سياسة وأمن » حروب

لماذا كانت الإمارات الأكثر استهدافاً في الهجمات الإيرانية؟

في 2026/03/13

يوسف حمود - الخليج أونلاين

كانت الإمارات، ولا تزال، الوجهة الأبرز في الهجمات الإيرانية على الخليج خلال الحرب الجارية، بعدما استحوذت على نحو 36% من الصواريخ الباليستية و66% من المسيرات التي استهدفت دول المنطقة، حيث لم يكن التركيز على الإمارات عسكرياً فقط، بل اتصل بثقلها الاقتصادي واللوجستي والطاقي والدولي.

وجاء هذا الاستهداف في لحظة حرب مفتوحة بدأت في 28 فبراير 2026، واتسعت سريعاً إلى فضاءات الخليج الجوية والبحرية، وتؤكد تقارير ميدانية أن الضربات طالت دبي وأبوظبي، متسببة بأضرار في مطار دبي الدولي، وحريق قرب "برج العرب"، وتعطل مؤقت في ميناء جبل علي، ما نقل المواجهة من نطاق القواعد إلى قلب البنية الاقتصادية المدنية.

ومن هنا تبدو الإمارات هدفاً مختلفاً عن بقية الساحات الخليجية، فهي ليست فقط دولة منتجة للنفط، بل عقدة تجارة وطيران وتمويل وموانئ ومخازن طاقة، إلى جانب حضور عسكري غربي دائم، لذا فإن استهدافها قد يرمي إلى ضرب أكثر من قطاع في وقت واحد، ويترك أثراً إقليمياً ودولياً أوسع من الأثر المتوقع في دول ترتكز أهميتها على قطاع واحد فقط.

مركز اقتصادي عالمي

ويبدو أن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع كثافة الاستهداف هو الثقل الاقتصادي للإمارات داخل التجارة العالمية، فقد تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية التريليون دولار (3.8 تريليونات درهم) خلال عام 2025، محققة نمواً تجاوز 26.8%، في رقم قياسي يعكس موقع الإمارات كبوابة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وبدفع من اتفاقات الشراكة الاقتصادية الشاملة.

ولا تتوقف أهمية هذا الرقم عند حجمه فقط، بل في تركيبته أيضاً، فاقتصاد الإمارات بات قائماً بدرجة كبيرة على الأنشطة غير النفطية، التي شكلت 74.6% من الناتج المحلي الحقيقي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024، بقيمة 987 مليار درهم (269 مليار دولار)، بينما بلغ الناتج المحلي الحقيقي الإجمالي 1.322 تريليون درهم (360 مليار دولار)، بنمو 3.8%.

وهذا يعني أن أي هجوم على الإمارات لا يستهدف منشأة منفردة، بل يضغط على منظومة اقتصادية متشعبة تشمل التجارة والخدمات والتمويل والنقل وإعادة التصدير، ويقوم جزء كبير من قوتها على التدفقات اليومية للحركة الاقتصادية.

كما أن التقارير التي وثقت الضربات على دبي وأبوظبي أظهرت أن التأثير لم يكن رمزياً فقط، بل مس مواقع مرتبطة بصورة الإمارات كمساحة أعمال واستقرار، حيث تحدثت تقارير عن أضرار في مرافق مدنية وسياحية وتجارية.

كثافة البنية التحتية  

يمثل مطار دبي الدولي نموذجاً واضحاً على حساسية البنية التحتية الإماراتية، فقد خدم 95.2 مليون مسافر في 2025، بزيادة 3.1% عن 2024 وفق "مطارات دبي"، وهو أعلى رقم سنوي في تاريخه، مع شبكة تشغيل تضم 108 شركات طيران إلى 291 مدينة في 110 دول، وتوقعات ببلوغ 99.5 مليون مسافر في 2026.

ولا تقتصر أهمية المطار الذي تعرض لهجمات متكررة على حركة المسافرين وحدها، بل على موقعه في اقتصاد دبي، فقد أظهرت دراسة اقتصادية أن قطاع الطيران دعم 27% من الناتج المحلي لدبي في 2023، بقيمة 137 مليار درهم (37.3 مليار دولار)، وساهم في أكثر من 630 ألف وظيفة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أضرار في إحدى ردهات مطار دبي الدولي، وإصابات محدودة، واضطرابات في حركة الطيران، قبل أن تبدأ عودة تدريجية للعمليات، كما صدرت تحذيرات متكررة للمسافرين مع تعليق أو تقليص رحلات خلال الأيام الأولى من التصعيد.

وترجع أهمية المطار إلى كونه بات عقدة عبور دولية شبه يومية، ما يربك سلاسل رحلات وشحن وتأمين ومدفوعات مرتبطة بمركز عالمي يعمل بطاقة قريبة من الحد الأقصى طوال العام.

عقدة لوجستية  

الوزن اللوجستي للإمارات يفسر أيضاً حجم التركيز عليها، فميناء جبل علي تعامل مع 15.6 مليون حاوية نمطية خلال عام 2025 مقارنة بـ15.53 مليون حاوية في الفترة المقابلة من عام 2024.

ويتكامل هذا الدور مع "جافزا"، أكبر المناطق الحرة في دبي، التي تضم أكثر من 11 ألف شركة من أكثر من 100 دولة، وتعمل كقاعدة لشبكات إعادة التصدير والتجميع والخدمات الصناعية واللوجستية، ما يجعل المنطقة الحرة والميناء معاً عقدة تشغيل واحدة، لا مجرد مرفقين منفصلين.

