اقتصاد » تطوير بنى

قمة دولية مرتقبة.. كيف تقود الرياض مستقبل الابتكار المائي؟

في 2026/06/24

طه العاني - الخليج أونلاين

تسعى السعودية إلى ترسيخ موقعها بوصفها أحد أبرز الفاعلين الدوليين في قطاع المياه، من خلال توسيع الاستثمارات في التقنيات المتقدمة وبناء شراكات بحثية واستضافة منصات دولية متخصصة تجمع الحكومات والخبراء والمستثمرين لمناقشة مستقبل الأمن المائي.

ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد تحديات ندرة المياه والتغيرات المناخية وارتفاع الطلب العالمي على الموارد المائية، ما يدفع المملكة إلى توظيف خبراتها في التحلية والإدارة المستدامة للمياه لتطوير حلول مبتكرة.

منصات عالمية

وفي موازاة تطوير قطاعها المائي محلياً، تعمل المملكة على ترسيخ دورها بوصفها منصة دولية لصياغة أجندة المياه العالمية خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق أعلنت الهيئة السعودية للمياه عودة مؤتمر الابتكار في استدامة المياه (IDWS2026)، الذي تستضيفه جدة خلال الفترة من 7 إلى 9 ديسمبر 2026، بمشاركة متوقعة تتجاوز 10 آلاف مشارك من 140 دولة، إلى جانب 250 متحدثاً و150 جهة عارضة، في أكبر تجمع دولي متخصص في قطاع المياه.

ويأتي انعقاد المؤتمر في وقت تتزايد فيه أهمية المياه بوصفها مورداً حيوياً للنمو الاقتصادي، مع اتساع احتياجات قطاعات مثل مراكز البيانات والصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة.

ولا يقتصر الحراك السعودي على استضافة مؤتمر الابتكار في استدامة المياه، إذ تكثف المملكة استعداداتها لاستضافة المنتدى العالمي الـ11 للمياه في الرياض خلال مارس 2027 تحت شعار "العمل لغدٍ أفضل"، بالتعاون مع المجلس العالمي للمياه.

وضمن هذا المسار تستعد المملكة لعقد الاجتماع التشاوري الثاني ضمن أعمال أسبوع المياه السعودي، بمشاركة خبراء وصناع قرار وممثلين للحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، بهدف تنسيق الرؤى ومناقشة أولويات المنتدى ومحاوره وآليات التعاون والشراكة.

ويعكس هذا التحرك المبكر سعي المملكة إلى تكثيف الحوار الدولي حول قضايا المياه، وترسيخ مكانة الرياض منصة دولية تجمع الخبرات والتجارب الرامية إلى معالجة تحديات المياه.

شراكات وابتكار

وإلى جانب تنظيم الفعاليات الدولية المتخصصة، تواصل المملكة توطيد شبكة تعاونها العلمي لتسريع تحديث التقنيات المائية المستقبلية وتحسين كفاءة القطاع.

وأعلنت الهيئة السعودية للمياه، في 15 يونيو 2026، توقيع مذكرة تفاهم مع مركز أبحاث العلوم البيئية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، بهدف تعزيز التعاون العلمي والبحثي وتبادل الخبرات في مجالات تقنيات المياه والابتكار والتوصّل إلى حلول مستدامة للتحديات المائية.

وتشمل مجالات التعاون تطوير الأغشية والمواد المتقدمة المستخدمة في تحلية المياه، والبحث في تقنيات معالجة المياه الصديقة للبيئة، وتنفيذ مشاريع بحثية مشتركة، وتبادل الباحثين والخبراء، وتنظيم برامج تدريبية لبناء القدرات وتأهيل الكفاءات الوطنية.

كما تتضمن المذكرة دراسة إنشاء منصات ومعامل بحثية مشتركة، وإيجاد حلول تقنية تسهم في خفض استهلاك الطاقة وتقليل الأثر البيئي لعمليات إنتاج ومعالجة المياه، بما يدعم استدامة الموارد المائية ويرفع كفاءة الخدمات المقدمة.

وتستهدف هذه الشراكات تسريع نقل المعرفة وتوطين التقنيات الحديثة في قطاع المياه، بما يدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 ويرفع كفاءة الحلول المائية المستدامة.

رؤية تنموية

ويشكل الحراك المتصاعد الذي تقوده السعودية في قطاع المياه عالمياً، ومنه استضافة مؤتمر الابتكار، مرحلة جديدة تستهدف إعادة صياغة أجندة المياه الدولية من منظور استراتيجي شامل، كما يرى خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغير المناخ، رمضان حمزة.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن استضافة المملكة لهذه المؤتمرات والمنتديات الدولية يعكس انتقالها الجذري من دور المستهلك للحلول المائية إلى صانع الأجندة العالمية للمياه.

