اقتصاد » تطوير بنى

توطين الصناعات الكهربائية.. استراتيجية عُمان لبناء استقلال طاقوي

في 2026/06/01

طه العاني - الخليج أونلاين

تتجه سلطنة عُمان إلى توسيع التصنيع المحلي في قطاع الطاقة، عبر ربط مشروعات الكهرباء والطاقة المتجددة بسلاسل إمداد وطنية تقلل الاعتماد على الاستيراد وتعزز القيمة المضافة للاقتصاد المحلي.

ويبرز هذا التوجه مع تنامي الاستثمارات في الصناعات الكهربائية ومعدات الطاقة النظيفة، بالتوازي مع خطط تستهدف بناء قاعدة صناعية قادرة على دعم الأمن الطاقي وتحويل السلطنة إلى مركز إقليمي للصناعات المرتبطة بالطاقة المستقبلية.

صناعة محلية

وفي أحدث خطوات التوطين الصناعي، أطلقت شركة "فولتامب للطاقة" في 23 مايو 2026، مبادرة "وطنها مع فولتامب" بالشراكة مع هيئة تنظيم الخدمات العامة وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بهدف توطين سلاسل الإمداد وتعزيز القيمة المحلية المضافة في قطاع الصناعات الكهربائية والطاقة.

وتستهدف المبادرة تمكين رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمستثمرين المحليين والدوليين من الدخول في شراكات صناعية مع الشركة، عبر ربطهم بمصنّعين عالميين ونقل تكنولوجيا التصنيع إلى سلطنة عُمان، بما يدعم بناء قاعدة تصنيع محلية قادرة على تلبية احتياجات السوقين المحلي والإقليمي.

وبحسب ما أعلنته الشركة، فإن المبادرة تسعى إلى توطين تصنيع 10 مكونات رئيسة عالية الطلب تدخل ضمن منتجات "فولتامب"، مع تحويل هذه الفرص إلى مصانع محلية تدعم سلاسل التوريد وتقلل الاعتماد على الواردات وتعزز مرونة الإمدادات على المدى الطويل.

ومن المتوقع أن تسهم المبادرة في إنشاء 10 مصانع محلية باستثمارات تقارب 50 مليون ريال عُماني (130 مليون دولار)، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراء مسبقة تضيف ما بين 30 و40 مليون ريال عُماني (78 ـ 104 ملايين دولار) إلى القيمة المحلية، فضلاً عن توفير ما لا يقل عن 100 وظيفة خلال مراحل التأسيس الأولى.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "فولتامب للطاقة" محمد أجمل باشا، إن المبادرة تمثل انتقالاً عملياً من مرحلة الاعتماد على الاستيراد إلى بناء قدرات صناعية محلية مستدامة.

وأكد في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية، في 23 مايو 2026، أن الشركة حددت 10 فرص رئيسة لتوطين منتجات تدخل في منظومة أعمالها، مع توفير اتفاقيات شراء مضمونة ودعم فني وفرص للوصول إلى الأسواق الإقليمية.

وأضاف أن المبادرة تشكل منصة عملية لبناء صناعة محلية تنافسية، في انسجام مع توجهات سلطنة عُمان نحو رفع مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني، وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي في قطاع الطاقة.

تحول طاقوي

وتتجه عُمان إلى بناء منظومة طاقة متكاملة تدعم الصناعات المستقبلية كثيفة الاستهلاك للكهرباء، إذ أعلنت شركة "نماء لشراء الطاقة والمياه" في 17 مايو 2026 توقيع اتفاقية شراء الكهرباء لمشروع طاقة متجددة هجينة في ولايتي محوت والدقم، وفق ما نشرته منصة "الطاقة" المتخصصة.

ويُعد المشروع من أكبر مشروعات الطاقة الهجينة عالمياً، بقدرة توليد مركبة تصل إلى 2.7 غيغاواط، تجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات، مع استهداف توفير قدرة مستقرة تقارب 770 ميغاواط على مدار الساعة.

كما يعكس المشروع تحول قطاع الكهرباء في السلطنة من مشروعات منفصلة إلى منظومة متكاملة قادرة على توفير إمدادات مستقرة للصناعات المتقدمة، مثل مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة والوقود الأخضر، إلى جانب دعم أهداف خفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "نماء لشراء الطاقة والمياه" أحمد العبري، إن المشروع يمثل خطوة محورية في مسيرة تحول قطاع الكهرباء، لأنه يجمع بين مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين الحديثة لتوفير كهرباء مستقرة وموثوقة، مع تعزيز قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب كميات أكبر من الكهرباء النظيفة.

