في 2026/04/18
طه العاني - الخليج أونلاين
تدفع الهجمات الإيرانية الأخيرة على منشآت حيوية في الخليج نحو إعادة صياغة غير مسبوقة لمفهوم الأمن الإقليمي، وسط تحركات خليجية متسارعة للبحث عن شركاء دفاعيين أكثر مرونة واستجابة.
وتتقاطع هذه التحولات مع رغبة تركية واضحة لبناء إطار أمني إقليمي قائم على الثقة والتكامل الدفاعي، في وقت تتسارع فيه الاتفاقيات العسكرية والتفاهمات الاستراتيجية بين أنقرة ودول الخليج، ما يطرح تساؤلات جدية حول ملامح حلف جديد قيد التشكل.
صدمة أمنية
وفي تحول مفصلي، تكشف المعطيات الميدانية منذ 28 فبراير 2026، أن الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت نفطية ومحطات حيوية في الخليج لم تكن مجرد تصعيد عابر، بل شكلت اختباراً قاسياً لمنظومات الدفاع التقليدية، بعدما أدت إلى انقطاع الكهرباء وتوقف محطات تحلية المياه في مناطق واسعة.
هذه الضربات، التي جاءت بعد أشهر من تصاعد التوتر منذ سبتمبر 2025، قوّضت عملياً فكرة "الأمن المطلق"، وأعادت تقييم المخاطر لدى شركات التأمين والمستثمرين، مع تقديرات بخسائر محتملة تصل إلى نحو 50 مليار دولار شهرياً في حال تعطّل الملاحة مجدداً في مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في تصريحات نقلتها "الأناضول" بتاريخ 13 أبريل 2026، إن دول الخليج "شهدت أول صدمة أمنية مع الهجمات الصاروخية خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية"، مضيفاً أن هذه التجربة أظهرت الحاجة إلى "الاستعداد لمواجهة أي هجوم"، بعد إدراك فجوة الحماية القائمة.
وتتقاطع تصريحات فيدان مع تحليلات ترى أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد خياراً مضموناً، خاصة مع القيود المرتبطة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل؛ ما دفع دول الخليج إلى البحث عن بدائل دفاعية أكثر تنوعاً واستقلالية.
تنويع دفاعي
وفي استجابة مباشرة لهذه الصدمة، تتجه دول الخليج، وفق تقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية و"بريكنغ ديفنس"، نحو إعادة هندسة منظومتها الدفاعية عبر تنويع الشركاء وتوطين التكنولوجيا العسكرية، مع تصاعد الاستثمارات في شركات الدفاع الأوروبية منذ عام 2022.
وإلى جانب التعاون مع أنقرة، عمدت دول الخليج إلى توسيع التعاون مع الصين في مجالات الطائرات المسيّرة وأمن الممرات البحرية، وتعزيز الشراكات مع باكستان، حيث أُعلن في سبتمبر 2025 عن اتفاق دفاعي استراتيجي مع السعودية ينص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعد اعتداءً على الآخر، في صيغة تقارب نماذج التحالفات الكبرى.
كما برزت مقاربة جديدة قائمة على "خفض كلفة الدفاع" في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية منخفضة التكلفة، عبر الاستثمار في أنظمة اعتراض أرخص مثل (C-UAS) وصواريخ (APKWS)، والاستفادة من الخبرات الأوكرانية في هذا المجال.
شراكة تركية
وفي قلب هذه التحولات، تبرز تركيا باعتبارها شريكاً دفاعياً متقدماً، مدعومة بتنامي التعاون العسكري مع دول الخليج، خاصة في مجال الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة.
ووفق تصريحات فيدان لوكالة الأناضول التركية في 13 أبريل 2026، فإن التعاون الدفاعي مع دول الخليج "شهد زيادة كبيرة، خاصة في الصناعات الدفاعية"، مع دور بارز للشركات التركية، ما يعكس تحوّلاً عملياً في خيارات التسليح الإقليمي.
وفي السياق ذاته، تعكس تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 7 أبريل 2026، توجهاً عملياً لتعزيز هذا الدور، إذ أكد أن استثمارات بلاده في المنظومات الدفاعية تقترب من نحو مليار دولار، مع خطط للتوسع، خاصة في قطاع الصواريخ.