ويشير حمزة إلى أن الرياض تحولت إلى منصة دولية تجمع الحكومات والخبراء والمستثمرين لصياغة السياسات، مدفوعة برؤية تنموية تدرك أن المياه عنصر أساسي للأمن الاقتصادي والغذائي.

ويبين أن السعودية نجحت في تحويل خبرتها الطويلة في مجال تحلية المياه إلى قوة ناعمة مؤثرة؛ لكونها من كبار المنتجين للمياه المحلاة عالمياً، مما يمنحها الأحقية والجدارة في قيادة النقاشات الدولية حول إيجاد حلول مبتكرة للندرة المائية في المناطق الجافة وشبه الجافة.

ويلفت خبير الاستراتيجيات المائية إلى الدور المحوري لتقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير الموارد المائية، مبيناً أنها أصبحت من أهم أدوات الإدارة الحديثة للتنبؤ بمعدلات الطلب، والكشف المبكر عن تسربات الشبكات، فضلاً عن رفع كفاءة محطات التحلية وخفض استهلاك الطاقة، وبناء أنظمة إنذار مبكر لمواجهة الجفاف والفيضانات.

ويشير إلى أن الريادة السعودية في قطاع التحلية منخفضة الكلفة والإدارة الذكية للمياه ستجعل منها مرجعاً دولياً للدول التي تعاني من الشح المائي، مما يعزز مكانتها كجسر لنقل التكنولوجيا بين الدول المتقدمة والنامية، ويسهم مباشرة في دعم أهداف التنمية المستدامة وصياغة المعايير العالمية.

ويؤكد حمزة ضرورة تحويل مخرجات المؤتمرات إلى مشاريع ملموسة، وتقليل البصمة الكربونية للمحطات بربطها بالطاقة المتجددة، ومواجهة الطلب المتزايد، إضافة إلى تعزيز التعاون الدولي لإيصال هذه الابتكارات التقنية إلى المناطق الأكثر هشاشة مائياً.

ويعتقد أن التجربة السعودية تقدم نموذجاً ملهماً في التحول من إدارة الندرة إلى قيادة الابتكار، مؤكداً أن المستقبل لن يكون حكراً على من يمتلك الموارد المائية الأكبر، بل لمن يملك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للتنمية والاستقرار.

ريادة مائية

وترتكز الطموحات السعودية على بنية تحتية متقدمة وخبرة تشغيلية واسعة عززتا مكانة المملكة بين أبرز الدول المؤثرة في مستقبل قطاع المياه عالمياً.

ووفق بيانات الهيئة السعودية للمياه، تشغّل المملكة أكثر من 500 منشأة لإنتاج المياه بطاقة تتجاوز 16.2 مليون متر مكعب يومياً، كما تتصدر دول العالم في إنتاج المياه المحلاة واستخدام تقنيات التحلية عالية الكفاءة، ما جعلها إحدى أبرز التجارب العالمية في إدارة الموارد المائية.

وتحظى التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي بمكانة متقدمة ضمن أجندة التحول المائي في المملكة، وتخصص نسخة 2026 من مؤتمر الابتكار في استدامة المياه مساحة واسعة لمناقشة دور أنظمة التشغيل الذكية والتحليلات التنبؤية في إدارة الموارد المائية.

كما يناقش المؤتمر تطبيقات التوائم الرقمية وإدارة الأصول والبنية التحتية في الوقت الفعلي، بما يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز استدامة الخدمات المائية.

وفي موازاة ذلك تبحث جلسات المؤتمر العلاقة المتنامية بين المياه وقطاعات الطاقة والتعدين والصناعة والزراعة والسياحة والتنمية الحضرية، في ظل تزايد الاعتماد على الموارد المائية لدعم النمو الاقتصادي.

كما تولي المملكة اهتماماً متزايداً بمحور حوكمة المياه، من خلال الارتقاء بالأطر التنظيمية والسياسات الداعمة للاستدامة والكفاءة الاقتصادية، بالتوازي مع تشجيع الاستثمار في التقنيات الرقمية والابتكارات المرتبطة بمعالجة المياه وإعادة استخدامها.

وتؤكد معطيات تقرير "توجهات الابتكار في قطاع المياه" الصادر عن وزارة البيئة والمياه والزراعة أن الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار بات ضرورة لمواجهة التحديات المائية المتزايدة.

ويشير التقرير إلى تنامي دور التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الذكية في رفع كفاءة إدارة الموارد المائية وتحسين الاستدامة على المدى الطويل.

ومع اتساع شبكة الشراكات الدولية وتنامي الاستثمارات في البحث والتطوير والتقنيات الذكية، تعمل المملكة على تحويل خبرتها الطويلة في التحلية إلى رافعة للابتكار والتعاون الدولي في مواجهة تحديات المياه المتزايدة، ما يرسخ موقعها بين أبرز الأطراف المؤثرة في مسارات الابتكار المائي خلال السنوات المقبلة.