في 2026/03/04
وضاح حيدر - الخليج أونلاين
مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج على وقع العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون، عادت مسألة "المخزون الاستراتيجي" إلى صدارة المشهد بوصفها أحد أعمدة الأمن القومي.
فبينما تتجه الأنظار عادةً إلى التحركات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي والممرات البحرية، تعمل الحكومات الخليجية بهدوء على جبهة موازية لا تقل أهمية، وهي تأمين الغذاء والدواء والطاقة وسلاسل الإمداد، لضمان استمرار الحياة اليومية دون اضطراب.
وخلال السنوات الماضية، عملت الدول الخليجية بشكل منهجي ومتسارع على تعزيز أمنها الغذائي، مدفوعةً بدروس الأزمات المتلاحقة من جائحة "كورونا" إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية والحرب في أوكرانيا، ما جعل منظومة الأمن الغذائي الخليجي أكثر مرونة وقدرة على احتواء الصدمات والأزمات الإقليمية والدولية.
تطمين رسمي
ومع انطلاق الحرب على إيران (السبت 28 فبراير)، سارعت عدة عواصم خليجية إلى طمأنة مواطنيها والمقيمين لديها بشأن وفرة المخزون الغذائي والطبي، مؤكدة أن الاحتياطيات الاستراتيجية تكفي لفترات طويلة، وأن سلاسل التوريد البديلة جاهزة في حال تعطل بعض المسارات التقليدية، خصوصاً مع حساسية الملاحة في مضيق هرمز وبحر عُمان.
ففي الكويت، أعلنت وزارة التجارة والصناعة أن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية "في وضع طبيعي ومطمئن وكافٍ"، مع توفر كميات إضافية تغطي فترات جيدة، مؤكدة أن جميع السلع متوفرة في الأسواق المحلية دون أي نقص.
وأوضحت أن سلاسل الإمداد تعمل بصورة طبيعية، مع استمرار تنفيذ خطط الطوارئ المعتمدة لتعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الاستيراد، بالتنسيق مع القطاع الخاص.
كما حظر وزير التجارة والصناعة أسامة بودي تصدير كافة أنواع السلع الغذائية حرصاً على حماية المستهلك وتعزيز الاستقرار في الأسواق.
وقررت أيضاً تثبيت أسعار البيع لكل أنواع السلع، مشيرة إلى أن أسعار البيع السائدة قبل تاريخ 28 فبراير الماضي هي الحد الأعلى للأسعار، مشددة على أن من سيخالف القرار سيعاقب وفق العقوبات المنصوص عليها في القوانين ذات الصلة.
وفي الإمارات أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة أن المخزون الاستراتيجي يتمتع بكفاءة عالية وتنوع كافٍ لتلبية احتياجات الأسواق لفترات طويلة، مشيرة إلى أن جميع السلع الغذائية وغير الغذائية متوفرة بكميات وافرة.
وأضافت أن حركة الاستيراد تسير بشكل طبيعي دون مؤشرات على اضطرابات، مع متابعة يومية دقيقة للمخزون عبر نظام إلكتروني متطور لمراقبة الأسعار والكميات.
ودعت الوزارة الجمهور إلى تجنب الشراء المفرط، مؤكدة أن الأسواق مستقرة وخطط الاستجابة جاهزة لضمان الاستمرارية في جميع الظروف.
وقال وزير الاقتصاد الإماراتي عبد الله المري في تصريحات صحفية: "المخزون الاستراتيجي يغطي احتياجات الأسواق لفترة تتراوح بين 4-6 أشهر، ما يضمن توافر السلع الأساسية واستقرار الأسعار حتى في الظروف الطارئة".
كما أكد أن الإمارات تمتلك شبكة واسعة من الأسواق الشريكة لتوريد السلع الأساسية مع القدرة على إيجاد بدائل بسرعة خلال الأزمات.
وزارة الصناعة والتجارة البحرينية أكدت بدورها أن المخزون الغذائي كافٍ وآمن، والأسعار مستقرة، مع تنفيذ زيارات ميدانية مكثفة للأسواق والمخازن، والتنسيق مع القطاع الخاص لرفع الطاقة الإنتاجية عند الحاجة.
وذكر ولي العهد البحريني الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة أن المملكة تواصل اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بضمان استدامة سلاسل الإمداد الحفاظ على استقرار الأسواق، مشيراً إلى أن "ضمان انسيابية الاستيراد أولوية وطنية".
أما في قطر فأكد محمد العامري، مدير إدارة التراخيص النوعية ومراقبة الأسواق بوزارة التجارة أن الأمن الغذائي مستقر، وأن المخزون الاستراتيجي يكفي لأكثر من ستة أشهر، ويجري تحديثه باستمرار.
