دول » قطر

رحيل حمد بن خليفة: قطر الحديثة تفقد مهندسها

في 2026/07/14

حسين إبراهيم 

لم يكن أمير قطر الراحل، حمد بن خليفة آل ثاني، شخصية عادية، لا خليجياً ولا عربياً. فالرجل نقَل بلده، وهو من أصغر بلدان العالم من حيث السكان والمساحة، إلى مصاف دولة ذات تأثير عالمي. ولم يكن المال أداته الوحيدة في ذلك، وإنما شخصيته أيضاً، التي تُناقض الصورة النمطية للخليجي في نظر الخارج، بغضّ النظر عن صوابية تلك الصورة، فهو، على المستوى الشخصي، كان نشطاً وحاضراً دائماً للعمل من أجل تحقيق الهدف المتمثّل بتوسيع نفوذ بلاده.

البداية كانت بالانقلاب الأبيض على والده، عام 1995، والذي لم يكن ناجماً، على ما يبدو، عن تعطّش إلى السلطة، باعتبار أن حمد عاد وتنازل، عام 2013، لنجله تميم عن الحكم، وهو في ذروة قوته. الواقع أن الراحل لم يكن معجباً بحكم أبيه الذي رأى أنه يبدّد إمكانات الدولة، بلا أيّ عائد. ولذا، هو لم ينفِ والده، الذي اختار بنفسه المنفى، حرَداً، ثمّ أعيد إلى البلاد عند وفاته عام 2016، ليُدفن فيها. وللمقارنة، فإن مؤامرات القصور في الخليج، وكثير منها غير بيضاء، كانت في كثير من الحالات هي الطريقة لانتقال الحكم، لا سيما وأن الانتقال في جميع الحالات يتمّ برعاية الحليف القوي، الولايات المتحدة.

ومنذ إمساكه بالحكم، بدأ حمد في توسيع نفوذه في الخليج والعالم العربي. ولم يكن ممكناً لذلك أن يتمّ، إلّا بوجود ضمان للحكم. وتقاطع هذا التوجّه مع ظرف كانت السعودية فيه تتململ من بعض جوانب العلاقة الطويلة والملتبسة مع الولايات المتحدة، والتي كسرتها مشاهد الجنود الأميركيين شبه العراة في البلد المحافظ، وتصاعُد الاستهدافات لهم مع صعود التيار السلفي الجهادي، فكان القرار بنقل الثقل الرئيس للقوات من السعودية إلى قطر. وهكذا، أُنشئت قاعدة «العديد» لتصبح أكبر قاعدة أميركية في الشرق، ومنها انطلقت الكثير من الغزوات الأميركية، ولا سيما غزو أفغانستان ومن ثمّ العراق.

وكان لا بدّ لهذا التطور من أن يتواكب مع نوع من التطبيع مع إسرائيل، تمثّل بفتح قطر مكتباً للتمثيل التجاري في تل أبيب عام 1996 أيضاً. ومع ذلك، لم تكن العلاقة سويّةً على طول الخط، لا مع الولايات المتحدة ولا مع إسرائيل التي تَبيّن لاحقاً أن قطر لها مقاربة خاصة للصراع معها، تتركّز على رفض التسليم بمطالبها، سواء في ما يتعلّق بفلسطين، أو بملفات الصراع العربي – الإسرائيلي الأخرى، ولا سيما بعد وصول بنيامين نتنياهو إلى الحكم للمرّة الأولى عام 1996، واتجاه إسرائيل نحو مزيد من التطرّف منذ ذلك الحين. ولذا، تمكّنت قطر، رغم كلّ ما تقدم، من إقامة علاقة جيدة جداً مع حركة «حماس»، رأس حربة المقاومة في فلسطين، وأيضاً مع باقي أطراف «محور المقاومة»، ولا سيما إيران و«حزب الله»، وإن كانت العلاقة مع الأخيرَين تأرجحت -من دون أن تنقطع في أيّ مرحلة من المراحل- عندما أخذ حمد على عاتقه تمويل إسقاط النظام السوري السابق، حليف الطرفَين المذكورين، ولم ينجح في هذه المهمّة. والفشل هذا عبّرت عنه مقولة شهيرة لشريك الأمير الراحل في الحكم، حمد بن جاسم آل ثاني، الذي قال حينها: «تهاوشنا على الصيدة قبل لا نصيدها»، في إشارة إلى الخلافات بين من أرادوا إسقاط النظام.

والواقع أنه يمكن تلخيص موقف قطر الذي صاغه الأمير الراحل في ما يتعلّق بالولايات المتحدة وإسرائيل، بأنه يعكس موقف التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين»، مثلما ظهر في «الربيع العربي» في النصف الأول من العقد الماضي، ومفاده الاعتراف بمصالح واشنطن والقبول بتل أبيب، ضمن حدّ أدنى من الشروط. ولربّما يعود تدهور العلاقات مع إسرائيل، إلى رفض الأخيرة الاستجابة لتلك الشروط.

لكن منذ عملية «طوفان الأقصى»، صار دور قطر عبئاً عليها؛ فلم يعد الأميركي ضامناً مأموناً للحكم، في حين صار الإسرائيلي يتعامل مع كلّ من لا يسلّم له، باعتباره عدواً. وهكذا، وصلت تل أبيب إلى حدّ استهداف الدوحة في أيلول 2025. واليوم، مع تطور الصراع وتشعّبه، نتيجة الحرب على إيران، تجد قطر نفسها في وضع صعب. فرغم علاقتها الجيدة بطهران، إلا أن هذه العلاقة لم تحُل دون أن تردّ الأخيرة على العدوان باستهداف الأراضي القطرية مراراً، وذلك انطلاقاً من حقها في الدفاع عن النفس، في مواجهة القوات الأميركية التي تتمركز في كلّ دول الخليج.

