دول » السعودية

كسوة الكعبة .. الرداء الأغلى الذي يغطي قبلة المسلمين

في 2026/06/16

 

 الخليج أونلاين 

للكعبة المشرفة مهابة كبيرة في القلب عند رؤيتها لأول مرة، ذلك البناء الذي يتوسط باحة المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأقدس الأماكن الإسلامية على الإطلاق، والذي يتوجه إليه مئات ملايين المسلمين يومياً في صلواتهم.

تغطي الكعبة كسوةٌ سوداء مطرزة بآيات من القرآن الكريم بلون ذهبي يزيد من بهاء هذا البناء الضخم الذي يصل ارتفاعه إلى 15 متراً، وعرضها يختلف بين جهاتها الأربع بين الـ12.84 والـ11.28 متراً.

ويفوح من الكسوة عطر يدفع المعتمر أو الحاج أو من يزور المسجد الحرام إلى التساؤل عن كيفية صنع هذا الستار الهائل.

كسوة جديدة

وتاريخياً كانت كسوة الكعبة المشرفة الجديدة تجري في يوم عرفة من كل عام، لكن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، أصدر توجيهاً بأن يكون موعد استبدالها غرة محرم من كل عام هجري، حسبما ذكر الرئيس العام لشؤون الحرمين الشريفين الشيخ عبدالرحمن السديس في تصريحات سابقة.

وبالتزامن مع دخول العام الهجري الجديد 1448، بدأت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ممثلة في مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة، فك المذهبات، وفك الصمديات والقناديل والحُليّ المثبتة في الكسوة وإنزال ستارة باب الكعبة المشرفة استعدادًا لإنزال الكسوة القديمة، وإكسائها بالكسوة الجديدة، جريًا على العادة السنوية في إرث متواصل عريق، وفق وكالة الأنباء السعودية (واس).

ويشرف فريق سعودي متخصص مدرب ومؤهل علمياً وعملياً على أعمال الفك ومراحل تغيير كسوة الكعبة الأساسية المتمثلة في رفع الكسوة القديمة، وفك المذهبات، وإسدال الكسوة الجديدة.

ويتم تركيب الكسوة الجديدة المكونة من 4 جوانب مفرقة وستارة الباب بعد رفع كل جنب على حدة إلى أعلى الكعبة المشرفة تمهيداً لفرده على الجنب القديم، وتثبيت الجنب من أعلى بعد ربطه وإسقاط الطرف الآخر من الجنب بعد حلّ حبال الجنب القديم من خلال تحريك الجنب الجديد إلى أعلى وأسفل في حركة دائمة، بعدها يسقط الجنب القديم من أسفل ويبقي الجنب الجديد.

وتكررت هذه العملية 4 مرات لكل جانب حتى اكتمل الثوب، ثم بعدها وُزن الحزام على خط مستقيم للجهات الأربع بخياطته.

وتبدأ هذه العملية أولاً من جهة الحطيم لوجود "الميزاب" الذي توجد له فتحة خاصة به بأعلى الثوب، وبعد تثبيت كل الجوانب تثبت الأركان بحياكتها من أعلى الثوب إلى أسفله، ثم توضع الستارة التي يحتاج وضعها إلى وقت وإتقان في العمل بعمل فتحة تقدر بمساحة الستارة في القماش الأسود، والتي تقدر بنحو 3.30 أمتار عرضاً حتى نهاية الثوب، ومن ثم تعمل 3 فتحات في القماش الأسود لتثبيت الستارة من تحت القماش، وأخيراً تثبيت الأطراف بحياكتها في القماش الأسود على الثوب.

وتتوشح الكسوة من الخارج بنقوش منسوجة بخيوط النسيج السوداء (بطريقة الجاكارد)، كتب عليها عبارات (يا الله يا الله)، (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، و(سبحان الله وبحمده)، و(سبحان الله العظيم)، و(يا ديان يا منان) وتتكرر هذه العبارات على قطع قماش الكسوة جميعها.

ويبلغ عدد قطع حزام كسوة الكعبة المشرفة 16 قطعة، إضافة إلى 6 قطع و12 قنديلاً أسفل الحزام و4 صمديات توضع في أركان الكعبة، و5 قناديل (الله أكبر) أعلى الحجر الأسود، إلى جانب الستارة الخارجية لباب الكعبة المشرفة.

