علاقات » اميركي

شركات طاقة خليجية تعلن القوة القاهرة .. ماذا يعني هذا للأسواق؟

في 2026/03/13

وكالات

دفعت الحرب المندلعة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ 28 فبراير الماضي، شركات طاقة رئيسية في دول الخليج العربي إلى تفعيل بند "القوة القاهرة" بعقودها، في خطوة تعكس حجم الاضطرابات التي أحدثتها الهجمات الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز فعلياً على سلاسل الإمداد العالمية للنفط والغاز.

ومع اتساع نطاق الهجمات على المنشآت الحيوية وتعطل حركة الشحن في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، أعلنت عدة شركات خليجية تعليق التزاماتها التعاقدية مؤقتاً، مستندة إلى هذا البند القانوني الذي يتيح وقف تنفيذ العقود دون تحمل غرامات عندما تمنع ظروف استثنائية خارجة عن السيطرة تنفيذ الالتزامات.

ووفق تقارير رسمية، فقد تركزت هذه الإعلانات في قطاع الطاقة الذي يمثل العمود الفقري لاقتصادات الخليج، في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط العالمية مستوى 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف متزايدة من نقص إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا وآسيا.

ما "القوة القاهرة"؟ ومتى يتم إعلانها؟

يشير مصطلح القوة القاهرة في القانون التجاري والدولي إلى حدث مفاجئ وغير متوقع وخارج عن سيطرة الأطراف المتعاقدة، يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً، ويعفي الطرف المتضرر من المسؤولية القانونية أو العقوبات المالية المرتبطة بعدم التنفيذ.

ويُعد هذا البند شائع الاستخدام في العقود طويلة الأجل، خاصة في عقود توريد النفط والغاز، حيث يوفر حماية قانونية من المخاطر الخارجية مثل الحروب والكوارث الطبيعية والاضطرابات السياسية الكبرى أو الهجمات الإرهابية.

وتعود جذور المفهوم إلى القانون الروماني القديم تحت مصطلح "Vis Maior" الذي يعني "القوة الأعلى" أو "الفعل الإلهي"، وكان يشير إلى الأضرار الناتجة عن قوى طبيعية لا يمكن منعها أو مقاومتها. ومع تطور القانون المدني الفرنسي وتدوين قانون نابليون في مطلع القرن التاسع عشر، توسع المفهوم ليشمل أيضاً الأحداث غير الطبيعية، مثل الحروب والإضرابات والهجمات الإرهابية.

وفي القانون الدولي الحديث، ينظم هذا المفهوم ضمن اتفاقيات دولية عدة، أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، التي تنص في المادة 79 على إعفاء الطرف من المسؤولية إذا كان الإخلال بالعقد نتيجة عائق خارج عن إرادته، غير متوقع عند توقيع العقد، وغير قابل للتجنب أو التخفيف.

كما تعتمد منظمات دولية، مثل غرفة التجارة الدولية (ICC)، معايير مماثلة لتحديد الحالات التي يمكن اعتبارها قوة قاهرة، وإجمالاً يجب توافر ثلاثة معايير رئيسية لهذا الإعلان الحساس:

أول هذه المعايير أن يكون الحدث خارج سيطرة الطرف المتعاقد، ولا يمكنه منعه أو التحكم فيه، وثانياً أن يكون الحدث غير متوقع وغير قابل للتنبؤ عند توقيع العقد، أما المعيار الثالث فهو أن يجعل الحدث تنفيذ الالتزامات مستحيلاً فنياً أو عملياً، وليس مكلفاً اقتصادياً فحسب.

وعند تفعيل هذا البند تُعلَّق الالتزامات المتأثرة مؤقتاً دون فرض غرامات، وقد يشمل ذلك تأجيل التسليم أو تقليص الكميات، ويتطلب الإعلان عادة إخطار الطرف الآخر فوراً وتقديم أدلة على تعذر التنفيذ.

وفي عقود الطاقة، تشمل الأحداث المؤهلة عادة الحروب والحصار والهجمات الإرهابية، أو تعطّل الممرات البحرية، كما هو الحال في الأزمة الحالية مع إغلاق مضيق هرمز واستهداف إيران للمنشآت النفطية الخليجية والسفن في مياه الخليج.

سلسلة الإعلانات الرسمية

بدأت موجة إعلان القوة القاهرة في أوائل مارس الجاري مع تصاعد الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في الخليج وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

قطر للطاقة

أعلنت شركة "قطر للطاقة"، في 4 مارس 2026، حالة القوة القاهرة على جميع شحنات الغاز الطبيعي المسال ومنتجاته المرتبطة.

وجاء الإعلان في بيان رسمي نشرته الشركة، مشيراً إلى توقف الإنتاج في منشآت رأس لفان ومسيعيد نتيجة هجمات إيرانية مباشرة وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أعاق شحن الغاز إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

وأكدت الشركة أن القرار يشمل العقود المتأثرة فقط دون التأثير على الالتزامات المحلية.

وقطر للطاقة تُركز على إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال والنفط والكيماويات، وتشغل 14 مصنعاً لإنتاج الغاز المسال، وتمثل الشركة أحد أكبر اللاعبين في سوق الطاقة العالمي، إذ توفر نحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز، ما يجعلها ركيزة أساسية في أمن الطاقة العالمي.

ألمنيوم البحرين

في اليوم نفسه، أعلنت شركة ألمنيوم البحرين حالة القوة القاهرة على بعض عقود التوريد والشحنات.

