في 2026/07/11
طه العاني - الخليج أونلاين
تواصل قطر توسيع شراكاتها الدولية لتطوير سوق العمل، عبر الاستفادة من التجارب التي أثبتت نجاحها في بناء قوى عاملة أكثر كفاءة ومرونة، بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية ومتطلبات التنمية طويلة الأجل.
وفي هذا السياق، تعكس الزيارة التي أجراها وزير العمل القطري إلى سنغافورة توجهاً نحو الاستفادة من أحد أبرز النماذج العالمية في إدارة سوق العمل، ليس فقط على مستوى التشريعات والتنظيم، وإنما أيضاً في تنمية المهارات، وربط التدريب باحتياجات الاقتصاد، وتوظيف التقنيات الحديثة في إدارة القوى العاملة.
شراكة متقدمة
وتمثّل الزيارة الأخيرة انتقال التعاون بين الدوحة وسنغافورة من تبادل الخبرات إلى بحث آليات عملية لتطوير سوق العمل وفق أفضل الممارسات العالمية.
وبحسب وكالة الأنباء القطرية "قنا"، في 3 يوليو 2026، عقد وزير العمل علي بن صميخ المري اجتماعاً مع وزير القوى العاملة السنغافوري تان سي لينغ، جرى خلاله بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي، والبناء على الشراكة التي تطورت خلال السنوات الماضية، مع التركيز على تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الرائدة في تطوير أسواق العمل.
وأكد المري أن مخرجات الاجتماع تمثل خطوة جديدة لتعزيز الشراكة بين البلدين وإطلاق مبادرات عملية تخدم التنمية المشتركة، مشيراً إلى أن قطر تواصل تطوير منظومتها التشريعية والتنظيمية بما يواكب المتغيرات الاقتصادية واحتياجات سوق العمل، ويعزز الاستثمار في رأس المال البشري.
وشهدت المباحثات مراجعة مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين وآليات تفعيلها، إلى جانب مناقشة تحديث سياسات سوق العمل، وتنمية المهارات، والتدريب والتأهيل المهني، والاستفادة من التجارب الناجحة لدى الجانبين، فضلاً عن متابعة مخرجات الاجتماعات الفنية بين مسؤولي وزارتي العمل بما يعزز تنفيذ الملفات المشتركة.
نقل الخبرات
ولم تقتصر الزيارة على الاجتماعات الرسمية، بل امتدت إلى الاطلاع المباشر على التجربة السنغافورية في إدارة القوى العاملة وربطها بالتقنيات الحديثة.
وأشار بيان وزارة العمل القطرية، في 3 يوليو 2026، إلى أنّ الوزير عقد سلسلة اجتماعات مع كبار مسؤولي وزارة القوى العاملة السنغافورية، تناولت ملفات التوظيف، والسياسات الوطنية، والأطر التنظيمية، وتطوير مهارات القوى العاملة، والحماية الاجتماعية، مع بحث آليات تفعيل مذكرة التعاون بما يدعم رفع كفاءة سوق العمل في البلدين.
كما زار شركة "سيرتيس"، إحدى أبرز الشركات الآسيوية المتخصصة في الخدمات الأمنية وإدارة المرافق والحلول التقنية، حيث اطّلع على تجربتها في تنظيم القوى العاملة، وتأهيل الكوادر البشرية، ورفع المهارات المهنية.
وشملت الزيارة التعرف على آليات توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لرفع الكفاءة التشغيلية، إلى جانب بحث فرص تبادل الخبرات في مجالات السلامة والأمن، وإدارة المرافق، والخدمات المساندة.
بيئة متكاملة
ويؤكد الخبير الاقتصادي أحمد عقل أن الاستفادة من النموذج الاقتصادي السنغافوري لا تعني تحولاً مفاجئاً في فلسفة تطوير سوق العمل القطري، بل تمثل التقاءً فكرياً واستراتيجياً مع الإصلاحات القائمة ومراكز القوة المشتركة بين البلدين.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن رؤية قطر الوطنية تركز بشكل أساسي على تنمية رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية، والتحول نحو الاقتصاد المعرفي القائم على التعليم والابتكار، وهي معطيات تتقاطع بوضوح مع ركائز التجربة السنغافورية الناجحة.
