اقتصاد » تطوير بنى

الصناديق المبسطة بالسعودية.. مسار أسرع لتمويل الاقتصاد غير النفطي

في 2026/06/29

سلمى حداد - الخليج أونلاين

تفتح السعودية مساراً جديداً أمام رؤوس الأموال المؤسسية، عبر صناديق استثمارية يمكن تأسيسها بسرعة أكبر وبتكاليف أقل، مع مرونة أوسع في تمويل الشركات غير المدرجة ومشروعات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء.

ويأتي إطلاق "صناديق الاستثمار المبسطة" في وقت يشهد فيه قطاع إدارة الأصول نمواً متسارعاً، ما يزيد الحاجة إلى أوعية استثمارية أكثر قدرة على مواكبة الفرص الجديدة وتلبية متطلبات المستثمرين الكبار.

وبحسب بيانات نشرتها هيئة السوق المالية في 8 مارس 2026، بلغت أصول صناديق الاستثمار في السعودية 884.45 مليار ريال (نحو 235.9 مليار دولار) بنهاية 2025، بزيادة 26.5% على أساس سنوي، وهو ما يعكس اتساع السيولة الباحثة عن قنوات استثمار أكثر تنوعا وكفاءة.

قواعد أكثر مرونة

وبدأت هيئة السوق المالية إعداد المشروع في 7 أكتوبر 2025، عندما طرحت مسودة التعليمات لاستطلاع آراء المشاركين في السوق لمدة 30 يوماً.

وقالت الهيئة حينها إن المشروع يستهدف إنشاء صناديق عالية المرونة ومنخفضة التكاليف المرتبطة بالتأسيس والإدارة، مع منح مدير الصندوق والمستثمرين قدرة أكبر على صياغة العلاقة التعاقدية بينهم بما يتناسب مع طبيعة الاستثمار.

واستلهم المشروع بعض خصائص هياكل الشراكة المحدودة المستخدمة عالمياً في صناديق الاستثمارات البديلة، وفق إعلان الهيئة المنشور في التاريخ نفسه.

وتتناسب هذه الهياكل مع طبيعة الملكية الخاصة ورأس المال الجريء، إذ يلتزم المستثمرون عادة بتوفير الأموال لفترات طويلة، بينما يسحب مدير الصندوق التمويل على مراحل وفقاً لاحتياجات الشركات والصفقات التي يستثمر فيها.

ومن أبرز التغييرات التي تضمنتها التعليمات إلغاء متطلب مراجعة طلب الطرح خلال 15 يوماً، واستبداله بإشعار يقدمه مدير الصندوق قبل التاريخ المقترح للطرح، بحسب إعلان هيئة السوق المالية الصادر في 8 مارس 2026.

كما يقتصر طرح وحدات الصناديق المبسطة على العملاء المؤسسيين، مع اشتراط أن يتولى إدارتها مدير مرخص لممارسة نشاط إدارة الاستثمارات أو إدارة الاستثمارات وتشغيل الصناديق.

وتسمح القواعد الجديدة بمرونة أكبر في تحديد فئات الوحدات وآلية تقديم التقارير وتعديل الشروط وإنهاء الصندوق وتصفيته.

كما لا تلزم بتعيين أمين حفظ عندما يتخذ الصندوق شكل منشأة ذات أغراض خاصة، مع استمرار متطلبات فصل أصول الصندوق عن أموال مديره وأصول العملاء الآخرين.

وقد يسهم ذلك في خفض بعض النفقات التشغيلية والإدارية، مع منح المؤسسات المشاركة دوراً أوسع في اختيار الهياكل والشروط التي تتناسب مع استراتيجياتها الاستثمارية وطبيعة المخاطر التي تستهدفها.

سوق متنامية

ويتزامن الإطار الجديد مع توسع قوي في الاستثمار الخاص داخل المملكة، فبحسب تقرير الاستثمار الجريء في السعودية لعام 2025، الصادر عن الشركة السعودية للاستثمار الجريء "SVC" ومنصة "ماغنيت"، والذي أُعلنت نتائجه في 21 يناير/ كانون الثاني 2026، سجلت المملكة 257 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 1.72 مليار دولار.

وأوضح التقرير أن قيمة الاستثمار الجريء ارتفعت 145% مقارنة بعام 2024، بينما زاد عدد الصفقات 45%.

واستحوذت السعودية على 45% من إجمالي التمويل الجريء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025، مقابل 32% في العام السابق، لتواصل تصدرها أسواق المنطقة من حيث قيمة الاستثمار.

وتصدرت التقنية المالية القطاعات بجذب 506 ملايين دولار، ما يعادل 29% من إجمالي التمويل، تلتها التجارة الإلكترونية والتجزئة بقيمة 392 مليون دولار وحصة بلغت 23%.

واستحوذ القطاعان معاً على 52% من إجمالي الاستثمارات، ما يعكس الدور المتزايد للأنشطة الرقمية في جذب رؤوس الأموال، بالتوازي مع امتداد التمويل إلى الألعاب والخدمات اللوجستية والسفر والسياحة.

كما ارتفع عدد المستثمرين الداعمين للشركات السعودية الناشئة إلى 194 مستثمرا خلال 2025، بزيادة سنوية بلغت 38%، وفق التقرير ذاته.

وزادت مشاركة المستثمرين الدوليين 65%، لترتفع حصتهم إلى 34% من إجمالي المستثمرين، مقابل 28% في 2024، في مؤشر على تنامي اهتمام المؤسسات الأجنبية بفرص النمو داخل السوق السعودية.

