في 2026/05/08
طه العاني - الخليج أونلاين
تستعيدُ الشركات السعودية غير النفطية زخمها سريعاً بعد صدمة الحرب الإقليمية، في إشارة لافتة إلى قدرة الاقتصاد على امتصاص الاضطرابات وتحويلها إلى اختبار فعلي لمتانة القطاع الخاص.
ويأتي هذا التعافي في لحظة تتقاطع فيها ضغوط الحرب مع تحديات سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف، ما يضع بيئة الأعمال أمام معادلة دقيقة بين النمو والاستقرار.
زخم داخلي
ويعكس أداء القطاع الخاص السعودي تحسناً مدفوعاً بعوامل داخلية صلبة، مقابل ضغوط خارجية متزايدة، لتبرز ملامح نموذج اقتصادي أكثر مرونة.
كما يستند هذا الأداء إلى الطلب المحلي والمشروعات الحكومية، في وقت تواصل فيه المملكة دفع القطاع الخاص ليكون ركيزة رئيسية في مسار التنويع الاقتصادي.
ويُظهر مسح لوكالة "رويترز"، في 5 مايو 2026، عودة نشاط القطاع الخاص غير النفطي إلى التوسع خلال أبريل 2026، بعد انكماش استثنائي في مارس بفعل تداعيات الحرب، حيث ارتفع مؤشر مديري المشتريات الصادر عن بنك الرياض إلى 51.5 نقطة مقابل 48.8 نقطة، متجاوزاً مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش.
وجاء التحسن مدفوعاً بزيادة الإنتاج واستجابة الشركات لتحسن الطلبيات الجديدة، مع صعود مؤشر الطلبات إلى 51.5 نقطة مقارنة بـ 45.2 نقطة في مارس، في حين قاد الطلب المحلي هذا التعافي رغم استمرار الحذر في قرارات الإنفاق والاستثمار.
وفي المقابل تراجعت طلبات التصدير بأسرع وتيرة منذ بدء تسجيل البيانات، في أغسطس 2009، ما يعكس ضعف الطلب الخارجي مقارنة بزخم السوق الداخلية.
وقال كبير الاقتصاديين في بنك الرياض نايف الغيث: إن "الشركات أبلغت عن مستويات إنتاج أعلى مدعومة بزيادة الطلب المحلي واستمرار التقدم في المشروعات القائمة".
وأضاف لـ"رويترز" أن الزخم الاقتصادي الداخلي "لا يزال يمثل قوة استقرار رئيسية للاقتصاد"، في إشارة إلى دور الإنفاق الحكومي والبنية التحتية ومشاركة القطاع الخاص في دعم النشاط.
ضغوط التكلفة
وتشهد كلفة الإنتاج موجة صعود بوتيرة غير مسبوقة، ما يضع الشركات أمام اختبار تمرير التكاليف دون الإضرار بالطلب، لتكشف هذه الضغوط عن هشاشة سلاسل الإمداد في مواجهة التوترات الجيوسياسية.
كما سجلت تكاليف المدخلات أكبر زيادة في تاريخ المسح، مع ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف الشحن، ما دفع الشركات إلى تمرير هذه الزيادات إلى المستهلكين عبر رفع أسعار المنتجات.
وتزامن ذلك مع استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد، في ظل تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى تأخر الواردات وامتداد فترات التسليم، ودفع الشركات إلى تقليص مشترياتها للشهر الثاني توالياً، مع توجه بعض الشركات للاعتماد على الموردين المحليين لتخفيف أثر التعطل الخارجي.
كما أظهرت بيانات نشرتها "رويترز" انخفاض معدلات التوظيف لأول مرة منذ عامين، مقابل استمرار تراكم الأعمال للشهر العاشر توالياً، وهو ما يعكس ضغطاً تشغيلياً متزايداً على الشركات رغم تحسن الطلب.
