في 2026/02/06
طه العاني - الخليج أونلاين
تتحرك الولايات المتحدة والسعودية على مسار متقدم من التنسيق الدفاعي، في توقيت تشهد فيه منطقة الخليج تصاعداً في التحديات الأمنية المرتبطة بالتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ما يعيد ملف الدفاع الجوي إلى صدارة أولويات الأمن الإقليمي.
وتبرز صفقة صواريخ "باتريوت" الأمريكية للسعودية بوصفها خطوة عملية في هذا الاتجاه، تعكس تقاطع المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، وسعي الرياض إلى تعزيز قدراتها الدفاعية ضمن منظومة الردع الخليجية الأوسع.
قرار استراتيجي
وتعكس موافقة واشنطن على صفقة صواريخ "باتريوت" للسعودية بعداً سياسياً وأمنياً يتجاوز إطار بيع السلاح، في ظل تحولات إقليمية متسارعة.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، يوم 30 يناير 2026، أن وزارة الخارجية الأمريكية وافقت على بيع محتمل لصواريخ متقدمة من منظومة باتريوت ومعدات ذات صلة للمملكة العربية السعودية، بتكلفة تقديرية تبلغ 9 مليارات دولار.
وأوضح البنتاغون أن الصفقة تعزز أمن حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يمثل عنصر استقرار سياسي وتقدم اقتصادي في منطقة الخليج، مشيراً إلى أن هذه القدرات ستسهم في حماية القوات البرية السعودية والقوات الأمريكية والحلفاء المحليين، وتعزيز مساهمة المملكة في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمي.
وأفادت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان لها، في 30 يناير 2026، بأن مبيعات الأسلحة للسعودية "تأتي في إطار دعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، من خلال تعزيز أمن حليف رئيسي من خارج الناتو، يُعد عنصراً فاعلاً في استقرار منطقة الخليج وتقدمها الاقتصادي".
وأضافت أن الصفقة ستسهم في حماية القوات البرية السعودية والأمريكية والحلفاء المحليين، وتعزيز دور الرياض ضمن منظومة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة في المنطقة، مع الإشارة إلى أن شركة "لوكهيد مارتن"، ستكون المتعاقد الرئيسي في الصفقة.
وجاء الإعلان عن الصفقة بالتزامن مع زيارة وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، إلى واشنطن، في 29 يناير 2026، حيث التقى في البيت الأبيض مسؤولين أمريكيين بارزين.
وجرى خلال اللقاء استعراض العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وآفاق تطوير الشراكة الدفاعية، إضافة إلى بحث جهود إحلال السلام في المنطقة والعالم.
وفي هذا الإطار، أعلن وزير الدفاع السعودي، في منشور على منصة "إكس"، في 31 يناير 2026، أنه ناقش مع باحثين من مراكز الفكر والمنظمات الأمريكية أهمية العلاقات الاستراتيجية السعودية–الأمريكية، والجهود المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
دلالات وأبعاد
ويؤكد المحلل الاستراتيجي وخبير الشؤون الإقليمية والدولية، محمد عيد الشتلي، أن توقيت الصفقة الأمريكية لتزويد السعودية بالصواريخ يحمل دلالات عميقة، إذ يبرز أهمية التحالف الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن، ويسهم بشكل مباشر في رفع الجاهزية الدفاعية للمملكة للتصدي للتهديدات الصاروخية والمسيرات.
ويوضح لـ"الخليج أونلاين" أن هذه الصفقة تلعب دوراً محورياً في تعزيز الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، ولا تقتصر أهميتها على الدفاع عن الأراضي السعودية فحسب، بل تمتد لتشمل حماية القواعد العسكرية الأمريكية وحلفائها في المنطقة، وهو ما يعكس تكاملاً أمنياً رفيع المستوى.
وأشار الشتلي إلى أن صفقة "باتريوت" تعيد تشكيل حسابات الأمن الخليجي عبر دعم الاستقرار السياسي، وتعزيز القدرات الجماعية لدول المجلس في مواجهة المخاطر المحتملة، مما يرسخ الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين دول الخليج وواشنطن في مواجهة التحديات الأمنية.