وتبلغ تكلفة كسوة الكعبة المشرفة 20 مليون ريال (5.5 مليون دولار)، لتكون بذلك أغلى رداء في العالم.

كيف تُصنع كسوة الكعبة؟

كُسِيت الكعبة بكثير من الأقمشة والستائر على مر التاريخ، ونالت عناية واسعة فتطورت جودتها مع الزمن، حتى وصلت إلى صناعتها من الحرير الخالص.

ويعود تاريخ إنشاء مصنع كسوة الكعبة المشرفة إلى الملك الراحل عبد العزيز آل سعود عام 1928، إلى أن تم تجديده وافتُتح في أم الجود بمكة المكرمة، حيث مقره الحالي، عام 1977.

ويعمل في مصنع كسوة الكعبة المشرفة أكثر من 240 صانعاً وإدارياً، موزعين على أقسام المصنع المزودة بآلات حديثة ومتطورة في عمليات الصباغة والنسج والطباعة والتطريز والخياطة.

ويتكوّن المصنع من عدة أقسام تعمل جميعاً على إتمام دورة صنع كسوة الكعبة، وهي: الحزام، وخياطة الثوب، والمصبغة، والطباعة، والنسيج الآلي واليدوي، وتجميع الكسوة، كما أن هناك بعض الأقسام المساندة، مثل: المختبر، والخدمات الإدارية والصحية للعاملين بالمصنع.

وتعد الصباغة أولى مراحل إنتاج الكسوة بالمصنع، حيث يزوَّد قسم الصباغة بأفضل أنواع الحرير الطبيعي الخالص في العالم، ويتم تأمينه على هيئة شلل خام، وهي عبارة عن خيوط مغطاة بطبقة من الصمغ الطبيعي تسمى "سرسين"، تجعل لون الحرير يميل إلى الاصفرار، ويتم استيراده من إيطاليا.

ويضم مصنع كسوة الكعبة أكبر ماكينة خياطة في العالم من ناحية الطول؛ حيث يبلغ طولها 16 متراً، وتعمل بنظام الحاسب الآلي.

ويعتبر المصنع المَعلم الحضاري الإسلامي التاريخي النموذجي والفريد من نوعه في العالم، والذي تفرَّد بصناعة أفضل رداء، ليرتبط بأفضل بيت على وجه الأرض.

كسوة الكعبة عبر التاريخ

يُرجح المؤرخون أن كسوة الكعبة لم تبدأ مع بنائها على يد النبي إبراهيم الخليل عليه السلام، إنما كانت أول كسوة للكعبة على يد الملك اليمني "التبع الحميري" في الجاهلية، وكان أول من صنع لها باباً ومفتاحاً.

واستمرت قريش بعد ذلك في مسؤولية كساء الكعبة حتى أصبحت بمنزلة واجب ديني، وتُدفع لأجلها الأموال، كلٌّ حسب قدرته.

وبعد فتح مكة على يد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كسا الكعبة في حجة الوداع بالثياب اليمانية على نفقة بيت مال المسلمين، ثم كساها الخلفاء الراشدون من بعده.

وفي عصر الدولة الأموية (41 -132 هجرية)، كُسيت الكعبة بكسوتين في العام؛ واحدة في يوم عاشوراء، والأخرى في آخر شهر رمضان استعداداً لعيد الفطر.

وأولى خلفاء الدولة العباسية اهتماماً ملحوظاً بكسوة الكعبة، حيث ظهرت للمرة الأولى الكتابة على الكسوة بالتزامن مع تطور صناعة النسيج والحياكة والصبغ والتلوين والتطريز، وكان خلفاء العصر العباسي يدوِّنون أسماءهم على الكسوة ويقرنون بها اسم الجهة التي صُنعت فيها وتاريخ صنعها.

وكساها الفاطميون والمماليك، حيث كانت تُرسل من مصر إلى مكة، إذ أُوقف لها وقف خاص، واستمر الأمر في العصر العثماني، حيث دعم الوقف. وفي عام 1816م، أُسست دار لصناعة الكسوة بالقاهرة، وما زالت هذه الدار قائمة وتحتفظ بآخر كسوة صُنعت للكعبة وذلك في عام 1964م.

وفي عام 1925م، شرعت السعودية في صناعة كسوة الكعبة بمكة المكرمة، إذ شهد هذا العام أول حُلة للكعبة تصنعها المملكة، ويتم استبدالها في اليوم التاسع من ذي الحجة كل عام.