وأشارت الشركة في إعلانها إلى اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز، مؤكدة أن القرار يقتصر على العقود التصديرية، مع استمرار الإنتاج المحلي بشكل طبيعي.

وتُعد الشركة أكبر مصهر ألمنيوم خارج الصين، بطاقة إنتاجية تزيد على 1.6 مليون طن سنوياً من الألمنيوم عالي الجودة، وتشكل ركيزة أساسية في استراتيجية المملكة لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط ضمن رؤية البحرين الاقتصادية 2030.

مؤسسة البترول الكويتية

في 7 مارس 2026، أعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة القوة القاهرة على صادرات النفط الخام والمنتجات المكررة. ووفق بيان رسمي للشركة، جاء القرار نتيجة اضطرابات الشحن عبر مضيق هرمز والتهديدات الإيرانية المتزايدة، والهجمات المستمرة في المنطقة.

وأدى ذلك إلى خفض الإنتاج والتكرير كإجراء احترازي.

وتُعد مؤسسة البترول الكويتية الشركة الوطنية المسؤولة عن إدارة قطاع النفط الكويتي بالكامل، وتشمل عملياتها الاستكشاف والإنتاج والتكرير والتسويق والنقل.

وتُصنف ضمن أكبر عشر شركات طاقة في العالم، وتلعب دوراً رئيسياً في تزويد الأسواق الآسيوية والأوروبية بالنفثا ووقود الطائرات ومنتجات الطاقة الأخرى.

شركة الكويت للستايرين

في 8 مارس 2026، أعلنت شركة الكويت للستايرين حالة القوة القاهرة على مصنعها لإنتاج "مونومر الستايرين"، وذكرت في خطاب رسمي أن القرار جاء نتيجة اضطرابات توريد المواد الأولية وصعوبات النقل عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى إغلاق المصنع مؤقتاً.

وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع 450 ألف طن سنوياً، وهو جزء من مجموعة "EQUATE" المرتبطة جزئياً بمؤسسة البترول الكويتية.

وتُعد الشركة أول منتج لمادة الستايرين في الكويت منذ عام 2004، وتصدر منتجاتها إلى أسواق آسيا والهند، حيث تدخل في صناعات البلاستيك والمواد العازلة.

"بابكو إنرجيز" البحرينية

في 9 مارس 2026 أعلنت "بابكو إنرجيز" في البحرين حالة القوة القاهرة على عمليات المجموعة بالكامل، بعد تعرض مجمع مصفاة سترة لهجوم إيراني مباشر أدى إلى اندلاع حريق وحدوث أضرار في المنشأة.

وأكدت الشركة، في بيان، أن إمدادات السوق المحلية مؤمنة ولن تتأثر بالقرار. والشركة هي مصدر رئيسي للوقود، من الديزل ووقود الطائرات والنافتا، بالنسبة لدول في الشرق الأوسط وآسيا.

وتدير الشركة مصفاة البحرين الوحيدة بطاقة تصل إلى 380 ألف برميل يومياً بعد التوسعة، وتبلغ قيمة أصولها أكثر من 10 مليارات دولار، كما تلعب دوراً محورياً في دعم الناتج المحلي الإجمالي للمملكة وتنفيذ خطط الانتقال إلى الطاقة النظيفة.

"أو كيو" للتجارة العمانية

وفي أحدث التطورات، أعلنت شركة "أو كيو" للتجارة العمانية، في 11 مارس 2026، حالة القوة القاهرة على إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى شركة بتروبانغلا في بنغلاديش.

وبحسب مصادر نقلتها "رويترز"، أبلغت الشركة العميل بالقرار عبر خطاب رسمي، مشيرة إلى الاضطرابات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز. وسيظل القرار سارياً حتى 8 أبريل المقبل، ما سيقلص الشحنات إلى شحنة واحدة شهرياً، ويؤدي إلى فقدان شحنتين في أبريل.

وتُعد "أو كيو" للتجارة الذراع التجارية لمجموعة "أو كيو" الحكومية العمانية، وتدير عمليات تجارة النفط والغاز والكيماويات والوقود منخفض الكربون عبر شبكة مكاتب عالمية.

تداعيات اقتصادية عالمية

أدت موجة إعلان القوة القاهرة إلى تعليق نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز، ما دفع أسعار خام برنت إلى تجاوز 100 دولار للبرميل قبل أن تتراجع إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل.

وفي الخليج، اضطرت دول مثل الكويت والعراق إلى خفض إنتاجها من النفط نتيجة امتلاء خزانات التخزين وتعطل الصادرات، وفق إعلانات رسمية من هذه الدول.

كما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا وآسيا بأكثر من 50% بعد تعليق شحنات قطر، التي تمثل وحدها نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وتواجه دول آسيوية مثل بنغلاديش والهند اضطرابات فورية في الإمدادات، ما دفعها إلى شراء الغاز من السوق الفورية بأسعار مرتفعة.

وحذر وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى توقف صادرات الطاقة الخليجية بالكامل خلال أسابيع، وهو سيناريو قد يدفع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل ويهدد الاقتصاد العالمي بصدمة تضخمية كبيرة.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية ومؤسسات مالية مثل "غولدمان ساكس" إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة، وربما ركود اقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى.

ومع استمرار العمليات العسكرية في المنطقة، يتوقع محللون أن تعلن شركات طاقة إضافية تفعيل بند القوة القاهرة، ما قد يزيد الضغط على أسواق الطاقة ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي خلال الأشهر المقبلة.