وأشار في تصريحات لـ"تلفزيون قطر" (الاثنين 2 مارس) إلى فتح عشرات المنافذ على مدار الساعة لمواجهة أي ضغط استهلاكي، مؤكداً أن ما شهدته بعض الأسواق كان نتيجة ردة فعل استهلاكية مؤقتة وليس بسبب نقص فعلي في السلع.
وتحدث التلفزيون أيضاً عن أن "القطاع الصحي في دولة قطر يواصل عمله ضمن جاهزية تشغيلية قادرة على الاستجابة".
كما ذكرت وزارة التجارة في بيان أن فرقها الرقابية تواصل "جولاتها التفتيشية المكثفة على منافذ البيع والأسواق، لمتابعة أوضاع التزويد والتأكد من التزام المزودين بتوفير السلع الأساسية إلى جانب رصد أي ممارسات مخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية الفورية حيالها".
وجرى التنسيق مع منافذ البيع لفتح 33 فرعاً من الفروع الكبرى على مدار 24 ساعة في مختلف المناطق، بهدف تعزيز وفرة السلع وتيسير حصول المواطنين على احتياجاتهم، وفق الوزارة.
وأعلنت الهيئة العامة للأمن الغذائي في السعودية إتمام ترسية دفعة جديدة من القمح المستورد بكمية بلغت 794 ألف طن ضمن خطة 2026، في خطوة تعكس استمرار تعزيز منظومة الأمن الغذائي وضمان استدامة سلاسل الإمداد.
تحصين الأمن الغذائي
رغم اعتمادها الكبير تاريخياً على الاستيراد، نجحت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة في إعادة صياغة نموذجها الغذائي، لتتصدر مؤشرات الأمن الغذائي العالمية.
ففي مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2025، تقدمت الإمارات إلى المرتبة 26 عالمياً، تلتها قطر (29)، والبحرين (30)، وعُمان (41)، والسعودية (44)، والكويت (47)، في دلالة واضحة على التحول الهيكلي في إدارة هذا الملف الحيوي.
هذا التقدم لم يكن نتاج زيادة الكميات المخزنة فحسب، بل نتيجة تبني نموذج تخزين "مرن" يوازن بين الوفرة والكفاءة.
ووضعت الهيئة العامة للأمن الغذائي السعودية قائمة محددة تضم 11 سلعة استراتيجية تشمل الغذاء والأعلاف، مع آليات تضمن توفر مخزون يكفي لأشهر عدة، إلى جانب نظام تدوير منتظم يمنع التلف ويجنب إغراق الأسواق أو تشويه الأسعار.
قطر وعُمان سلكتا مساراً مكملاً، إذ عززتا الاحتياطيات الحكومية وربطتاها بخطط لوجستية متكاملة تضمن سرعة النقل والتوزيع في حال تعطل الواردات أو إغلاق مسارات بحرية.
أما الكويت والبحرين فركزتا على رفع كفاءة البنية التخزينية نفسها، من خلال تحديث أنظمة إدارة المخزون، وتحسين سعات التخزين، واستخدام أدوات رقمية للرصد المبكر، بدلاً من التوسع المفرط في الكميات.
وفي تصريح سابق لـ"الخليج أونلاين" أكد الباحث حارث سيف الخروصي، أن "الأمن الغذائي يعتبر ملفاً مهماً جداً لجميع دول العالم، كما أن دول الخليج تولي اهتماماً كبيراً لهذا الملف".
ويشير إلى أن "دول الخليج تعتبر من الدول شحيحة المياه فتكون تكلفة الزراعة فيها عالية جداً؛ ويعود ذلك أيضاً إلى صعوبات الطقس والمناخ الجاف".
ويوضح الخروصي أن "دول الخليج تتجه نحو الاستدامة في مجال الأمن الغذائي، إذ يعد التنسيق فيما بينها في هذا الملف جزءاً من أمنها القومي".
وفي سبيل مواجهة التحديات أصبح التركيز على الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، فخلال عام 2025 وحده تجاوزت الاستثمارات الخليجية في الزراعة الذكية 3.8 مليارات دولار، وفق تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، شملت تقنيات الزراعة المائية، والمزارع الرأسية، وأنظمة الأكوابونيكس، إضافة إلى تطوير البروتينات البديلة.
هذا التوجه عكس قناعة بأن الأمن الغذائي المستدام لا يقوم فقط على الاستيراد الآمن، بل على رفع نسبة الإنتاج المحلي عبر حلول تكنولوجية تتناسب مع البيئة الصحراوية، وأكثر تحصيناً ضد الازمات الإقليمية والدولية.