سياسة وأمن » حروب

كيف نجحت السعودية بإعادة ضبط توازن القوى في اليمن؟

في 2026/01/09

يوسف حمود - الخليج أونلاين

شهد اليمن، منذ مطلع ديسمبر 2025 وحتى يناير 2026، تحولاً حاداً في ميزان القوى، أعاد رسم المشهد السياسي والعسكري في المحافظات الجنوبية والشرقية، ووضع حداً لمحاولات فرض وقائع ميدانية بالقوة خارج إطار الدولة.

وجاء هذا التحول نتيجة تحرك سعودي متدرج، جمع بين الضغط العسكري، وإعادة التموضع السياسي، وتوفير غطاء دولي داعم، بما أفضى إلى إعادة الاعتبار للشرعية اليمنية وتقييد اندفاع المجلس الانتقالي الجنوبي.

لم يكن هذا التحرك وليد لحظة، بل جاء في سياق تصعيد غير مسبوق قاده المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، وُصف سعودياً بأنه خروج صريح عن التفاهمات القائمة، وتهديد مباشر للاستقرار الإقليمي، ومع اتساع رقعة التصعيد، انتقلت الرياض من دور الاحتواء الهادئ إلى إدارة الأزمة بأدوات أكثر حزماً، أعادت ضبط الإيقاع الميداني والسياسي في آن واحد.

بداية الصدام المفتوح

بدأت الأزمة مع تنفيذ قوات المجلس الانتقالي الجنوبي تحركات عسكرية واسعة في مطلع ديسمبر 2025، استهدفت السيطرة على مدن رئيسية في وادي حضرموت ومحافظة المهرة. شملت هذه التحركات انتشاراً مكثفاً للمدرعات، والسيطرة على معسكرات ومرافق سيادية، في مناطق تُعد ضمن نطاق النفوذ الاستراتيجي السعودي.

هذه الخطوات وُصفت رسمياً في الرياض بأنها تحركات أحادية الجانب، جرت دون تنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي أو قيادة التحالف، وأسهمت في تصعيد غير مبرر أضر بمصالح السكان المحليين، وهدد بتفجير صراع داخلي جديد في مناطق كانت تُعد الأكثر استقراراً نسبياً.

مع اتساع رقعة السيطرة الميدانية للانتقالي، ظهرت مؤشرات واضحة على انتقال المشروع الانفصالي من الخطاب السياسي إلى فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية، وهو ما اعتبرته السعودية تجاوزاً للخطوط الحمراء، خاصة مع اقتراب التحركات من منشآت نفطية ومنافذ حدودية حساسة.

الرد السعودي الحاسم

في نهاية ديسمبر 2025، خرج الموقف السعودي إلى العلن بلهجة غير مسبوقة، حيث أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً تحذيرياً شديد اللهجة، أكدت فيه أن التحركات العسكرية في حضرموت والمهرة تمثل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار، وتشكل خروجاً صريحاً عن مرجعيات المرحلة الانتقالية في اليمن.

لم يقتصر الرد على الموقف السياسي، بل تلاه تدخل عسكري مباشر، فقد نفذت مقاتلات التحالف ضربات جوية استهدفت مخازن أسلحة ومواقع عسكرية، من بينها ضربات في محيط المكلا، وُصفت بأنها استباقية ومحدودة، وهدفت إلى تعطيل قدرات تهدد بتوسيع دائرة الصراع.

هذا التحرك العسكري مثل نقطة تحول فارقة، إذ أرسل رسالة واضحة بأن فرض الوقائع بالقوة لن يُسمح به، وأن أمن المحافظات الشرقية خط أحمر، وأعقب ذلك طلب المجلس الرئاسي اليمني خروج القوات الإماراتية من اليمن وإلغاء اتفاقية أمنية، لتتخذ أبوظبي بعدها قراراً بالانسحاب من مسرح العمليات، في خطوة أنهت الغطاء الإقليمي المباشر للتحركات الميدانية للانتقالي.

إعادة تمكين الشرعية

مع انحسار الدور الإماراتي الميداني، انتقلت السعودية إلى المرحلة التالية، المتمثلة في إعادة تمكين مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية.

جرى دعم تحركات عسكرية مضادة خلال الأيام الأولى من يناير 2026، أسفرت عن استعادة حضرموت، ومن ضمنها سيئون والمكلا، وإعادة الانتشار في المهرة وطرد قوات الانتقالي.

ترافقت هذه العمليات مع تعزيز حضور قوات "درع الوطن" والسلطات المحلية، وتسليم المعسكرات والمواقع السيادية وفق ترتيبات منظمة وتحت إشراف التحالف، وبهذا جرى تفكيك البنية العسكرية التي حاول المجلس الانتقالي ترسيخها في الشرق.

كما استكملت تلك الخطوات بالتقدم نحو شبوة قبل أن يحدث تطور لافت تمثل بهروب رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، بحراً إلى الصومال ثم جواً إلى الإمارات، بعدما كانت السعودية قد منحته 48 ساعة للذهاب إلى الرياض.

