اقتصاد » تطوير بنى

من مكة إلى العالم.. الحج منصة عالمية للمنتجات السعودية

في 2026/05/15

كامل جميل - الخليج أونلاين

مع اقتراب موسم الحج، تدخل المصانع الغذائية في السعودية مرحلة استثنائية من التشغيل، حيث يجري رفع الطاقة الإنتاجية بشكل كبير لضمان تلبية الطلب المتزايد في فترة زمنية قصيرة.

وتشير بيانات القطاع الصناعي إلى وجود أكثر من 1900 مصنع للأغذية في المملكة، تدير منظومة إنتاجية ضخمة تخدم السوق المحلي وموسم الحج على حد سواء، مع خطط توسع مستقبلية تستهدف رفع العدد بشكل كبير خلال السنوات القادمة.

في هذا السياق تتحول المصانع الكبرى إلى نقاط ارتكاز في سلسلة الإمداد، حيث ترتفع الطاقة الإنتاجية بشكل ملحوظ خلال الموسم، كما في مصانع الألبان والمخبوزات التي تضاعف إنتاجها لتلبية الطلب المرتبط بالحج، بما يعكس قدرة القطاع على الاستجابة السريعة للطلب الموسمي المرتفع.

رفع الإنتاجية

المسؤولون السعوديون يستنفرون جهودهم وطاقاتهم للتأكد من جاهزية المملكة لتقديم كافة الخدمات للحجاج، ومن بين هذه الخدمات الطعام والشراب. 

وتبرز من بين المنشآت الغذائية الضخمة، مرافق "سدافكو"، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية السنوية 300 مليون طن من منتجات الألبان والعصائر والمثلجات، فيما يتجاوز حجم الإنتاج اليومي خلال موسم الحج 1.7 مليون لتر.

وتبرز أيضاً مصانع "المراعي" للمخبوزات، التي تنتج أكثر من 800 مليون حبة سنوياً من الفطائر والمعجنات، مع زيادة الطاقة الإنتاجية خلال موسم الحج بنسبة 40% لتصل إلى 2.8 مليون حبة يومياً. 

وتمتلك المملكة  قاعدة صناعية غذائية قوية، تضم أكثر من 1900 مصنع للأغذية، بحجم استثمارات يتجاوز 88 مليار ريال (23.46 مليار دولار).

وسبق أن توقعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية أنه بحلول عام 2035 يُتوقع جذب استثمارات إضافية بقيمة 78 مليار ريال (نحو 21 مليار دولار)، مع التركيز على التصنيع النوعي والصناعات الثانوية.

وفي هذا الشأن أكد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريف أن المملكة صدّرت منتجات غذائية بقيمة 15 مليار ريال (4 مليارات دولار) خلال عام 2025، مشيراً إلى أن موسم الحج يمثل فرصة استراتيجية لتعريف ملايين الزوار بالمنتجات السعودية وتعزيز حضورها عالمياً.

وأوضح الخريف، في تصريحات لصحيفة "الاقتصادية"، خلال جولة تفقدية لعدد من مصانع جدة لمتابعة جاهزيتها لموسم الحج:

تعمل منظومة الصناعة السعودية على تأمين احتياجات قطاع الغذاء، وتذليل التحديات أمام الشركات لضمان توافر الغذاء بجودة وأسعار مناسبة تلبي احتياجات الحجاج.

يُعد قطاع الصناعات الغذائية من القطاعات الحيوية في خدمة ضيوف الرحمن، لما يتمتع به من كفاءة ونضج تشغيلي.

أطلقت المملكة في 2024 أكبر تجمع غذائي في العالم على مساحة 11 مليون م²، يضم 375 مصنعاً غذائياً.

تستهدف الخطط رفع العدد إلى 800 مصنع بحلول 2035، باستثمارات تُقدّر بنحو 20 مليار ريال (5.3 مليارات دولار).

تتجاوز أهمية القطاع حجم الاستثمارات، ليشكل ركيزة لدعم السوق المحلي وتعزيز الصادرات.

