في 2026/05/29
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
تشهد المجتمعات الخليجية حالة من الانتعاش الكبير خلال أيام عيد الأضحى المبارك، إذ تستعيد مدن وقرى الخليج العربي مشهداً يكاد يتكرر بالتفاصيل ذاتها منذ عقود طويلة، مع أول تكبيرات للعيد في المساجد.
وما إن يعود الناس في مختلف المدن والقرى والمناطق إلى المنازل قادمين من المساجد، بعد تأدية الصلاة، حتى تبدأ معالم العيد بالظهور أكثر، من رائحة القهوة العربية والبخور التي تملأ البيوت، وأصوات وضحكات الأطفال وهم يركضون بثيابهم الجديدة في الأزقة والمجالس، إلى تجمع العائلات في البيت الكبير" حيث تبدأ أولى لحظات "لمّة العيد".
كذلك ما يزال عيد الأضحى يحتفظ بطابعه التقليدي الخاص، رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي شهدتها دول الخليج خلال العقود الأخيرة، بوصفه مناسبة تتجاوز البعد الديني إلى مساحة اجتماعية وإنسانية عميقة، تتجسد فيها قيم الترابط الأسري، والكرم، والتكافل، والحنين إلى الموروث الشعبي.
وفي دول مجلس التعاون الخليجي الست تتشابه تفاصيل كثيرة من طقوس العيد، حتى تبدو المنطقة وكأنها تحتفل بعادات واحدة بلهجات مختلفة، تبدأ بالصلاة والتكبيرات، ولا تنتهي إلا بعد أيام من الزيارات والولائم والأهازيج الشعبية، والعادات المتوارثة.
البيت الكبير
ولعل من أبرز وأهم معالم عيد الأضحى في دول الخليج، هي تلك اللمة، في منزل العائلة الكبيرة، حيث يعتبر ذلك أحد أكثر الطقوس رسوخاً واستمرارية في المجتمعات الخليجية حتى مع تغير أنماط الحياة الحديثة واتساع المدن.
فبعد أداء صلاة العيد تتجه العائلات إلى "البيت الكبير"، حيث يجتمع الأبناء والأحفاد حول مائدة واحدة، ويتبادل الجميع التهاني بعبارات متوارثة مثل "عساكم من عواده"، و"مبارك عليكم العيد"، وغيرها من العبارات.
كما يبرز التزاور بين الأقارب والأرحام كواحدة من العادات التي يشترك فيها المجتمع الخليجي مع غيره من المجتمعات العربية والإسلامية، مع قدر كبير من الفرحة والسرور والإقبال المتبادل.
ولا يُنظر إلى هذه الزيارة، في كثير من المجتمعات الخليجية، بوصفها مجاملة اجتماعية فقط، بل باعتبارها ركناً أساسياً من طقوس العيد، إذ تمثل فرصة نادرة لاجتماع العائلة الممتدة وسط زحام الحياة اليومية.
وفي السعودية خصوصاً، ما تزال بعض الأحياء القديمة تحافظ على تقليد "وليمة الحي"، حيث يشارك الأهالي بطعام العيد في ساحة مشتركة، ويتناول الجميع الطعام جماعياً، في مشهد يعكس روح التآخي والتكافل الاجتماعي.
أضحية العيد
وتعتبر الأضحية إحدى أبرز الشعائر التي ترتبط بالعيد، حيث تتجمع العائلات معاً، لذبح وتقاسم وإعداد الأضحية، في الوقت الذي تتجمع النساء للقيام بمهمة إعداد وجبات العيد الأولى.
كذلك لا تزال عادة توزيع لحوم الأضاحي على الأقارب والجيران والمحتاجين حاضرة بقوة في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، بوصفها امتداداً لقيم التكافل الاجتماعي المتجذرة في المجتمعات الخليجية.
ففي سلطنة عُمان مثلاً، تحرص الأسر على إشراك الأطفال في عملية تقسيم اللحوم وتوزيعها، بهدف غرس معاني العطاء والتراحم منذ الصغر، في حين تأخذ هذه الشعيرة مساحة أكبر وأكثر أهمية في المجتمع السعودي، لارتباطها بمناسك الحج.
وفي الكويت والبحرين وقطر تتحول المجالس خلال ساعات قليلة إلى موائد عامرة تستقبل الأقارب والزوار وسط أجواء اجتماعية كثيفة تمتد حتى ساعات الليل، وكذلك الحال في دولة الإمارات والبحرين، اللتين يصبح العيد فيهما فرصة للفعاليات والجلسات وتبادل التهاني والعيديات.
موائد العيد
ورغم تشابه العادات الخليجية فإن لكل دولة نكهتها الخاصة على موائد عيد الأضحى، ففي السعودية يتصدر "الحميس" المشهد صباح العيد، وهو طبق يُحضّر من الكبد والكلاوي والقلب مع البصل والطماطم والبهارات، في حين تبقى الكبسة والمندي والهريس والمرقوق من أشهر الأطباق التي تتجمع حولها العائلات.
