علاقات » اميركي

لماذا تتجه الأنظار إلى سلطنة عمان دومًا للقيام بالوساطة بين الدول المتنازعة؟

في 2026/02/12

(أحمد شوقي / راصد الخليج)

في كل أزمة كبرى تصل انزلاقاتها إلى حافة الحرب، يبرز دور الوساطة الدبلوماسية لمحاولة التوصل إلى حل سلمي، أو على الأقل إلى مسار تفاوضي يتجنب التصعيد والمستويات الخطيرة، والتي يمكن لشرارة صغيرة منها، أن تتسبب في مأساة وحروب كبرى.

مبدأ الوساطة في العلاقات الدولية أقرته الأمم المتحدة لحل النزاعات، وهو دور أخلاقي حميد. لكنه يتطلب تحقق عدة شروط، حتى يكون عمليًا، وليس مجرد شكل أو أداة للخداع أو لتحسين صورة الوسيط ووسيلة لترقي دوره عالميًا، من دون فائدة أو حل حقيقي للنزاع.

من بين الدول التي مارست الوساطة، برزت سلطنة عمان وسيطًا ناجحًا ومطلوبًا من الأطراف كافة، بسبب توفر الشروط الرئيسة للوساطة في السلطنة من جهة، وبسبب طبيعة الشعب العماني المتسامحة وتاريخه السياسي المسالم والصديق لجميع الجوار الجغرافي، من جهة أخرى.

من هذه الشروط الناجحة للوساطة الدبلوماسية، شرط الحياد والنزاهة، وكذلك القبول من جميع الأطراف المتصارعة، وأيضا السرية والكفاءة والجدية والقدرة على السرعة والإنجاز.

هذه العوامل توفر مصداقية وثقة، وهو ما يرجح دولاً على أخرى للقيام بهذا الدور. لقد حظيت سلطنة عمان بحظ وافر من هذه الشروط، وهو ما مكّنها من قيادة وساطات ناجحة استطاعت امتصاص العديد من حدة الصراعات، وتلافت كثيرًا من الانزلاقات الخطرة.

مؤخرًا، برز دور السلطنة في المفاوضات بين أميركا وإيران، وحرصت إيران تحديدًا على اختيار السلطنة وسيطًا، بعد اتجاهات كانت تقود إلى قيام تركيا بهذا الدور. لكن تاريخ السلطنة وابتعادها عن الصراعات والمصالح عزز اختيارها، فلم تتورط في عداء، ولم تموّل أو تحتضن ميليشيات أو حركات معادية لأي دولة، وتحرص دومًا على سياسة تعرف بــ"سياسة صفر مشكلات"، حتى في إدارة نزاعاتها الخاصة مع السعودية والإمارات في ملف واحة البريمي، حيث قامت بإدارة النزاع بحوار هادئ فتوصلت إلى اتفاقيات مستدامة من دون ضجيج أو صراعات.

لعل أبرز الوساطات، كان دورها في الوساطة بين العراق وإيران في الحرب التي دارت بينهما، ولم تكن طرفًا منحازًا، كذلك دورها المهم في الوساطة بين السعودية واليمن، حيث ابتعدت عن التحالف المشارك في الحرب، فكانت وسيطًا مقبولاً. كذلك شاركت في حل الأزمة الخليجية بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر من الجهة الأخرى، فلم تشارك في حصار قطر، وظلت محتفظة بحيادها وعلاقاتها مع الطرفين. كما تخصصت فيما يبدو في الوساطة بين أميركا وإيران منذ الاتفاق النووي في العام 2015، حين رعت مفاوضات مشتركة أسهمت في التوصل إلى الاتفاق النووي الذي دخل حيز التنفيذ في العام 2016، قبل أن ينقلب عليه دونالد ترامب في ولايته الأولى.

تعدّ السلطنة نموذجًا خليجيًا مميزًا، من المفترض أن يشكّل قدوة حسنة لمختلف الدول الخليجية التي تتصدى للوساطة، والتي تتورط في الوقت نفسه في سياسات تخرج بها عن الحياد. هذا ما يجرح موضوعيتها، ولا يضفي الجدية والمصداقية اللازمة للوصول إلى حلول ناجحة وممتدة.

في ظل الأوضاع المتوترة الراهنة، ووسط تحذير إيران باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة ردًا على أي عدوان، لم تتجه الأنظار إلى سلطنة عمان بسبب عدم وجود قواعد أمريكية دائمة فيها، وعدم وجود أي دلائل على استخدام الاتفاقيات الأمنية بين أميركا والسلطنة في استهداف إيران أو الإضرار بها.. وهو نوع من الأمان النسبي والاستقرار مقارنة بدول الخليج الأخرى التي ترتبط بشراكات أعمق مع أميركا قد تورطها بالحرب وارتدادات النيران؛ على الرغم من حرص إيران على الصداقة، ولكن أميركا بوجودها وعدوانيتها، هي المسؤولة عن هذه التداعيات.