عقب ذلك تغير المشهد وأعلن أن قوات العمالقة التابعة لأبو زرعة المحرمي، عضو مجلس الرئاسة ونائب رئيس "الانتقالي"، ستتولى تأمين عدن، قبل وصول قوات "درع الوطن" التي قدمت إلى المدينة في 8 يناير.

الغطاء الدولي

التحرك السعودي لم يكن معزولاً دولياً، فبالتوازي مع العمليات الميدانية، حظيت الخطوات السعودية بتأييد واضح من قوى دولية وإقليمية فاعلة، رأت في هذا الحزم ضرورة لمنع تفكك اليمن، وحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

بيانات دولية متعاقبة شددت على دعم وحدة اليمن، ورفض أي محاولات لفرض الانفصال بالقوة، وأكدت أن معالجة القضية الجنوبية يجب أن تتم عبر مسار سياسي شامل، لا عبر تحركات عسكرية أحادية.

هذا الغطاء الدولي منح الرياض هامشاً أوسع للتحرك، وأضعف قدرة الانتقالي على تسويق مشروعه خارجياً، وحول الأزمة من نزاع ميداني إلى ملف سياسي تُدار تفاصيله من بوابة الشرعية المعترف بها.

فرض معادلة واضحة

يقول الباحث في العلاقات الدولية، عماد كمال، إن نجاح السعودية في إعادة ضبط توازن القوى باليمن جاء نتيجة انتقالها من دور إدارة التناقضات إلى فرض معادلة واضحة تقوم على توحيد القرار العسكري والسياسي ومنع أي طرف من فرض أمر واقع بالقوة.

وأوضح أن الرياض استخدمت مزيجاً متدرجاً من الأدوات، بدأ بالتحذير السياسي العلني، ثم التحرك العسكري المحدود، وصولاً إلى إعادة تمكين مؤسسات الدولة، ما أعاد ترسيم خطوط النفوذ وأفقد القوى المتمردة قدرتها على المناورة.

وأضاف، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن استهداف التحركات في حضرموت والمهرة لم يكن إجراءً أمنياً معزولاً، بل خطوة لإعادة تعريف مناطق النفوذ الاستراتيجي، وقطع الطريق أمام استخدام الجنوب كورقة ضغط إقليمية خارج إطار الدولة اليمنية.

ويشير الباحث إلى أن الغطاء الدولي الذي رافق التحرك السعودي منح الرياض هامش حركة واسعاً، "إذ جرى التعامل مع الخطوات باعتبارها ضرورة لمنع تفكك اليمن وحماية الملاحة الدولية، وهو ما حول السعودية من طرف داعم إلى مرجعية توازن".

سحب تمثيل الجنوب

وفي خطوة سياسية محسوبة، دعمت السعودية طلب المجلس الرئاسي اليمني لعقد "حوار جنوبي–جنوبي" في الرياض، بمشاركة مكونات سياسية واجتماعية من حضرموت والمهرة وعدن وبقية المحافظات الجنوبية، حيث هدفت هذه الخطوة لكسر احتكار المجلس الانتقالي لتمثيل الجنوب.

وافَق "الانتقالي" على المشاركة تحت ضغط الخسائر الميدانية والسياسية في ليلة هروب الزبيدي، ما عُد اعترافاً ضمنياً بمرجعية الرياض في إدارة الملف الجنوبي، وبذلك انتقل ثقل القضية الجنوبية من الشارع والسلاح إلى طاولة الحوار.

وتقول الحكومة اليمنية إن هذا المؤتمر سيعيد تعريف الصراع في الجنوب، من مواجهة عسكرية على الأرض إلى نقاش سياسي مفتوح حول مستقبل الجنوب ضمن إطار الدولة اليمنية، وهو ما مثل مكسباً استراتيجياً للرياض.

ويؤكد عماد كمال لـ"الخليج أونلاين" أن فرض مسار الحوار الجنوبي في الرياض شكل الحلقة الأخيرة في إعادة الضبط، عبر سحب تمثيل الجنوب من يد فصيل واحد وإعادته إلى مسار تعددي، ما أنهى عملياً احتكار القرار الجنوبي، ورسخ واقعاً سياسياً جديداً يخضع لإدارة الدولة.

أزمة عيدروس الزبيدي  

بلغت الأزمة ذروتها في يناير 2026، مع رفض رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي الاستجابة لدعوة رسمية للحضور إلى الرياض خلال 48 ساعة، للقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف، ورغم إعلانه العلني الترحيب بالمبادرة، غاب في اللحظة الحاسمة، وهرب إلى أبوظبي.

ترافقت هذه الخطوة مع معلومات عن تحريك قوات وأسلحة من معسكرات في عدن باتجاه الضالع، وتوزيع أسلحة داخل المدينة، ما دفع قوات التحالف و"درع الوطن" إلى تنفيذ ضربات استباقية لإفشال أي تصعيد داخلي.

هذا السلوك فجّر أزمة غير مسبوقة داخل المجلس الانتقالي، انتهت بإسقاط عضوية الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وإحالته إلى النائب العام بتهم جسيمة، ما مثل ضربة سياسية قاصمة لمشروعه، وأدخل الانتقالي في أسوأ أزماته منذ تأسيسه.