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لشركة "أو-جرين" مصطفى الهنائي، أن المشروع يعكس الثقة المتزايدة بقدرة الشركات الوطنية على تنفيذ حلول متكاملة للطاقة النظيفة، موضحاً أنه يفتح المجال أمام تطوير صناعات جديدة تعتمد على الكهرباء النظيفة، خصوصاً في مجالات الوقود الأخضر والحوسبة المتقدمة.

كما تعمل شركة "أو-جرين"، التي تأسست عبر شراكة بين "أوكيو للطاقة البديلة" و"نقاء للطاقة المستدامة"، على توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، بما يشمل تصنيع مكونات توربينات الرياح وتقنيات التخزين، فيما تتجاوز محفظة مشروعاتها أكثر من 11 غيغاواط من قدرات الطاقة الشمسية والرياح، إضافة إلى 4.5 غيغاواط/ساعة من سعات التخزين بالبطاريات.

خطوة هامة

يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد عقل، أن توطين الصناعات الكهربائية، لاسيما المرتبطة بالطاقة المتجددة، يمثل خطوة استراتيجية لسلطنة عُمان لتقليص الاعتماد على الاستيراد وبناء قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.

ويضيف لـ" الخليج أونلاين":

- الأزمات الجيوسياسية الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز، فرضا على الحكومات إعادة التفكير في تأمين احتياجاتها الأساسية من الطاقة والغذاء محلياً.

- ربط مشروعات الطاقة المتجددة بسلاسل تصنيع محلية يساهم في حماية الأمن الاقتصادي للسلطنة، من هشاشة سلاسل التوريد العالمية الناتجة عن الحروب.

- هذا التوجه يفتح آفاقاً استثمارية واسعة تجذب الرساميل المحلية والأجنبية، مما يصب في اتجاه تعزيز الناتج المحلي الإجمالي وبناء اقتصاد وطني مستدام.

- الاعتماد على المنتج المحلي يؤمن إمدادات الكهرباء ضد تقلبات الأسواق الخارجية، ودور هذه البيئة الاستثمارية في توطين المعرفة ونقل التكنولوجيا الحديثة لرفد القطاعات الاقتصادية الصاعدة.

- امتلاك عُمان مقومات جغرافية وطبيعية تؤهلها لمركز إقليمي للطاقة النظيفة والهيدروجينية، مستفيدة من موقعها الخليجي الاستراتيجي، وبيئتها التشريعية المرنة المحفزة لجذب الاستثمارات الدولية ومواكبة التطور التكنولوجي.

- مشاريع التوطين الصناعي في مجال الطاقة النظيفة، تعيد صياغة سوق العمل العُماني عبر خلق وظائف مستدامة ترتبط بالاقتصاد المعرفي.

- هذه المهن تتجاوز الأدوار الإدارية واللوجستية التقليدية إلى مجالات الإبداع، والبحث العلمي، والتطوير المستمر لآليات توليد الطاقة النظيفة.

- نقل التكنولوجيا وتطوير شبكات توصيل الطاقة وترشيد استخدامها، سيخلقان فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات مساندة متعددة.

- العوائد والوفر المالي المحقق من هذه المشروعات يصب بشكل مباشر، في دعم مستهدفات "رؤية عُمان 2040" الرامية إلى تحقيق التنويع الاقتصادي الشامل.

مجمعات خضراء

ولا تقتصر خطط السلطنة على تصنيع مكونات الطاقة محلياً، بل تمتد إلى بناء مجمعات صناعية متكاملة تعتمد على الكهرباء النظيفة وتستهدف جذب الصناعات المستقبلية.

كما تدعم هذه التحركات استراتيجية أوسع لتحويل سلطنة عُمان إلى مركز إقليمي لصناعات الطاقة النظيفة، عبر ربط المجمعات الصناعية بالموانئ والمناطق الحرة وسلاسل التوريد العالمية.

وفي هذا السياق، تؤكد الاستراتيجية الصناعية 2040 التركيز على صناعات الألواح الشمسية وتوربينات الرياح وأنظمة التخزين والمحللات الكهربائية للهيدروجين الأخضر، ضمن توجه يستهدف توطين التكنولوجيا وتعزيز الأمن الطاقي وتقليل الانبعاثات الكربونية.

كما تشير تقديرات لوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار إلى أن هذا التكامل الصناعي، الممتد من المواد الخام إلى التصنيع والتصدير، قد يسهم في خفض التكاليف بنسبة تصل إلى 20% وتوفير أكثر من 3000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.