشهد تشابكًا في ملفات استراتيجية كبرى.

في منتصف مارس/أذار الماضي، أرسلت الحكومة الأوكرانية خبراء عسكريين الى قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تحت عنوان "تبادل الخبرات وبحث أفق التعاون الدفاعي"، في ظل الحرب مع إيران وما بعدها.

بالطبع كانت أميركا راعية للخطوة، ونقلت وسائل الإعلام عن الباحثين الأميركيين قولهم إن على واشنطن إعطاء الأولوية لخطوات عدة؛ أولها القيام بدور المنظّم بدعوة الأوكرانيين الى المقرّات العسكرية الإقليمية، نظراً إلى دور أميركا الرائد في التدريبات العسكرية الإقليمية المهمة التي تشارك فيها دولٌ خليجية عدة. وأضافوا أنه يمكن للولايات المتحدة إنشاء سلسلة تدريبات أخرى تركّز على التصدي للتهديدات الجوية. ويجب دعوة أوكرانيا الى إرسال خبراء تقنيين أو تقديم تدريب في هذا المجال. 

كما جرى  تعيين مركز العمليات الجوية المشتركة CAOC التابع للقيادة المركزية الأميركية، ومقره قطر، لاستضافة شركاء متنوعين ودمج الأوكرانيين بسهولة. كما نصح الباحثون الأمريكيون الإدارة الأمريكية بتشجيع مجلس التعاون الخليجي على النظر في قبول الأوكرانيين في الفعاليات والمنتديات ذات الصلة والتشجيع على المزيد من المشاركة الديبلوماسية والاقتصادية بين مجلس التعاون الخليجي وأوكرانيا.

اتخذت الأمور بعدًا أكثر عمقًا، حيث دخل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الخط، وقال منذ عدة أيام في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الإخبارية، إن بلاده وقعت "اتفاق مسيّرات" مع ثلاث دول خليجية بهدف مساعدتها في تصنيع مسيرات أقل ثمنًا وطائرات مسيّرة اعتراضية. وكان زيلينسكي، قد قام بجولة في دول الخليج في أواخر شهر مارس/ّار الماضي، لكن لم ترد تفاصيل عن الاتفاقات التي وقعت بين أوكرانيا ودول الخليج.

ما سبق يوحي بدخول العلاقات الخليجية الأوكرانية إلى نطاق يشبه التحالف، وهو تطور يتجاوز العلاقات  الخليجية- الأوكرانية الطيبة، والتي لم تشكل أزمة مع روسيا كونها موازنات طبيعية في العلاقات الدولية. لكن الدخول إلى شراكات دفاعية هو أمر مختلف؛ وقد يتسبب في حساسيات، وربما مشكلات، مع روسيا، وخاصة وأن طول مدة الحرب والاستنزاف على الجبهة الروسية - الأوكرانية قد عصف بالعلاقات الروسية- الأوروبية، وقد يفهم أن الخليج يصطف رسميا مع أوكرانيا. هذا ما يحتاج إلى انتباه خليجي ومراجعة في توازنات الخليج وعدم النظر في التهديد الراهن فقط؛ أيضًا اعتماد منظور استراتيجي للتداعيات والتهديدات المستقبلية. 

مما لا شك فيه أن الملفات المتعلقة بالعلاقات الروسية - الخليجية، هي من أهم ملفات الأمن القومي الخليجي، وتتنوع بين الملفات الاقتصادية والاستثمارية، لتصل إلى الأمن الإقليمي ومحاولة إيجاد توازن في المصالح في ظل التطورات الجيوسياسية. 

لقد نجح مجلس التعاون الخليجي في صياغة مقاربات ناجحة للعلاقات مع روسيا في سياق توجه خليجي لتنويع الشركاء الاستراتيجيين. تاليًا يجب الحذر من إهدار هذا المنجز والوقوع في خطأ اصطفاف حصري في المعسكر الأمريكي، حتى ل انورط أنفسنا في الخليج في صراع دولي يضاف إلى التورط في الصراع الإقليمي الذي ورطتنا به أميركا بشن الحرب من قواعدها في بلادنا.

إن التنسيق الروسي- الخليجي في |"أوبك بلس"، ومقاربة ملفات الإقليم في اليمن والسودان والبحر الأحمر، وكذلك الأدوار التي يمكن لروسيا أن تؤديها في خدمة القضايا العربية والوساطة مع إيران وكذلك الدور على صعيد القضية الفلسطينية وموازنة العلاقة مع أميركا التي لجأت للابتزاز والضغط علينا في محطات كثيرة، هي كلها قضايا تتعلق بالأمن الخليجي، ويجب الحفاظ عليها وعدم التضحية بها في سبيل اتفاقيات لشراء مسيّرات أو بعض خبرات أوكرانية، وخاصة وأن البدائل الأخرى موجودة، ولعل أهمها بديل الحوار وإعادة ضبط العلاقات مع الجيران ووجود وقفة صلبة مع أميركا لعدم توريطنا في الصراعات.
ربما روسيا صامتة حتى الآن؛ فقد واعتادت على الديبلوماسية الهادئة والحرص على علاقتها بالخليج، ولكن الأروقة الاستراتيجية الروسية من المؤكد أنها تنظر بقلق إلى هذه الخطوات، وعلى دولنا الخليجية الانتباه لهذا الأمر وعدم الاستهانة به.