في 2026/09/22
متابعات
بعد الكشف عن إصابة طائرة إيطالية من طراز «يوروفايتر تايفون» (F-2000) خلال هجوم يمني استهدف «قاعدة الملك فهد» الجوية في الطائف، انفتح، للمرّة الأولى، على نحو واسع، ملفّ الوجود العسكري الإيطالي في السعودية، والذي ظلّ لفترة طويلة بعيداً من الأضواء. ويأتي ذلك في وقت تتحرّك فيه الحكومة الإيطالية على مسارَين متوازيَين، عسكري ودبلوماسي، بهدف درء المخاطر التي تحملها التطورات في البحر الأحمر وباب المندب على مصالحها؛ علماً أن التجارة الإيطالية تعتمد بنسبة 40% على خطوط الملاحة عبر «الأحمر» و«باب المندب»، ولا سيما الصناعات التحويلية.
وبحسب وسائل إعلام إيطالية، فإن حكومة جورجيا ميلوني تعمل، في ضوء حالة التوتر والاستنفار في الشرق الأوسط، على إعادة موضعة عدد من طائراتها، ولا سيما منها الأكبر حجماً والأكثر تطوّراً والأعلى كلفة - التي تصل قيمة كلّ منها إلى نحو نصف مليار يورو -، في خطوة تهدف إلى تقليص المخاطر التي قد تتعرّض لها. ووفق المعلومات، تمّ نقل طائرتَي الشحن الرباعيتَي المحرّكات من طراز «سي 130 جي»، فيما يتعيّن على الحكومة الآن حماية طائرة الرادار «غلف ستريم كايو»، المُصمَّمة لمسح كلّ ما يحدث ضمن دائرة يبلغ نصف قطرها 500 كيلومتر. وأكّدت مصادر أمنية إيطالية أن عملية النقل تمّت في الأيام الماضية، وأن الطائرات لم تعُد متواجدة حالياً في القاعدة السعودية التي تعرّضت للهجوم الأخير، فيما لا يزال في الموقع المئات من العسكريين الإيطاليين، الذين يجري التباحث في ما بين الحكومة وأجهزة الاستخبارات في ما إذا كان ينبغي سحب جزء منهم.
وفي موازاة تلك الإجراءات الاحترازية، تعمل حكومة جورجيا ميلوني، بحسب ما كشفته صحيفة «لا ريبوبليكا»، على تجنّب صراع مفتوح مع حكومة صنعاء، مستفيدةً في ذلك من وجود قنوات مُجرَّبة تقودها «وكالة الاستخبارات والأمن الخارجي» الإيطالية (AISE). ووفقاً لمصادر الصحيفة، فإن اجتماعاً أمنياً عُقد بمشاركة وزير الدفاع ورئيس الأركان، تناول سبل «خفض التوتر مع الحوثيين»، في وقت «خضعت فيه للتحليل» رسالة موجَّهة من «أنصار الله» إلى روما، قُرئت على أنها «ذات طابع تهدوي». وكانت نقلت وكالة «ANSA»، عن محمد منصور، المسؤول في وزارة الإعلام التابعة لحكومة صنعاء، قوله إن ما تقوم به الأخيرة هو «مقاومة مسلّحة مشروعة»، وإن «أنصار الله ليست في حالة حرب مع إيطاليا، ولا تريد إقحامها في الصراع، لكنها تتساءل عن سبب وجود الطائرات الإيطالية في السعودية»؛ علماً أن تصريح منصور جاء ردّاً على سؤال وجّهته إليه الوكالة عقب إصابة الطائرة العسكرية الإيطالية.
في غضون ذلك، وفي ظلّ دعوات داخلية إلى تعزيز الحضور الإيطالي في المنطقة بشكل أُحادي، يبدو أن روما تتّجه نحو اتّخاذ خطوات إضافية على طريق ما تسمّيه «تأمين حركة الملاحة» في البحر الأحمر وباب المندب، سواء ضمن إطار بعثة «أسبيدس» الأوروبية المنتشرة هناك أو من خارجه. وكان حذّر وزير الدفاع الإيطالي، غويدو كروزيتو، من أن البيروقراطية الأوروبية، وبطء اتخاذ القرار، قد يؤديان إلى تفاقم الوضع. ووجّه كروزيتو رسالة إلى المُمثّلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية، كايا كالاس، طلب فيه البحث عن أفضل مسار لتأمين المرور عبر المضيق، مبدياً استعداد بلاده لنشر سفينتَين - في أعالي البحار -، تُضافان إلى وجود فرقاطة إيطالية في صفوف قوات «أسبيدس».
وتأمل روما أن ينضمّ شركاء آخرون، من مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا، إلى المهمّة المُحدّثة، أو أن تلتزم «المفوّضية الأوروبية» بتوزيع أيّ تكاليف إضافية على الدول السبع والعشرين. وسبق أن كشفت كالاس مضمون رسالة كانت وجّهتها إلى حكومة ميلوني، قائلةً: «هناك حاجة إلى مزيد من الوسائط البحرية والجوية المُجهّزة على نحو مناسب لمواجهة ارتفاع مستوى التهديدات، بما في ذلك تعزيز القدرات على توفير الحماية القريبة». وأضافت أنه في ظلّ «تزايد انعدام الأمن، يتعيّن علينا زيادة وجودنا بصورة كبيرة، وذلك لضمان أن تتمكّن عملية أسبيدس من تنفيذ مهامها بالكامل».