في 2026/09/14
الخليج أونلاين
لم يعد الذكاء الاصطناعي في السعودية مجرد تقنية مرتبطة بالشركات الناشئة أو قطاع التكنولوجيا، بل بدأ يتحول إلى عامل مؤثر في شكل سوق العمل نفسه، من نوعية الوظائف المطلوبة إلى المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل، وصولاً إلى طبيعة المهام التي يمكن أن يؤديها الموظف في القطاعات الحكومية والخاصة.
وتأتي هذه التحولات في وقت جعلت فيه السعودية الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من مسار «رؤية 2030»، فيما أعلنت المملكة أن 2026 هو «عام الذكاء الاصطناعي»، في خطوة تعكس انتقال التقنية من مرحلة التجريب إلى مرحلة أوسع من التطبيق الاقتصادي والمؤسسي.
45% من الوظائف معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي
وتكشف أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي أن نحو 45% من الوظائف في السعودية معرضة بدرجة مرتفعة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وهي نسبة أقل من متوسط دول مجلس التعاون الخليجي البالغ نحو 57%، لكنها أعلى بكثير من متوسط الاقتصادات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باستثناء دول الخليج، والبالغ نحو 23%.
واللافت أن التأثير المحتمل يبدو أكبر بين السعوديين؛ إذ يقدّر الصندوق أن نحو 80% من العاملين السعوديين يشغلون وظائف ذات تعرض مرتفع للذكاء الاصطناعي، مقارنة بنحو 30% من العمالة الأجنبية. ويرتبط ذلك بارتفاع نسبة السعوديين العاملين في الوظائف المهنية والإدارية والأعمال التي تعتمد بدرجة أكبر على المهارات المعرفية.
وهذا لا يعني أن 80% من السعوديين سيفقدون وظائفهم، بل إن «التعرض» يعني أن طبيعة المهام التي يؤدونها يمكن أن تتغير بفعل الذكاء الاصطناعي، سواء عبر الأتمتة أو زيادة الاعتماد على الأدوات الذكية.
الوظيفة نفسها تتغير
أحد أبرز التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي هو الانتقال من السؤال التقليدي: «ما الوظيفة التي أعمل بها؟» إلى سؤال آخر: «ما المهام التي أستطيع إنجازها باستخدام الذكاء الاصطناعي؟».
فالموظف في القطاع المالي، على سبيل المثال، يستطيع استخدام الأدوات الذكية في تحليل البيانات وإعداد التقارير، فيما يمكن للعاملين في التسويق والإعلام وخدمة العملاء والتعليم والموارد البشرية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل وإنتاج المحتوى والتعامل مع كميات ضخمة من المعلومات.
وهذا يعني أن المنافسة في سوق العمل لن تكون بالضرورة بين الإنسان والآلة، وإنما بين موظف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة وموظف لا يزال يعتمد بالكامل على الأساليب التقليدية.
من الشهادة إلى المهارة
وتدفع هذه التحولات السعودية إلى إعادة النظر في مفهوم التأهيل المهني. فقد أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية «المنصة الوطنية للمهارات»، في إطار توجه يركز على ربط المهارات باحتياجات سوق العمل الجديدة. كما حذرت الوزارة من أن التحدي لم يعد يتمثل فقط في توفير الوظائف، وإنما في توفير المهارات اللازمة لشغل الوظائف المتغيرة.
وفي هذا السياق، تعمل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» على بناء منظومة وطنية للمهارات، وأصدرت إطاراً وطنياً للمعايير المهنية في البيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف توحيد الممارسات وتحديد القدرات المطلوبة للوظائف المرتبطة بهذا القطاع.
كما تستهدف مبادرة «مليون سعودي للذكاء الاصطناعي» تدريب مليون مواطن على معارف ومهارات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الاستخدامات العملية والأخلاقية للتقنية وربطها باحتياجات سوق العمل.
وظائف جديدة في المقابل
ورغم المخاوف المرتبطة بإحلال بعض المهام، فإن التحول التقني يخلق في المقابل وظائف جديدة، خصوصاً في مجالات تحليل البيانات، وهندسة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وحوكمة البيانات، وتطوير النماذج، وإدارة المخاطر التقنية.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في السعودية بناء أكثر من 20 ألف متخصص وخبير في البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب استقطاب استثمارات تقدر بنحو 75 مليار ريال ودعم أكثر من 300 شركة ناشئة في المجال.
وتشير «سدايا» إلى أن برامجها التدريبية استفاد منها أكثر من 1.56 مليون مواطن ومواطنة، بينهم 14,495 متخصصاً وخبيراً في البيانات والذكاء الاصطناعي، في إطار جهود بناء القدرات الوطنية.
ماذا يعني ذلك للسعوديين؟
بالنسبة إلى الباحث عن عمل، تتجه قيمة المهارات إلى الارتفاع مقارنة بالاعتماد على المؤهل الأكاديمي وحده. فالموظف الذي يجمع بين تخصصه الأصلي والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتعامل مع الأنظمة الرقمية سيكون أكثر قدرة على المنافسة.
وهذا التحول مهم بشكل خاص في السعودية، حيث انخفض معدل بطالة السعوديين إلى 7.2% في 2025، وفق تقرير «رؤية السعودية 2030»، بينما بلغ معدل بطالة السعوديات 10.3%، وهو أدنى مستوى تاريخي بحسب التقرير. ومع تراجع البطالة، يصبح التحدي التالي هو نوعية الوظائف والمهارات المطلوبة للمراحل المقبلة من التحول الاقتصادي.
من يتكيف أولاً؟
التجربة السعودية تشير إلى أن السنوات المقبلة لن تكون مجرد سباق لاستقدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما سباق لإعادة تأهيل قوة العمل نفسها.
فالوظائف الروتينية والقائمة على معالجة المعلومات المتكررة ستكون أكثر عرضة للأتمتة، بينما سترتفع قيمة المهارات التي يصعب استبدالها بالكامل، مثل التفكير النقدي، والإبداع، واتخاذ القرار، والقدرة على التواصل، وفهم السياق، إلى جانب المعرفة التقنية.
وبذلك، فإن التحول الحقيقي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على سوق التوظيف السعودي لا يتمثل بالضرورة في اختفاء الوظائف، وإنما في إعادة تعريفها. والموظف الذي يمتلك تخصصاً مهنياً ويعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر قيمة من موظف يمتلك المهارة التقليدية وحدها.
وفي اقتصاد يسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط وتوسيع قطاعات التكنولوجيا والخدمات والصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي، يبدو أن المعركة المقبلة في سوق العمل السعودي لن تكون على عدد الوظائف فقط، وإنما على امتلاك المهارات التي ستصنع وظائف العقد المقبل.