كما أن الأهمية العسكرية للموقع تضاعف رمزيته، فوكالة "رويترز" وصفت جبل علي بأنه أكبر ميناء ترتاده البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، رغم أنه ليس قاعدة عسكرية رسمية.  

ووقع حريق وأضرار في رصيف بميناء جبل علي استمر يومين، وأدى إلى تعليق مؤقت للعمليات قبل استئنافها.  

الفجيرة والطاقة

ولا يقتصر الثقل الإماراتي على دبي وأبوظبي، بل يمتد إلى الفجيرة بوصفها عقدة طاقة مستقلة عن مضيق هرمز نسبياً، حيث تؤكد "منطقة الفجيرة للصناعة البترولية" أنها تستضيف أكبر سعة تخزين تجارية للمنتجات النفطية المكررة في الشرق الأوسط، مع طاقة تقارب 70 مليون برميل، ووجود 18 محطة نفطية وشركات تشغيلية داخل المنطقة.

كما تبرز الفجيرة بوصفها إحدى أهم مراكز التزويد البحري بالوقود عالمياً، وتؤكد بيانات "ميناء الفجيرة" أن التخزين النفطي نما إلى نحو 18 مليون متر مكعب، مع تحول الإمارة إلى أحد أكبر مراكز البَنكَرة في العالم.

وفي موازاة ذلك، أشارت تقارير متخصصة إلى أن الطاقة التخزينية مرشحة لتجاوز 100 مليون برميل مع توسعات إضافية.

وذكرت "رويترز" أن شركة "فوباك" علقت مؤقتاً عمليات تحميل السفن في محطتها بالفجيرة بعد حريق ناجم عن شظايا إثر اعتراض مسيّرة، كما علقت "VTTI" عملياتها أيضاً.  

الحضور العسكري الغربي  

وتعد قاعدة الظفرة الجوية جنوب أبوظبي مركزاً للقوات الجوية الأمريكية، وتستخدم في مهمات تتصل بالاستطلاع والعمليات الجوية الإقليمية، كما تشاركها القوات الجوية الإماراتية.  

كما أن الحضور الأمريكي لا يقتصر على قاعدة واحدة، بل يرتبط بشبكة لوجستية وأمنية أوسع تشمل الموانئ والمجال الجوي ومراكز الأعمال والدبلوماسية، وقد تحدثت تقارير خلال الحرب عن أضرار في مجمع "اتحاد تاورز" في أبوظبي الذي يضم بعثات دبلوماسية، بالتوازي مع الضربات التي مست دبي ومرافقها الحيوية.

وتعرض ميناء أبوظبي أيضاً لهجوم أدى إلى اشتعال الحرائق فيها، حيث توجد داخل الميناء قاعدة عسكرية للقوات الفرنسية التي أعلنت عدم تعرض عناصرها لأي إصابات.

قراءة إيرانية

يرى الخبير الأمني مجيب عبد الله أن تركيز الهجمات الإيرانية على الإمارات خلال الحرب الحالية لم يكن قراراً عشوائياً، بل يعكس قراءة إيرانية لطبيعة مراكز الثقل في الخليج.

ويرجع ذلك إلى أن الإمارات "تمثل نقطة التقاء بين الاقتصاد العالمي والبنية العسكرية الغربية، ولذلك فإن استهدافها يمنح طهران قدرة على توجيه رسالة استراتيجية تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر إلى المجال الاقتصادي والدولي".

ويشير، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن:

- نسبة الاستهداف المرتفعة على عكس بقية دول الخليج تشير إلى أن التخطيط الإيراني اعتمد على مفهوم الضغط متعدد القطاعات، أي ضرب مواقع قادرة على إحداث تأثير اقتصادي ونفسي واسع حتى لو كانت الأضرار الميدانية محدودة.

- مجرد تعطيل مطار عالمي أو ميناء تجاري بضع ساعات قد يخلق تأثيراً أكبر من إصابة هدف عسكري تقليدي.

- وجود قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في الإمارات يمنح الضربات بعداً رمزياً مهماً بالنسبة لإيران؛ فالهجمات لا تستهدف الإمارات كدولة فقط، بل توجه رسائل مباشرة إلى واشنطن وشبكة قواعدها العسكرية في المنطقة، وهو ما يجعل أي تصعيد في هذه الساحة يحمل أبعاداً إقليمية ودولية في الوقت نفسه.

- البنية الاقتصادية المفتوحة للإمارات تجعلها هدفاً ذا قيمة عالية في الحروب الحديثة، فالدول التي تعتمد على التجارة العالمية والمطارات الدولية والموانئ الكبرى تكون أكثر حساسية لأي اضطراب أمني، لأن تأثير الهجوم ينتقل بسرعة إلى الأسواق والشركات وسلاسل الإمداد، وليس فقط إلى المنشآت العسكرية.

- استراتيجية الاستهداف الإيراني تبدو قائمة على ضرب العقد الاستراتيجية في الخليج، أي المواقع التي تجمع بين الاقتصاد والطاقة والعسكر في وقت واحد.
- هذه المعادلة تظهر الإمارات كأكثر الساحات حساسية لأن أي اضطراب فيها ينعكس فوراً على الاقتصاد الإقليمي والتجارة الدولية، وهو ما يمنح الضربات فيها وزناً سياسياً أكبر من حجمها العسكري المباشر.