في 2026/10/31
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
مع الأزمة الممتدة الناتجة عن الحرب ونذر تجددها، طفا على السطح أكثر من ملف يثير القلق وله صلة مباشرة بالأمن القومي الخليجي. من هذه الملفات الحساسة والخطيرة، يأتي ملف الاكتفاء الذاتي. تُظهر التقارير الصادرة عن منظمات دولية ومراكز أبحاث استراتيجية، مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) أن دول مجلس التعاون الخليجي تعاني فجوة هيكلية حادة في الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمياه، حيث تستورد ما بين 70% إلى 85% من احتياجاتها الغذائية الكلية.
على الرغم من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، إلا أن امتداد الأزمة يجعلها غير كافية، ولا يمكن الركون إليها ولا التعويل عليها، وخاصة وأنها إجراءات هشة، ويمكن أن تكون هي الأخرى محلاً للاستهداف.
نحاول، هنا، باختصار مناقشة هذا الملف في عدة عناوين:
1- أسباب القصور في الاكتفاء الذاتي للخليج
هناك عدة أسباب لهذا القصور، يأتي على رأسها الاعتماد المفرط على الاستيراد، حيث تستورد دول الخليج النسبة الأكبر من السعرات الحرارية الحيوية (الحبوب، الزيوت، اللحوم)، ما يجعل أسواقها المحلية رهينة لاستقرار التجارة العالمية والممرات وسلامة سلاسل التوريد.
هناك أسباب طبيعية؛ مثل الفقر المائي الحاد والاعتماد على تحلية مياه البحر لتوفير ما يصل إلى 90% من مياه الشرب النقية، وهو ما يمنع التوسع في الزراعة التقليدية الكثيفة لإنقاذ مخزون المياه الجوفية المتهالك.
يصبح الأمر خطرًا على الأمن القومي مع أزمة سلاسل الإمداد ومضيق هرمز، حيث تتركز أغلب الواردات الخليجية عبر ممرات بحرية ضيقة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 70% من الواردات الغذائية لدول المجلس.
2- المخاطر المباشرة والعاجلة:
مع النزاعات المسلحة الأخيرة في المنطقة، تتلخص المخاطر في شلل الإمدادات اللوجستية وإغلاق المضائق البحرية. إذ تشير التقارير إلى أن حركة ناقلات الشحن عبر مضيق هرمز قد تنخفض بنسبة تتجاوز 80% إلى 90% نتيجة للأعمال القتالية أو ارتفاع رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، ما يضع ضغطاً هائلاً على المخزونات الاستراتيجية التي لا تكفي إلا لأشهر معدودة.
كما يتنامى خطر استهداف البنية التحتية لتحلية المياه، وهو ما يشكل خطراً فورياً ومباشراً؛ حيث لا يمكن لخطوط الطوارئ والآبار المتبقية تلبية استهلاك السكان والمستشفيات والقطاعات الحيوية لأوقات طويلة.
يضاف إلى ذلك التضخم الشديد واشتعال الأسعار، إذ تضطر دول الخليج إلى استخدام مسارات بديلة مكلفة للغاية، مثل الشحن الجوي أو الممرات البرية عبر الموانئ المطلة على بحر العرب أو البحر الأحمر. هذه البدائل ترفع تكلفة الشحن بنسب تتراوح بين 20% إلى 30%، ما يؤدي إلى تفاقم التضخم الغذائي محلياً والضغط على الميزانيات الحكومية للحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية.
على الرغم من أن دول الخليج اتخذت تدابير عاجلة للحد من هذه المخاطر، إلا أن التقارير تؤكد أنها حلول مؤقتة، فيمكن استهداف البدائل وهو ما يفرض خطة طوارئ عاجلة سياسية واقتصادية لتفادي الوقوع في هذا الخطر الوجودي.