بعد تسليم الحكم إلى الأمير تميم، ربّما غاب الأمير الراحل عن الواجهة، إلّا أن ظلّه كان دائماً يلوح في الخلف، بصفته الأمير الوالد، لا سيما وأن تميم مولج بمهمّة استكمال ما بدأه أبوه. مرّت قطر في مدة صعبة عندما فُرض عليها الحصار الرباعي من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وكاد ينتهي الأمر باجتياحها تحت نظر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في ولايته الأولى، لولا أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة منعت ذلك، باعتبار أن دور قطر أهمّ من الانجرار وراء نزوة لدى رئيس أميركي أو صهر له، مرتبطة بالامتناع عن الدخول في استثمار عقاري خاسر. وبالنتيجة، استطاعت قطر تجاوز هذه المحنة من دون حتى أن تقدّم أيّ تنازل.

ورغم أن العلاقة مع ترامب عادت وتحسّنت كثيراً في ولايته الحالية، إلا أن حضور نتنياهو في المشهد أضفى عليها تعقيدات، ولا سيما بعد قصف مقرّ «حماس» في الدوحة، علماً أن وجود الحركة هناك كان قائماً برضى أميركي وربما إسرائيلي أيضاً، قبل أن يغيّر هجوم 7 أكتوبر كلّ المعطيات. اللبنانيون، بدورهم، عرفوا الأمير الراحل عن كثب؛ فقد فوجئوا به يصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بعيد انتهاء حرب عام 2006، ليتجوّل بين المباني المدمّرة، ويطلق ورشة ضخمة لتمويل إعادة الإعمار، وذلك بعدما طالب الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، الخليجيين بالتحرك، قبل أن يحرّك «حزب الله» جرافاته. ومن ثمّ، أدى حمد دوراً مهماً في السياسة اللبنانية، عام 2008، عندما استضاف في مؤتمر الدوحة، القادة اللبنانيين الذين توصّلوا إلى اتفاق أنهى واحدة من أزمات لبنان الكثيرة، ولو إلى حين. واستفاد الأمير حينها من أن الرياض لم تكن في تلك اللحظة مؤهّلة لهكذا دور، وذلك نتيجة اصطفافها مع طرف ضدّ آخر.

لكن السياسة لم تكن هي وحدها ميدان نشاط الأمير الراحل لتقديم الصورة التي يريدها لبلده، بل بدا مهتماً كثيراً بالرياضة وبالاستثمار أيضاً. وقد كان المال جاهزاً لإسناد الدور القطري في هذَين المجالين، لا سيما مع تنامي دور الغاز الذي تُعتبر قطر أحد أكبر منتجيه عالمياً، وتحسّن تقنيات تسييله التي أتاحت نقله عبر الناقلات، من دون حاجة إلى أنابيب لا يمكن أن تصل إلى كلّ مكان.

مثّل نجاح قطر، تحت قيادته، في استضافة كأس العالم 2022، قصة بحدّ ذاته، بدءاً من لحظة الفوز بالتنظيم عام 2010، بغضّ النظر عن كلّ ما قيل وكتب حول ظروف هذا الفوز، مروراً بالورشة الكبرى لإقامة الملاعب، وما يحتاجه التنظيم من بنى مرافقة، كالفنادق، ووصولاً إلى الدورة نفسها والنجاح الكبير الذي حقّقته بالحضور الجماهيري العالمي. وإلى جانب ذلك، تحسّنت الرياضة القطرية نفسها، وصار البلد من الحاضرين بشكل شبه مستمر في دورات كأس العالم المتتالية.

أمّا بالنسبة إلى الاستثمار، فقطر كانت من أقلّ الدول تسييساً مباشراً له، وهو ما يدلّ عليه مثلاً رفضها تعويم شركة صهر ترامب، جارد كوشنير، حين طلب الأخير 500 مليون دولار من الدوحة للاستثمار فيها. على أن ذلك لا يحجب ما آلت إليه لاحقاً العلاقات التجارية مع عائلة ترامب ومستشاريه من كبار رجال الأعمال الذين يجري حديث كثير عن علاقاتهم التجارية مع الدوحة حالياً.

الآن، سيتعيّن على الأمير تميم قيادة البلاد في مرحلة حرجة من دون ظلّ والده، وإن كان إرثه قائماً. ولربّما تكون هذه المرحلة أصعب من كلّ ما سبق، في ظلّ إعادة تشكيل جارية للمنطقة -ومن ضمنها الخليج- بنتيجة الحرب التي لم تنتهِ بعد ضدّ إيران، والتي باتت معالم الفشل ظاهرة بالفعل عليها. لكن قد يكون من حسن حظّ القطريين أنهم ممّن اختاروا أن تكون لهم علاقة جيّدة مع طهران، ولو في ظلّ وجود «قاعدة العديد»، واضطرار طهران إلى استهداف مصالح أميركية في الإمارة الخليجية رداً على الهجمات التي تستهدفها. وذلك قد يجعل قطر من بين أكثر الدول الخليجية قابلية للتعايش مع إيران الجديدة.