في 2026/05/11
طه العاني - الخليج أونلاين
تتجهُ الإمارات إلى ترسيخ موقعها الصناعي عبر توسيع أدوات التمويل وربطها بالتكنولوجيا المتقدمة وسلاسل الإمداد، في مسار يعكس تحوّل الصناعة من قطاع داعم للنمو إلى ركيزة ضمن معادلة السيادة الاقتصادية والتنافس العالمي.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه رهانات الدول على بناء قواعد إنتاجية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة اضطرابات التجارة والطاقة والإمداد، ما يدفع أبوظبي إلى تسريع شراكاتها المالية والصناعية ضمن رؤية تستهدف تعزيز الاكتفاء الصناعي ورفع تنافسية الصادرات الوطنية.
تمويل تنافسي
وفي ترجمة عملية لهذا التوجه، أعلنت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، في 5 مايو 2026، توقيع مذكرتي تفاهم مع بنك المشرق وبنك دبي الإسلامي لتوفير حلول تمويلية تنافسية بقيمة 12 مليار درهم (3.27 مليارات دولار).
وبالتوازي مع ذلك، خصص مصرف الإمارات للتنمية 6 مليارات درهم (1.63 مليار دولار) ضمن شراكة استراتيجية مستمرة مع الوزارة، ليرتفع إجمالي التمويلات المخصصة إلى 18 مليار درهم (4.9 مليارات دولار).
وتوزعت التمويلات بواقع 10 مليارات درهم (2.72 مليار دولار) من بنك المشرق على مدى خمس سنوات، وملياري درهم (545 مليون دولار) من بنك دبي الإسلامي، فيما خُصصت 6 مليارات درهم (1.63 مليار دولار) من مصرف الإمارات للتنمية لدعم المشاريع الصناعية ذات الأولوية وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
ووقّع المذكرات عن وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وكيل الوزارة المساعد لقطاع المسرعات الصناعية، المهندس أسامة أمير فضل، وعن بنك دبي الإسلامي رئيس الخدمات المصرفية التجارية، سعود الجاسم، وعن بنك المشرق نائب الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية للشركات والاستثمار، شكيل حيدر، بحضور عدد من كبار المسؤولين وممثلي القطاع المصرفي والصناعي.
ونقلت وكالة أنباء الإمارات "وام" عن وكيل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، حسن جاسم النويس، قوله إن هذه الشراكات الوطنية تجسد التزام الوزارة بتمكين القطاع الصناعي وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الوطنية، بما يسهم في توفير حلول تمويل تنافسية تدعم النمو الصناعي المستدام وتعزز مرونة سلاسل الإمداد.
وأضاف النويس أن هذه الشراكات تمثل نقلة نوعية في دعم الشركات الصناعية عبر تسهيل الوصول إلى التمويل وتحفيز الاستثمار في القطاعات الحيوية وتمكين المصانع من التوسع وتبني التكنولوجيا المتقدمة، بما يدعم مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة.
صناعة متقدمة
وفي موازاة التوسع التمويلي، تتجه الإمارات إلى بناء نموذج صناعي قائم على التكنولوجيا المتقدمة والتمويل المستدام، عبر أدوات مالية تتجاوز القروض التقليدية نحو حلول مرتبطة بالنمو طويل الأجل وتعزيز القدرة التنافسية.
ويعكس هذا التوجه انتقال أدوات التمويل من دعم الإنتاج التقليدي إلى تمكين الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والاستدامة والتصدير.
وتشمل الاتفاقيات القروض الخضراء والسندات الخضراء والقروض والسندات المرتبطة بالاستدامة، إلى جانب برامج تمويل سلاسل التوريد وخدمات التمويل التجاري والاستشارات المالية، بما يدعم نمو الصادرات الصناعية الوطنية ويوسع وصول الشركات إلى الأسواق العالمية.
وبدوره قال المدير التنفيذي لبنك المشرق، أحمد عبد العال، إن الإمارات تمضي بخطى واضحة نحو تحقيق مستهدفاتها الصناعية، وفي مقدمتها رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 300 مليار درهم (81.7 مليار دولار) بحلول عام 2031، بما يعكس تحولاً اقتصادياً نوعياً يعزز تنافسية الدولة ومكانتها مركزاً عالمياً للصناعة المتقدمة.
وأضاف عبد العال، بحسب "وام"، أن بنك المشرق يخصص 10 مليارات درهم (2.72 مليار دولار) من التمويلات التنافسية على مدى خمس سنوات تشمل التمويل طويل الأجل وتمويل سلاسل الإمداد وحلول التجارة عبر شبكته الدولية، بما يمنح المصنعين وصولاً أكبر إلى رأس المال والخبرات والأسواق العالمية.