في حين تحافظ وليمة "والة العيد" في الإمارات، على مكانتها وحضورها بوصفها مائدة الضيافة الرئيسية، وتضم الهريس والعريس والخبيص والحلويات الشعبية والقهوة العربية، أما في قطر فتشتهر العائلات بالمائدة الصباحية الكبيرة التي تضم الهريس والأرز واللحم والمكسرات والحلوى، وغالباً ما يجتمع حولها عشرات الأفراد من العائلة الواحدة.
وفي البحرين يبقى "القدوع" واحداً من أبرز رموز العيد، وهو صحن كبير يوضع في المجلس وتُقدم فيه الأطعمة والحلويات والقهوة والشاي للضيوف، بينما تشتهر عُمان بطبق "المظبي"، الذي يُحضّر بطريقة تقليدية تعتمد على شواء اللحم ودفنه تحت الرمال الساخنة لساعات طويلة.
عيدية الأطفال
لا تكتمل نكهة العيد إلا بفرحة الأطفال العارمة التي تحول قرى وشوارع مدن الخليج إلى شعلة من الحركة والحيوية، ما يجعل من عيد الأضحى حكاية أخرى، فالعيد بالنسبة لهم يبدأ بالملابس الجديدة، ثم العيدية، فالألعاب والأراجيح والحلوى.
وما تزال "العيدية" تحافظ على مكانتها بوصفها أكثر ما ينتظره الأطفال في صباح العيد، رغم تغير العملات والأزمنة، علماً بأن العيدية كانت في بعض مناطق الخليج في الماضي، لا تتجاوز "البيزة" أو "الروبية"، أما اليوم فقد تحولت إلى مبالغ مالية متفاوتة، لكنها ما تزال تحتفظ بالقيمة المعنوية ذاتها.
كما يحرص كثير من الآباء والأجداد على تسليم العيدية للأطفال يداً بيد، باعتبارها جزءاً من طقوس الفرح والذاكرة الشعبية المرتبطة بالعيد، في حين أن بعض الأحياء الخليجية القديمة، لا تزال مجموعات الأطفال تطوف بين البيوت طلباً للعيدية، مرددين أهازيج تراثية خاصة بالمناسبة.
زينة وتراث
قبل حلول العيد بأيام، تبدأ البيوت الخليجية بالاستعداد للمناسبة عبر تنظيف المنازل وتعطيرها بالعود والبخور، وتجهيز الحلويات والمعمول وفوالة العيد، في حين تحتفظ النساء بطقوس خاصة، يتصدرها نقش الحناء وارتداء الأزياء التراثية المطرزة بالخيوط الذهبية، مثل "ثوب النشل" و"البخنق" و"الدراعة".
وفي الإمارات وقطر والبحرين ما تزال الحناء جزءاً أساسياً من استعدادات النساء والفتيات للعيد، وإن انتقلت تدريجياً من البيوت إلى صالونات التجميل الحديثة.
وتظل القهوة العربية العنوان الأبرز للضيافة الخليجية خلال أيام عيد الأضحى المبارك، حيث لا يكاد يخلو مجلس من فناجين القهوة والتمر والمكسرات والحلويات الشعبية.
أهازيج وفرح
يتحول عيد الأضحى في دول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من مناسبة عائلية، ليصبح موسماً للفرح الجماعي والاحتفالات الشعبية، حيث تُقام العرضات والرزفات والفنون الشعبية التي تعبّر عن البهجة والاعتزاز بالموروث المحلي.
وفي الإمارات وعُمان وقطر تحضر "الرزفة" و"العرضة" بقوة خلال المناسبات والأعياد، بينما تنتشر الأراجيح الشعبية في الأحياء والأسواق والحدائق، كما تنظم دول الخليج خلال أيام العيد مهرجانات وفعاليات جماهيرية ضخمة تستهدف العائلات والأطفال، وتجمع بين التراث والترفيه الحديث.
أما في البحرين والإمارات خصوصاً، فتتحول بعض الشوارع والساحات إلى لوحات احتفالية مضاءة، فيما تمتلئ المراكز التجارية والواجهات البحرية بالعروض الفنية والفعاليات العائلية.
ورغم اختلاف التفاصيل الصغيرة بين دولة وأخرى فإن ما يجمع الخليجيين في عيد الأضحى يبدو أكبر بكثير مما يفرقهم، إذ يتحول العيد إلى ذاكرة جماعية متوارثة، تنتقل من جيل إلى آخر، وتحمل في داخلها ملامح الهوية الخليجية بكل ما فيها من بساطة وكرم وترابط اجتماعي.
وربما لهذا السبب، بقيت كثير من الطقوس القديمة حاضرة حتى اليوم، رغم تسارع الحياة الحديثة وهيمنة التكنولوجيا، فالمواطن الخليجي الذي يعيش وسط المدن الذكية وناطحات السحاب، ما يزال يعود في صباح العيد إلى البيت الكبير، ويجلس حول مائدة العائلة، ويتبادل القهوة والتهاني والعيدية، وكأن الزمن لم يتغير كثيراً.