وأوضح أردوغان، وفق ما نقلته "الأناضول"، أن تركيا "باتت دولة تحمي سماءها وتطور منصاتها وذخائرها بمواردها الوطنية"، في إشارة إلى تسارع مسار الاكتفاء الذاتي العسكري، بالتوازي مع تعزيز منظومات الدفاع الجوي التي وصفها بـ"القوة الضاربة للقبة الفولاذية".
كما أشار إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إنتاجاً أسرع وبكميات أكبر، من المعدات الدفاعية عالية التقنية، إلى جانب تسليم الجيش أنظمة وطنية جديدة، مؤكداً أن بلاده "لا تعتمد على قوة الآخرين؛ بل على قدراتها الذاتية".
وفي بعد إقليمي، لفت أردوغان إلى أن أنقرة تواصل أداء دور داعم للاستقرار في الخليج منذ بداية التصعيد المرتبط بإيران، ما يعزز موقعها باعتبارها شريكاً أمنياً محتملاً في معادلة ما بعد الحرب.
هذا التوجه تعززه سلسلة اتفاقيات ثنائية، حيث أكدت السعودية وتركيا، في بيان مشترك في 4 فبراير 2026، عزمهما على "تعزيز وتطوير العلاقات الدفاعية" وتكثيف التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، إلى جانب تفعيل الاتفاقيات القائمة.
كما وقّعت تركيا وقطر في 22 أكتوبر 2025، مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية تشمل البحث والتطوير والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا، فيما شهدت العلاقات مع سلطنة عُمان في 23 أكتوبر 2025، توقيع اتفاقيات متعددة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا.
وفي هذا الإطار، يطرح فيدان رؤية أوسع تقوم على إنشاء "ميثاق أمني إقليمي" يعالج جذور انعدام الثقة، ما يفتح الباب أمام تحوّل هذا التعاون المتسارع من شراكات ثنائية إلى نواة تحالف أمني إقليمي قيد التشكل.
حليف موثوق
وأفرزت التهديدات الإيرانية المتصاعدة ضرورة قصوى لتوحيد الرؤية الخليجية استراتيجياً، لإيجاد تحالفات جديدة وموثوقة تقوم على المصالح الإقليمية المشتركة، كما يؤكد المحلل الاستراتيجي وخبير الشؤون الإقليمية والدولية محمد عيد الشتلي.
ويضيف الشتلي لـ"الخليج أونلاين"، أن تركيا تمثل حليفاً مثالياً لبناء تحالف دفاعي استراتيجي؛ نظراً إلى ما تمتلكه من إمكانيات عسكرية متميزة، إلى جانب باكستان، كشركاء قادرين على تلبية متطلبات الأمن في المنطقة.
ويُوضح أن تركيا نجحت في تنمية صناعاتها العسكرية بعيداً عن القيود الغربية، واستطاعت بناء ترسانة عالية الجودة تشمل المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة والصواريخ الحرارية.
ويشير إلى أن سعي أنقرة لتطوير أنظمة رادار مستقلة تعزز قدرتها على مواجهة المخاطر المحتملة، وتمنح منظومتها الدفاعية استقلالية تقنية كاملة تزيد من كفاءتها في الميدان.
ويلفت المحلل الاستراتيجي إلى أن توجه دول الخليج لتنويع مصادر سلاحها يبعث برسالة سياسية واضحة، مفادها التمسك بالاستقلالية التامة في حماية مصالحها بعيداً عن التجاذبات الدولية أو الصفقات الإقليمية.
ويعتقد أن هذه الخطوة تمثل حجر الزاوية في بناء تحالف إقليمي حقيقي يمتلك القدرة على صد أي نزاع عسكري محتمل، وضمان أمن واستقرار دول مجلس التعاون بشكل مستدام.
ويؤكد الشتلي أن فرص نجاح الشراكة الدفاعية مع تركيا كبيرة جداً، خاصة في ظل تقارب المصالح والرغبة المشتركة في إرساء دعائم السلام في الشرق الأوسط والابتعاد عن النزاعات غير المحكومة.
ويردف أن التوافق بين دول الخليج وتركيا على ضرورة حماية الأجواء والمصالح الحيوية سيؤدي بالضرورة إلى بناء منظومة ردع إقليمية قادرة على حماية سماء المنطقة من أي تهديدات خارجية.