وفي هذا السياق وصف الغيث مسار القطاع بأنه "بناء ومرن"، مؤكداً أن أساسيات الأعمال لا تزال قوية رغم الرياح المعاكسة.
امتصاص الصدمات
ويؤكد الكاتب والمحلل الاقتصادي سعيد خليل العبسي أن القطاع الخاص السعودي أثبت قدرة فائقة على امتصاص الصدمات العالمية، مستفيداً من متانة الاقتصاد وإصلاحات الرؤية التي عززت نمو الأنشطة غير النفطية رغم التحديات الجيوسياسية المرافقة لتقلبات الأسواق.
ويوضح العبسي لـ"الخليج أونلاين"
- مرونة بيئة الأعمال وتنوع الأنشطة ساهما في ترسيخ ثقة المستثمرين.
- زخم الطلب المحلي واستمرار المشاريع الكبرى يقللان من حدة تأثيرات اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن على القطاعات المختلفة.
- الاعتماد المتزايد على الموردين المحليين يعكس تحولاً استراتيجياً نحو تعزيز الأمن الاقتصادي، ويهدف بشكل أساسي إلى رفع نسب المحتوى المحلي وتقليل الارتهان للواردات، مما يدعم مسار الاكتفاء الذاتي الوطني.
- استراتيجية اتحاد الغرف التجارية الجديدة تعزز جاهزية الشركات لمواجهة الأزمات، من خلال تطوير إدارة المخاطر وتعميق الشراكة مع القطاع العام، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي وحماية المكتسبات الوطنية من التقلبات.
- القطاع الخاص بات المحرك القائد للاقتصاد، حيث تنامت مساهمته في الناتج المحلي بفضل التوسع في مجالات اللوجستيات والسياحة والتعدين، وهو ما يجسد نجاح المملكة الملموس في تنويع مصادر الدخل القومي.
- استمرار دعم القطاع الخاص بالتمويل والتشريعات المحفزة يمثل ضرورة استراتيجية لرفع تنافسية الاقتصاد السعودي، وضمان تحقيق التنمية المستدامة، بما يتوافق تماماً مع المستهدفات الطموحة التي رسمتها رؤية المملكة للمستقبل.
تمكين مؤسسي
ويتزامن هذا التعافي مع تحركات مؤسسية لتعزيز دور القطاع الخاص، بما يدعم استدامة النمو في مواجهة الصدمات، وتبرز الاستراتيجيات الجديدة كأداة لرفع الكفاءة وتعزيز التنافسية على المدى المتوسط.
وأطلق اتحاد الغرف التجارية السعودية، في 30 أبريل 2026، استراتيجيته للفترة (2026–2030)، التي تستهدف رفع تنافسية القطاع الخاص وترسيخ دوره كشريك رئيسي في تحقيق مستهدفات رؤية 2030.
وتقوم الاستراتيجية على ثلاث ركائز تشمل تمثيل مصالح القطاع الخاص، وتمكين الغرف التجارية، وتعزيز الحوكمة والاستدامة، مدعومة بـ 10 أهداف استراتيجية و22 مبادرة تنفيذية، تركز على رفع الكفاءة التشغيلية، وتوسيع الشراكات، ودعم الصادرات وجذب الاستثمارات.
وقال رئيس مجلس إدارة الاتحاد عبد الله بن صالح كامل، لصحيفة "الاقتصادية" السعودية، في 30 أبريل 2026، إن الاستراتيجية تمثل "نقلة نوعية" في تمكين قطاع الأعمال ومواكبة التحولات الاقتصادية.
كما أشار كامل إلى أنّ "الاستراتيجية تستند إلى منهجية علمية تشمل تحليل الوضع الراهن والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، بما يعزز استدامة القطاع ويزيد من مساهمته في الاقتصاد".
وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع دخول "رؤية السعودية 2030" مرحلتها التنفيذية الثالثة، التي تركز على تعظيم دور القطاع الخاص، بما يعزز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية وتحويلها إلى فرص للنمو.