كما نقلت "وام" عن الرئيس التنفيذي لمصرف الإمارات للتنمية، أحمد النقبي، قوله إن تخصيص 6 مليارات درهم (1.63 مليار دولار) من التمويلات التنافسية يعكس التزام المصرف بدعم نمو القطاع الصناعي من خلال حلول تمويلية ميسّرة وتنافسية تساعد الشركات على تنفيذ خططها التوسعية ورفع قدرتها الإنتاجية وتعزيز تنافسيتها ودخول أسواق جديدة.
استقرار اقتصادي
وتنعكس هذه التمويلات إيجاباً على القدرات الإنتاجية الإماراتية من خلال تبني سياسة إحلال الواردات، كما يؤكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد صدام، وهو ما سيفضي إلى تشكيل سلسلة صناعات محلية قادرة على تلبية الاحتياجات تدريجياً.
ويوضح لـ"الخليج أونلاين" أن التوجه نحو الإنتاج الذاتي سيسهم بشكل مباشر في خفض فاتورة السلع المستوردة والحد من الاعتماد على الأسواق الخارجية، مما يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني أمام التقلبات العالمية المختلفة.
ويرى صدام أن التوسع في أدوات التمويل الأخضر يمثل ترجمة عملية لسياسة الحياد الصفري، عبر إلزام القطاعات الإنتاجية بمعايير بيئية متشددة تحافظ على النظم الطبيعية وتحد من الانبعاثات الكربونية.
ويضيف أن الالتزام بالتكنولوجيا الحديثة في الإنتاج يضع الشركات أمام مسؤولية التكيف مع المتطلبات الدولية، بما يضمن تقليل مستويات التلوث إلى أقصى حد ممكن وينسجم مع تعهدات الإمارات المناخية.
ويشير صدام إلى أن ربط التمويل بالاستدامة وسلاسل الإمداد يتجاوز فكرة توفير السيولة إلى كونه عنصراً جوهرياً في إعادة هيكلة الاقتصاد، خاصة بعد الدروس المستفادة من الأزمات الدولية الجيوسياسية والصحية الأخيرة.
ويلفت إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تأمين الأموال، بل في ضمان ديمومة تدفق الإمدادات وحمايتها من الانقطاع، وهو ما يجعل الربط بين التمويل واللوجستيات ضرورة حتمية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ويردف الخبير الاقتصادي بأن منصة "اصنع في الإمارات" تلعب دوراً محورياً في جسر الفجوة بين رأس المال والتكنولوجيا، عبر خلق منظومة صناعية متكاملة تربط المستثمرين بمزودي الخدمات والشبكات اللوجستية في آن واحد.
ويعتقد صدام أن هذه المنصة تمثل مشروعاً وطنياً لتوطين الصناعة وبناء قاعدة إنتاجية متينة، تمنح المنتج الإماراتي تنافسية عالية في أسواق التصدير بفضل ترابط سلاسل التوريد وتوفر اللوجستيات محلياً.
شراكات السيادة
وفي خلفية هذه التمويلات، تدفع أبوظبي نحو إعادة صياغة مفهوم السيادة الصناعية عبر منظومة تجمع التمويل والإنتاج والتكنولوجيا ضمن شراكات تستهدف تقليل الانكشاف على اضطرابات الأسواق وسلاسل التوريد العالمية.
وتبرز منصة "اصنع في الإمارات 2026" كأداة لربط الاستراتيجيات الصناعية بفرص التمويل والتنفيذ، إذ تجمع المصنعين والمستثمرين والمؤسسات المالية ومزودي التكنولوجيا وصناع القرار ضمن منظومة تستهدف تسريع نمو القطاع الصناعي وتعزيز تنافسيته.
وأكد رئيس الخدمات المصرفية التجارية في بنك دبي الإسلامي، سعود الجاسم، أن الاتفاقية تعكس أهمية الشراكة بين القطاعين الحكومي والمصرفي في تمكين القطاع الصناعي الوطني وتوسيع وصول الشركات إلى حلول تمويلية أكثر مرونة وتنافسية.
وأضاف الجاسم، بحسب "وام"، أن التعاون ضمن منصة "اصنع في الإمارات 2026" يؤكد التزام البنك بدعم المؤسسات الصناعية المؤهلة بحلول مصرفية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، تسهم في تعزيز قدرتها على النمو ورفع كفاءتها التشغيلية وتبني التقنيات المتقدمة.
وبذلك، تبدو الإمارات وكأنها تدفع نحو نموذج صناعي جديد يقوم على توظيف التمويل والتكنولوجيا والشراكات المصرفية في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية وأقل عرضة لاضطرابات التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.