في 2026/02/02
يوسف حمود - الخليج أونلاين
جاء انعقاد الحوار الاستراتيجي الثالث بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة الأمريكية في مسقط ليؤكد استمرارية مسار سياسي مؤسسي انطلق خلال السنوات القليلة الماضية، بهدف تنظيم أطر التعاون الثنائي وتطويرها في مجالات متعددة، أبرزها السياسة والاقتصاد والاستثمار والتعليم والتكنولوجيا.
ويُعد هذا الحوار إحدى القنوات الرسمية التي تعتمدها مسقط وواشنطن لمتابعة ملفات التعاون بصورة منتظمة، بعيداً عن الطابع الظرفي للاجتماعات الثنائية، حيث يتيح للطرفين مراجعة ما تحقق في الجولات السابقة، والبناء عليه ضمن جدول أعمال متفق عليه.
وتأتي الجولة الثالثة بعد جلستين سابقتين عُقدتا في مسقط وواشنطن، ما يعكس اعتماد الحوار الاستراتيجي كآلية ثابتة في إدارة العلاقات الثنائية، في ظل تطورات إقليمية ودولية تتطلب تنسيقاً سياسياً واقتصادياً مستمراً.
الحوار الثالث
عُقد الحوار الاستراتيجي الثالث بين عُمان والولايات المتحدة (25 يناير 2026) في العاصمة مسقط، بحسب ما أفادت به وكالة الأنباء الرسمية في السلطنة، وترأس الجانب العُماني الشيخ خليفة بن علي الحارثي، وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية.
وترأست الجانب الأمريكي أليسون هوكر، وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية، في إطار مشاركة رسمية تعكس مستوى التمثيل السياسي للحوار وأهميته ضمن العلاقات الثنائية بين البلدين.
وناقش الجانبان، وفق الوكالة، سبل تعظيم الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، إلى جانب تعزيز الاستثمارات الأمريكية في القطاعات ذات الأولوية في سلطنة عُمان، بما يتوافق مع الخطط الاقتصادية والتنموية المعتمدة.
وشملت القطاعات التي جرى بحث التعاون فيها الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والفضاء، والتعدين والخدمات اللوجستية والطيران والبنية التحتية، إضافة إلى مجالات التعليم والثقافة والبرامج الأكاديمية والمهنية، والاستثمار في الابتكار والبحث العلمي.
كما تبادل الطرفان الآراء والمواقف حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، مؤكدين أهمية دعم جهود السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة والعالم، بحسب ما ورد في البيان الرسمي.
مخرجات اللقاء الثالث
في إطار نتائج الحوار الاستراتيجي الثالث، أعلن الجانب العُماني موافقة عُمان على الانضمام إلى اتفاقيات "أرتميس" الخاصة بالتعاون الدولي في مجال الفضاء، وهي خطوة تم الإعلان عنها رسمياً عقب اختتام جلسات الحوار.
كما شهد اللقاء توقيع بيان تعاون بمناسبة الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، وهو بيان يعكس البعد التاريخي للعلاقات الثنائية بين البلدين.
وجرى أيضاً توقيع مذكرة تفاهم للشراكة والتعاون بين سفارة الولايات المتحدة في السلطنة ومركز الأعمال العُماني الأمريكي، بهدف تعزيز التعاون المؤسسي ودعم مجالات الشراكة الاقتصادية.
وتندرج هذه التفاهمات ضمن إطار الحوار الاستراتيجي، الذي لا يقتصر على النقاشات السياسية، بل يشمل أيضاً توقيع وثائق ومذكرات تفاهم تهدف إلى تنظيم التعاون في مجالات محددة.
الحوار الاستراتيجي الأول
عُقد الحوار الاستراتيجي الأول بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة في مسقط يوم 23 فبراير 2023، في خطوة شكلت انطلاقة رسمية لهذا المسار الثنائي.
وركزت الجولة الأولى على تعظيم فوائد اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، وزيادة الاستثمارات الأمريكية في قطاعات أولوية، من بينها الاقتصاد الرقمي، والطاقة البديلة، والهيدروجين الأخضر.
وشملت المباحثات مجالات التعليم والثقافة والبحث العلمي والتدريب، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز الاستثمار في مجالات استراتيجية، وفق ما أُعلن حينها.
الحوار الاستراتيجي الثاني
عُقد الحوار الاستراتيجي الثاني خلال شهر أبريل 2024، استكمالاً لما تم التوافق عليه في الجولة الأولى التي استضافتها مسقط.
وأكد الطرفان خلال الجولة الثانية أهمية اتفاقية التجارة الحرة، بالتزامن مع مرور الذكرى الـ15 لدخولها حيز التنفيذ، باعتبارها إطاراً أساسياً للعلاقات الاقتصادية الثنائية.
كما جرى بحث مذكرة تفاهم بين بنك التصدير الأمريكي ووزارة المالية العُمانية بقيمة 500 مليون دولار، إضافة إلى مناقشة دور الملحقية التجارية في السفارة العُمانية بواشنطن.
وشملت الجولة الثانية ملفات الطاقة النظيفة، والمعادن الحيوية، والتعاون البيئي، والتبادل التعليمي والثقافي، بما في ذلك برامج مثل فولبرايت، إضافة إلى مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والسينما، مع الاتفاق على عقد الجولة الثالثة في 2025.
علاقات متوسعة
تربط السلطنة والولايات المتحدة علاقات تاريخية تعود لنحو 200 عام، بدأت بتوقيع "معاهدة الصداقة والتجارة" في أبريل 1833، ما جعل عُمان من أوائل الدول التي أقامت علاقات رسمية مع واشنطن.
وخلال العقود الماضية، تطورت العلاقات الثنائية لتشمل مجالات سياسية واقتصادية وعسكرية، حيث أخذ التعاون العسكري شكلاً رسمياً منذ منتصف العام 1980.
وفي سلطنة عُمان خمس قواعد أمريكية تتبع القيادة الوسطى، إضافة إلى مخازن للأسلحة والعتاد والذخائر، في إطار ترتيبات عسكرية معروفة ضمن العلاقات الثنائية.
وكان لمسقط عديد من الأدوار المهمة في إطار تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران في الوصول إلى الاتفاق النووي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما عام 2015، إضافة إلى عدد من الخطوات المختلفة والمستمرة حتى اليوم.
ولا تقتصر العلاقات بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة الأمريكية على السياسة والأمن، بل تمتد أذرعها بقوة نحو الاقتصاد؛ فعززت الدولتان خلال السنوات الماضية تعاملاتهما التجارية، ووسعتا استثماراتهما المتبادلة.
ويأتي الحوار الاستراتيجي كإطار حديث ينظم هذا التعاون المتعدد المسارات، ويعكس انتقال العلاقات إلى صيغة مؤسسية تقوم على الحوار المنتظم والمتابعة المستمرة.