ويرى أن التصعيد الحالي مع إيران يشكل العامل الحاسم في تسريع وتيرة هذه الصفقة، مشيراً إلى أن التهديدات الإقليمية تنذر بمخاطر واسعة النطاق، مما يستوجب استعادة التوازن العسكري وتوفير سلاح ردع فاعل يحمي الأمن القومي الخليجي في السيناريوهات كافة.
ويعتقد الخبير الاستراتيجي أن منظومات الدفاع الجوي وحدها لا تكفي لضمان الأمن الخليجي بشكل مطلق، في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد.
ويؤكد الشتلي ضرورة تطوير القدرات الهجومية والبرية، وتعزيز الموارد البشرية، والتوجه نحو التصنيع العسكري المستقل لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن القومي الشامل.
قدرات باتريوت
وعلى المستوى العملياتي، تمثل الصفقة إضافة نوعية لقدرات الدفاع الجوي السعودية في مواجهة التهديدات الصاروخية المتزايدة.
وذكرت وكالة التعاون الأمني الدفاعي (DSCA) التابعة للبنتاغون أنها أبلغت الكونغرس الأمريكي بالموافقة، موضحة أن الصفقة جاءت استجابة لطلب سعودي لشراء 730 صاروخاً من الجيل الثالث المطور.
وبحسب الوكالة، صُممت هذه الصواريخ لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ "كروز"، وتتميز بمدى أطول وقدرة أعلى على المناورة ودقة محسّنة في إصابة الأهداف عالية السرعة، ما يعزز فاعلية منظومة الدفاع الجوي السعودية في بيئات التهديد المعقدة.
وتشمل الصفقة مجموعات لتعديل منصّات إطلاق باتريوت الحالية لتمكينها من تشغيل صواريخ (PAC-3 MSE)، إضافة إلى أنظمة لوجستية آلية لإدارة الصيانة وقطع الغيار وتتبع الجاهزية التشغيلية للمنظومة.
كما تضم مجموعات القياس عن بُعد المستخدمة في الاختبارات والتدريب، إلى جانب معدات وقطع غيار للصيانة والإصلاح، وبرامج تدريب فني وتشغيلي، مع تأكيد الوكالة أن شركة "Lockheed Martin" ستكون المتعاقد الرئيسي، وأن السعودية لن تواجه صعوبات في دمج المعدات والخدمات ضمن قواتها المسلحة.
تصعيد محتمل
ولا تنفصل صفقة باتريوت عن المناخ الإقليمي المشحون، الذي يتسم بتصاعد نبرة الردع والتحذير بين واشنطن وطهران.
وأفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، بتقرير نشرته في 30 يناير 2026، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن البنتاغون والبيت الأبيض وضعا خططاً عسكرية مشتركة لهجوم محتمل على إيران، تشمل خيارات متعددة تبدأ بضربات محدودة ضد أهداف رمزية، وقد تتطور إلى ما وصفته الصحيفة بـ"الخطة الكبرى"، القائمة على حملة قصف واسعة تستهدف مؤسسات حكومية ومنشآت تابعة للحرس الثوري.
وبحسب المصادر، قدم مسؤولون أمريكيون إحاطات حول خيارات الهجوم المطورة بشكل مشترك، مع الإبقاء على الأهداف الاستراتيجية قيد السرية، بما يسمح بهوامش تصعيد أو تهدئة وفق مسار المفاوضات.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات سابقة، أن "أسطولاً عسكرياً ضخماً" يتجه نحو إيران، معرباً عن أمله في أن تقبل طهران الجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق "عادل ومتكافئ" يقضي بالتخلي الكامل عن برنامجها النووي.
ويضع هذا التصعيد المحتمل دول الخليج أمام معادلة أمنية دقيقة، حيث تبرز منظومات الدفاع الجوي، وفي مقدمتها باتريوت، كأحد أهم أدوات الردع الوقائي في مواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار الإقليمي.