دول » السعودية

عملاق لوجستي سعودي.. استراتيجية جديدة لجذب الاستثمارات الأجنبية

في 2026/06/01

طه العاني - الخليج أونلاين 

تتجه السعودية إلى إعادة هيكلة قطاعها اللوجستي عبر دمج أصول النقل والموانئ والسكك الحديدية ضمن كيان موحد، في خطوة تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز قدرة المملكة على التعامل مع اضطرابات التجارة العالمية.

وتأتي التحركات الجديدة بالتزامن مع توسع خدمات الشحن البحري وتوقيع اتفاقيات لوجستية جديدة، ضمن مسار تسعى من خلاله الرياض إلى ترسيخ موقعها كمركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية في إطار مستهدفات "رؤية 2030".

كيان موحد

وفي إطار إعادة تشكيل القطاع اللوجستي السعودي، تسعى الرياض إلى تجميع أصول النقل والشحن تحت مظلة استثمارية واحدة.

وكشفت وكالة "بلومبرغ"، في 21 مايو 2026، أن صندوق الاستثمارات العامة يدرس دمج عدد من أصوله في قطاعات الموانئ والسكك الحديدية والشحن، لإنشاء كيان لوجستي ضخم قادر على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز موقع المملكة كمركز تجاري إقليمي.

وبحسب الوكالة، لا تزال المناقشات في مراحلها الأولية، إلا أن الكيان المرتقب قد يتحول إلى منصة لاستثمارات بمليارات الدولارات، مع احتمال إدخال مستثمرين دوليين مستقبلاً، بما في ذلك عبر طرح عام أولي.

وتضم محفظة الصندوق الشركة الوطنية السعودية للنقل البحري، التي تبلغ قيمتها السوقية نحو 8.3 مليارات دولار، إضافة إلى شركة "السعودية العالمية للموانئ" المشغلة لموانئ المنطقة الشرقية والموانئ الجافة في الرياض، إلى جانب الشركة السعودية للخطوط الحديدية.

كما تعكس الخطط الجديدة تحولاً تدريجياً في استراتيجية الصندوق نحو بناء شركات قادرة على تحقيق عوائد مستدامة ودعم الاقتصاد المحلي، مع التركيز على إنشاء "أبطال عالميين" في القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الخدمات اللوجستية.

تنافس عالمي

ويؤكد الكاتب والمحلل الاقتصادي، سعيد خليل العبسي، أن دمج أصول النقل والموانئ والسكك الحديدية يتجاوز مفهوم إعادة الهيكلة التقليدية، ليمثل خطوة استراتيجية لبناء منظومة لوجستية متكاملة قادرة على المنافسة عالمياً عبر رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وربط سلاسل الإمداد بشكل احترافي.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن الاضطرابات الراهنة في مضيق هرمز كشفت بوضوح هشاشة بعض المسارات البحرية التقليدية، وهو ما عزز الأهمية الاستراتيجية لموانئ البحر الأحمر السعودية كبديل آمن ومستدام لحركة التجارة العالمية المتدفقة بين الشرق والغرب.

ويوضح المحلل الاقتصادي أن القطاع اللوجستي في المملكة تحول إلى أداة استثمارية شديدة الفعالية، في ظل التوترات الإقليمية.

ويشير العبسي إلى قدرة صندوق الاستثمارات العامة على توظيف هذا الزخم عبر عقد شراكات دولية وطرح كيانات كبرى مستقبلاً، مما يرفع جاذبية السوق السعودية أمام الرساميل الأجنبية.

ويؤكد أن السعودية تمتلك مقومات تنافسية فريدة، يتقدمها الموقع الجغرافي الرابط بين ثلاث قارات، والبنية التحتية المتنامية، مدعومة برؤية اقتصادية واضحة، معتبراً أن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في فلسفة التكامل لا في الحجم فحسب.

ويلفت العبسي إلى أن زيادة الترابط بين الموانئ وشبكات السكك الحديدية والمناطق الصناعية يعزز قدرة المملكة على استقطاب سلاسل الإمداد العالمية، مما يسهم في تحويلها من مجرد ممر جغرافي للعبور، إلى مركز إقليمي متكامل للتصنيع والتوزيع.

ويردف قائلاً إن ما تشهده المملكة اليوم يعد إعادة تموضع استراتيجي للاقتصاد السعودي على خريطة التجارة الدولية.

ويؤكد أن نجاح هذه الخطوات ينقل البلاد إلى دور صانع القيمة في سلاسل الإمداد، ويخلق فرصاً استثمارية وصناعية أعمق بكثير من خدمات النقل التقليدية.

بدائل إقليمية

وأسهمت اضطرابات الملاحة الإقليمية في تسريع تحركات السعودية لتقديم ممرات تجارية بديلة وأكثر مرونة.

ووفق "بلومبرغ" فإن مداولات صندوق الاستثمارات العامة بدأت قبل اندلاع الحرب على إيران، لكنها اكتسبت زخماً أكبر مع استمرار إغلاق مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية، وما فرضه ذلك من ضغوط على سلاسل الإمداد الإقليمية.

وأدى تعطل حركة التجارة عبر المضيق إلى تعزيز أهمية موانئ البحر الأحمر السعودية باعتبارها مسارات بديلة للتجارة والطاقة في المنطقة.

وقال وزير النقل والخدمات اللوجستية صالح الجاسر، في 24 مايو 2026، إن كبرى الخطوط الملاحية العالمية أطلقت 21 خطاً ملاحياً جديداً عبر الموانئ السعودية خلال الأحداث الراهنة، مؤكداً أن ذلك يعكس قوة البنية التحتية ومرونة العمليات اللوجستية بالمملكة.

وأضاف الجاسر، عبر منصة "إكس"، أن الخطوط الجديدة ترفع كفاءة الربط الملاحي مع الأسواق العالمية وتدعم انسيابية الصادرات والواردات وخدمات المسافنة، بما ينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.

كما أعلنت الهيئة العامة للموانئ "موانئ" إضافة خدمة الشحن (Ocean Rise Express (OCR)) التابعة لشركة "CMA-CGM" إلى ميناء جدة الإسلامي، بهدف ربط المملكة بعدد من الموانئ الحيوية في آسيا وأوروبا.

توسع استثماري

وتواصل السعودية تعزيز جاهزية موانئها وخدماتها اللوجستية لدعم التجارة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، وقعت الهيئة العامة للموانئ "موانئ"، في 24 مايو 2026، مذكرة تعاون مع شركة "كيو السعودية" التجارية لتطوير حلول لوجستية متكاملة تدعم سلاسل الإمداد وتعزز الأمن الغذائي، ضمن مستهدفات "رؤية 2030".

وتهدف الاتفاقية إلى تطوير مبادرات مرتبطة باستيراد ومناولة وتخزين الحبوب والسلع الغذائية الأساسية، إلى جانب خدمات النقل والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، فضلاً عن استكشاف فرص الاستثمار في البنية التحتية والمراكز اللوجستية.

وأكدت "موانئ" أن الاتفاقية تأتي ضمن جهود رفع كفاءة الخدمات اللوجستية وتعزيز جاهزية الموانئ السعودية للتعامل مع المتغيرات التشغيلية والتجارية.

ويعكس التركيز على الأمن الغذائي توجهاً سعودياً لربط الخدمات اللوجستية بالأمن الاقتصادي وسلاسل التوريد.

وتنسجم هذه التحركات مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني وتحويل المملكة إلى منصة رئيسية للتجارة العابرة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وتراهن السعودية على موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية لتحويل التحولات التجارية الإقليمية إلى فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي العالمي.