ويبين عقل أن أبرز عناصر التجربة السنغافورية الملهمة تكمن في:
إعادة تأهيل العمالة لمواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة.
بناء شراكات قوية بين القطاعين الحكومي والخاص.
خلق حوافز استثمارية جاذبة.
ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن السوق القطري يمتلك خصوصية تميزه، حيث نجحت الدولة في بناء بيئة تشريعية مشجعة للاستثمار، مع التركيز على التطوير الرقمي الشامل، ودعم قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية لتنويع مصادر الدخل.
ويعتقد عقل أن رفع الكفاءة الإنتاجية للموظفين والإداريين هو المفتاح الأساسي لتعزيز التنافسية، حيث تسهم العمالة الذكية في ابتكار حلول سريعة للمشكلات، والاستغلال الأمثل للموارد، وترشيد النفقات بما يواكب الانفتاح الاقتصادي العالمي.
كما يشير إلى أن الأفكار الابتكارية البسيطة القائمة على تلبية احتياجات السوق المحلي يمكنها التطور لتتحول إلى مشروعات عالمية كبرى، مشدداً على أن تحسين مهارات القوى العاملة يعد الركيزة الأساسية للتطوير في العصر الحالي.
ويردف بأن دولة قطر وفرت البيئة التحتية والتعليمية المناسبة لتعزيز هذا التوجه، من خلال استقطاب كبرى الجامعات والمؤسسات التعليمية العالمية، وصياغة برامج متطورة تضمن بناء عقول قادرة على المنافسة والابتكار.
ويؤكد عقل أن الاعتماد على التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي يسهم بشكل مباشر في تسريع العمليات، وتقليل الأخطاء البشرية والتقنية، وخفض التكاليف الإجمالية، مما يرفع من جودة وكفاءة الإنتاجية العامة.
وبينما يشير إلى وجود بعض التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مثل الاعتماد على مراكز البيانات الخارجية، يؤكد أن قطر استبقت ذلك بتأسيس شركات محلية رائدة لحفظ البيانات، وتطوير أيد عاملة قادرة على مواءمة البرمجيات مع بيئة الأعمال المحلية.
ويخلص عقل إلى أن التحول الرقمي يمثل ثورة تكنولوجية حتمية، وأن قطر تعد من أسرع الدول التي التحقت بها عبر توفير بيئة تقنية متكاملة ونظام أمن سيبراني قوي قادر على حماية العاملين والشركات على المديين المتوسط والطويل.
هيكلة السوق
وتُظهر الاجتماعات الفنية أن الاهتمام القطري يتركز على العناصر الهيكلية التي يقوم عليها النموذج السنغافوري في إدارة سوق العمل وتنمية الموارد البشرية.
وبحسب وزارة القوى العاملة السنغافورية، يعتمد النموذج السنغافوري على تنمية المهارات، ومواءمة التدريب مع احتياجات الاقتصاد، إلى جانب إدارة مرنة للقوى العاملة تعزز تنافسية سوق العمل.
وفي إطار ذلك، عقدت وكيلة وزارة العمل، الشيخة نجوى بنت عبد الرحمن آل ثاني، في 3 يوليو 2026، اجتماعات مع مسؤولي إدارة سياسات واستراتيجيات مكان العمل، وهيئة تنمية المهارات والقوى العاملة، وإدارة سياسات القوى العاملة الأجنبية في سنغافورة.
وتناولت الاجتماعات - وفق "قنا"- تجربة سنغافورة في صياغة سياسات سوق العمل، واستراتيجية تنمية القوى العاملة، والسياسات التي تمنح الأولوية لتوظيف المواطنين، إلى جانب آليات تطوير المهارات ومواءمة برامج التدريب مع احتياجات السوق.
كما بحث الجانبان نظام تصاريح العمل السنغافوري، والسياسات المنظمة لاستقدام وتشغيل العمالة الأجنبية، بما يحقق التوازن بين تلبية احتياجات سوق العمل ورفع كفاءة إدارة القوى العاملة، وهو ما ينسجم مع توجهات قطر نحو تطوير بيئة عمل أكثر كفاءة واستدامة.