حققت السعودية اكتفاءً ذاتياً كاملاً في الألبان والبيض، ونحو 70% في الدواجن.

تضاعف الإنتاج وسلاسل الإمداد

لا يقتصر تأثير موسم الحج على زيادة الطلب، بل يمتد ليعيد تشكيل منظومة الإنتاج والتوزيع بالكامل، حيث تعمل سلاسل الإمداد تحت ضغط استثنائي لضمان وصول الغذاء والمنتجات في الوقت المناسب إلى المشاعر المقدسة.

هذا الضغط الموسمي يدفع الشركات إلى رفع كفاءة التخطيط اللوجستي، وتحسين قدرات التخزين والتوزيع، بما يضمن استمرارية الإمداد دون انقطاع، وهو ما يجعل الحج اختباراً سنوياً حقيقياً لمرونة الاقتصاد الغذائي.

ولا ينتهي هذا النمو بانتهاء الموسم، بل يترك أثراً طويل المدى على الشركات، التي تستفيد من التجربة في تطوير خطوط إنتاجها وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.

منصة اقتصادية عالمية

يتجاوز تأثير الحج حدود الاستهلاك اللحظي ليصبح منصة استراتيجية لتعزيز الحضور السعودي في قطاع الصناعات الغذائية، إذ تتحول المنتجات إلى أدوات تعريف غير مباشر بالاقتصاد الوطني.

وفي ظل التطور المستمر في البنية الصناعية، بما في ذلك إطلاق تجمعات غذائية كبرى تمتد على مساحات شاسعة وتضم مئات المصانع، يتعزز الدور الاقتصادي للموسم عاماً بعد عام، ليصبح جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف تنويع الاقتصاد وتعزيز الصادرات.

وهكذا، لا يعود الحج مجرد موسم عبور روحي لملايين البشر، بل يتحول أيضاً إلى موسم عبور اقتصادي يعيد تشكيل صورة السعودية كقوة صناعية وغذائية صاعدة على مستوى المنطقة والعالم.

أهمية توطين الصناعات

وتقول الكاتبة والباحثة الاقتصادية محاسن مرسل، إن السعودية تبنت خلال السنوات الماضية خطوات استباقية عززت من خلالها أمنها الغذائي، سواء لمواطنيها أو لزوار بيت الله الحرام.

وتلفت مرسل التي تحدثت لـ"الخليج أونلاين" إلى أن هذه الخطوات الاستباقية تأتي ضمن رؤية المملكة القائمة على الاستعداد المبكر لمختلف التحديات المحتملة.

وحول الأسباب التي دفعت المملكة لتبني هذه الاستراتيجيات تشير مرسل إلى مخاطر اضطراب الأسواق العالمية واحتمالات انقطاع سلاسل الإمداد، مبينة أن هذه الهواجس دفعت المملكة إلى توطين الصناعات الغذائية وتعزيز قدراتها الإنتاجية بشكل ملحوظ.

وترى أن هذا التوجه أسهم في بناء مخزونات استراتيجية من المواد الغذائية، إلى جانب تطوير قطاع صناعي غذائي بات اليوم قادراً على تلبية جزء كبير من الطلب المحلي، مع تسجيل حضور متزايد في أسواق التصدير.

وتضيف أن هذه السياسات لم تقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل امتدت لتشمل خدمة الحجاج والزوار، عبر ضمان توفر الإمدادات الغذائية واستقرارها خلال مواسم الحج والعمرة.

وفي إشارة إلى نتائج الاستراتيجية الاستباقية التي اتخذتها الرياض، تلفت مرسل إلى أن ما تشهده المملكة اليوم هو نموذج متقدم في إدارة ملف الأمن الغذائي، يجمع بين الاكتفاء الذاتي والتخطيط الاستراتيجي.

وتنتهي مرسل إلى أن ما نشهده اليوم أن الخطط السعودية أدت إلى تعزز قدرة المملكة على مواجهة أي اضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد، وتأمين احتياجات مجتمع متنوع يشمل المواطنين والمقيمين والزوار على حد سواء.