علاقات » اميركي

التطبيع يصطدم بجدار السعودية.. وواشنطن تفقد زمام المبادرة

في 2025/11/29

يوسف حمود - الخليج أونلاين

أعادت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان آل سعود إلى واشنطن (18 نوفمبر) تسليط الضوء على موقف المملكة من تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، الذي يشترط إقامة دولة فلسطينية مستقلة أولاً.

وكشفت التسريبات الأمريكية والإسرائيلية عن محادثات "صعبة" جرت خلف الأبواب المغلقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي، عكست تمسك الرياض بشروطها مقابل رغبة واشنطن المعلنة في تحقيق اختراق سريع بعد الحرب في غزة.

ووفق تقارير أمريكية، فإن البيت الأبيض وضع ملف التطبيع على رأس جدول الأعمال الزعيمين، أملاً في استثمار لحظة ما بعد انتهاء الحرب على غزة للدفع نحو اتفاق جديد ضمن "اتفاقيات أبراهام".

كواليس الجلسة المغلقة

موقع " أكسيوس" الإخباري كشف (26 نوفمبر) جانباً من الجلسة المغلقة بين ترامب ومحمد بن سلمان حول التطبيع، تناولت رغبة واشنطن بتحقيق انضمام الرياض إلى "اتفاقيات أبراهام"، ولكن ولي العهد السعودي رفض طلب الرئيس الأمريكي.

ووفق "أكسيوس"، فإن ولي العهد السعودي جدد التزام بلاده بمواقفها الثابتة تجاه قضية فلسطين التي تعد على رأس أولويات السياسة الخارجية للمملكة أثناء المحادثات مع ترامب، رافضاً الحديث عن التطبيع دون قبول "إسرائيل" بتحقيق حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

كما أكد الموقع، نقلاً عن مصادر أمريكية، أن "ولي العهد السعودي تعامل بقوة مع طلب ترامب وتمسك بموقفه"، في حين وصف مسؤولان أمريكيان لـ "أكسيوس" الأمير محمد بن سلمان بـ"الرجل القوي".

وخلال مؤتمر صحفي مع الرئيس ترامب أعاد ولي العهد السعودي تأكيد رؤية المملكة تجاه الصراع في الشرق الأوسط، مشدداً على أن "السعودية تريد سلاماً مع إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة بأسرها، بجانب إعداد خطة واضحة للقضية الفلسطينية تضمن إقامة مسار حقيقي للتوصل إلى حل الدولتين".

لا تطبيع مع نتنياهو

وعلى مدى العامين الماضيين، ربطت السعودية التطبيع مع "إسرائيل" بشروط واضحة، وعلى رأسها إقامة دولة فلسطينية، لا سيما بعد أن وثقت استطلاعات بنهاية العام 2023، أي بعد العدوان الإسرائيلي على غزة، مزاجاً شعبياً سعودياً متشدداً تجاه "إسرائيل" وهو ما أدى دوراً مركزياً في موقف الرياض الرسمي.

وتشير بيانات "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" إلى أن 96% من السعوديين يطالبون الدول العربية والإسلامية بقطع العلاقات مع "إسرائيل" احتجاجاً على حرب غزة.

كما تبين أن 40% من المشاركين أعربوا عن مواقف إيجابية تجاه حركة "حماس"، مقارنة بنسبة 10% قبل الحرب، ما يعكس تغيرات عميقة في اتجاهات الرأي العام.

ويبدو أيضاً أن وجود نتنياهو نتنياهو رئيساً للوزراء، وهو المطلوب دولياً بجرائم حرب، يمثل عقبة حقيقة تجاه الدفع بملف التطبيع، لا سيما بعد الحرب على غزة والجرائم المهولة التي ارتكبها جيش الاحتلال تحت قيادته.

حيث ذكرت صحيفة "هآرتس" العبرية (28 نوفمبر) أن المملكة تبعث برسائل مفادها أن لا تطبيع للعلاقات بين الرياض وتل أبيب بوجود نتنياهو.

وأوضحت الصحيفة في مقال للكاتب عاموس شوكين أنه خلال شهر نوفمبر الجاري، وجّه مسؤولون سعوديون رسالة مفادها أنه طالما نتنياهو رئيساً للوزراء، فلا أساس لتطبيع العلاقات بين المملكة و"إسرائيل".

سبب ذلك يعود إلى أن "علاقات نتنياهو مع قادة الدول العربية التي تربطنا بها اتفاقيات سلام بالفعل، مثل مصر والأردن، ليست مثالية، على أقل تقدير"، بحسب الكاتب، لافتاً إلى أن السبب الثاني هو أن "السعوديين يريدون مساراً واضحاً لإقامة دولة فلسطينية".

وسبق أن قال الرئيس الأسبق للاستخبارات السعودية الأمير تركي الفيصل إن المملكة لا يمكن أن تطبع علاقاتها مع مجرم حرب مهووس بالإبادة الجماعية، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأوضح الفيصل، خلال مقابلة له مع شبكة "سي إن إن" الأمريكية، في أغسطس الماضي، رداً على سؤال حول التطبيع مع "إسرائيل" قائلاً: "كيف يمكن لأي شخص أن يتوقع من السعودية أن تُطبّع مع مجرم كهذا أو مع مهووس بالإبادة الجماعية؟".

كما أشار إلى أنه "ليس هنالك سبيل أن تُطبّع السعودية علاقاتها مع إسرائيل في الوضع الراهن"، لافتاً إلى أن "المملكة هي من قدّمت مبادرة السلام العربية، وهي مطروحة على الطاولة".

مسار حقيقي نحو دولة فلسطينية

وفي هذا الصدد يشير الباحث في العلاقات الدولية عماد كمال إلى أن مباحثات ترامب ومحمد بن سلمان أكدت أن "السعودية لا تتعامل مع ملف التطبيع كأداة تفاوضية قابلة للمرونة، بل كمسار سياسي مشروط لا يمكن تجاوزه دون تقديم ضمانات ملموسة للفلسطينيين".

ويضيف في حديثه لـ"الخليج أونلاين":

- الرياض تعتبر أي خطوة نحو التطبيع لا ترتبط بضمان إقامة دولة فلسطينية ستفقد قيمتها الاستراتيجية.

- موقف ولي العهد السعودي جاء نتيجة قراءة دقيقة لموجة الرفض الشعبي داخل المملكة، حيث شهدت السنوات الأخيرة أعلى مستويات الحساسية تجاه "إسرائيل" بسبب العدوان على غزة.

- الولايات المتحدة أخطأت في تقدير قدرة الضغط السياسي على تغيير الموقف السعودي، لأنها لم تدرك أن البيئة الإقليمية تغيّرت جذرياً بعد حرب غزة.

- السعودية تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها شرطاً بنيوياً لاستقرار المنطقة، وليس ملفاً تفاوضياً ثانوياً يمكن الالتفاف عليه أو تجاوزه.

- أي تقدم في هذا الملف لن يحدث ما لم تُقدم "إسرائيل" على مسار حقيقي نحو إقامة الدولة الفلسطينية، مع التزامات زمنية واضحة. 

- واشنطن تدرك الآن أن الطريق إلى التطبيع في المنطقة يمر عبر الرياض، والوصول إليه يحتاج لإعادة هندسة كاملة للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بما يتجاوز الضغوط التقليدية.