وتظهر بيانات عام 2025 أن السوق السعودية لا تكتفي بتوسيع قاعدة الشركات الناشئة، بل تبني مساراً متدرجاً لدعمها من التأسيس إلى النمو والتوسع.

فقد شكلت صفقات المراحل المبكرة 87% من إجمالي صفقات الاستثمار الجريء، وسجل عددها زيادة سنوية بلغت 50%، وهو ما يعكس نشاطاً واسعاً في إنشاء الشركات وتطوير الأفكار الجديدة.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت صفقات الجولة الاستثمارية "ب" بنحو 4.5 مرات على أساس سنوي، وفق تقرير "SVC" و"ماغنيت"، بما يشير إلى انتقال عدد أكبر من الشركات إلى مراحل أكثر تقدماً واستعداداً للتوسع.

واستحوذت أكبر خمس صفقات على 41% من إجمالي قيمة الاستثمار الجريء خلال العام، بدعم من جولات متوسطة ومتأخرة في قطاعات تشمل التجارة الإلكترونية والتقنية المالية والسفر والسياحة والأمن السيبراني.

وتتيح الصناديق المبسطة لمديري الأصول تصميم أوعية تستهدف هذه المراحل بصورة أكثر تخصصاً، سواء بحسب حجم الشركة أو القطاع أو مدة الاستثمار.

ومن شأن ذلك تعزيز استمرارية التمويل ومنح الشركات السعودية خيارات أوسع لتوسيع عملياتها داخل المملكة والوصول إلى أسواق إقليمية ودولية.

مرونة تمويلية

وفي قراءته لهذه المعطيات، يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن إطلاق صناديق الاستثمار المبسطة يمثل نقلة نوعية في تطوير منظومة التمويل والاستثمار في السعودية، ويعكس استمرار تحديث البيئة التشريعية بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية ويعزز تنافسية سوق رأس المال.

وقال أبو قمر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إن هذه الصناديق ستسهم في تسريع تدفق رؤوس الأموال إلى الشركات والمشروعات الواعدة، عبر تقليص الوقت والإجراءات اللازمة لتأسيس الصناديق، ومنح مديري الأصول والمستثمرين المؤسسيين مرونة أكبر في تصميم المنتجات الاستثمارية وتمويل الشركات غير المدرجة ومشروعات الملكية الخاصة ورأس المال الجريء.

وأضاف أن توقيت إطلاق الصناديق يعكس نضج السوق السعودية، في ظل ارتفاع أصول صناديق الاستثمار إلى 884.45 مليار ريال (نحو 235.9 مليار دولار) بنهاية 2025، وهو ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين واتساع قاعدة الأموال المؤسسية الباحثة عن فرص استثمارية طويلة الأجل.

وأوضح أن هذه الخطوة ستدعم الشركات الناشئة والمتوسطة عبر توفير مصادر تمويل أكثر كفاءة خلال مراحل النمو والتوسع، بما يسهم في زيادة الاستثمار والإنتاجية وخلق فرص العمل، ويعزز مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وأكد أن الأثر الإيجابي للصناديق لا يقتصر على توفير التمويل، بل يمتد إلى تعزيز جاذبية السوق السعودية أمام المستثمرين المحليين والدوليين، ودعم نمو قطاعات واعدة مثل التقنية والتقنية المالية والسياحة والخدمات اللوجستية.

وأشار إلى أن المملكة أصبحت أكبر سوق لرأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يجعل الصناديق المبسطة أداة مهمة لاستيعاب هذا النمو وتوجيه المزيد من الاستثمارات نحو الاقتصاد الحقيقي.

واعتبر أن استمرار الإصلاحات التنظيمية سيعزز مكانة السعودية مركزاً مالياً واستثمارياً إقليمياً قادراً على جذب رؤوس الأموال النوعية ودعم النمو الاقتصادي المستدام.

تعزيز دورة الاستثمار طويلة الأجل

وتدعم الصناديق الجديدة تطور دورة الاستثمار من جمع الأموال إلى تمويل الشركات، ثم بيع الاستثمارات وإعادة توجيه رأس المال إلى فرص أخرى.

ووفق تقرير "SVC" و"ماغنيت" لعام 2025، سجلت السعودية عشر صفقات اندماج واستحواذ لشركات ناشئة، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، مقابل خمس صفقات في 2021.

ونفذ مستحوذون سعوديون ستاً من العمليات العشر، ما يعكس اتساع دور الشركات المحلية في شراء الأعمال الناشئة وتنامي قدرة السوق على تدوير رأس المال داخل المنظومة الاستثمارية.

كما يوفر ارتفاع عدد الشركات التي تصل إلى مراحل متقدمة قاعدة أوسع للطروحات العامة وعمليات الاندماج والاستحواذ خلال السنوات المقبلة.

وتمنح المرونة الجديدة مديري الصناديق قدرة أكبر على صياغة مدد الاستثمار وسياسات التوزيع والتخارج بما يناسب طبيعة كل صفقة، وهو ما قد يدعم جذب مستثمرين مؤسسيين يبحثون عن فرص طويلة الأجل في القطاعات ذات معدلات النمو المرتفعة.

وينسجم إطلاق الصناديق المبسطة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40 إلى 65%، وزيادة مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر من 3.8 إلى 5.7%، وفق الموقع الرسمي للرؤية.