في 2026/01/22
طه العاني - الخليج أونلاين
تعيد الصناديق السيادية رسم أدوارها في الاقتصاد العالمي مع تصاعد حجم الصفقات وتحوّل بوصلة الاستثمار نحو القطاعات الرقمية.
وفي هذا المشهد برز الصندوق السيادي السعودي لاعباً مؤثراً جمع بين كثافة الإنفاق واتساع التأثير.
وتفتح حصيلة المرحلة الماضية باب التساؤل حول اتجاه السيادي السعودي بعد صدارته الإنفاق العالمي وتجاوز أصوله حاجز التريليون دولار، وما إذا كانت هذه القفزة تمثل محطة مؤقتة أم مساراً طويل الأجل.
صدارة إنفاق
ولم تكن صدارة الصندوق السيادي السعودي، خلال العام الماضي، نتاج تراكم أصول فحسب، بل نتيجة استراتيجية إنفاق هجومية أعادت تعريف دوره بين الصناديق السيادية العالمية.
وأشارت صحيفة الشرق مع بولمبيرغ، في 1 يناير 2026، إلى تصدّر صندوق الاستثمارات العامة السعودي قائمة الصناديق السيادية عالمياً من حيث الإنفاق خلال 2025، بضخ استثمارات بلغت 36.2 مليار دولار، وفق تقرير شركة الاستشارات البحثية (Global SWF) الصادر في النصف الثاني من العام.
ويمثل هذا الرقم قفزة بنسبة 81% مقارنة بإنفاق 2024، الذي اتسم بتركيز أعلى على السوق المحلية لدعم مسارات التنويع الاقتصادي.
وجاءت هذه القفزة مدفوعة بصفقة مفصلية تمثلت في الاستحواذ على شركة (Electronic Arts (EA)) الأمريكية المتخصصة في صناعة ألعاب الفيديو مقابل 28.8 مليار دولار، وهي الصفقة الكبرى عالمياً في قطاع الترفيه الرقمي خلال 2025.
ووفق بيانات الشركة، منحت الصفقة الصندوق حصة تبلغ 93% في (EA)، تشمل 10% كان يمتلكها مسبقاً، بعد موافقة مساهمي الشركة في الأسبوع الأخير من العام، ومقرها مدينة ريدوود بولاية كاليفورنيا.
ولم تُقرأ الصفقة باعتبارها استثماراً مالياً تقليدياً، بل باعتبارها انتقالاً مباشراً للصندوق إلى قلب صناعة المحتوى الرقمي العالمية، في قطاع تتجاوز قيمته مئات المليارات، ويتقاطع مع استراتيجيات الألعاب، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الإبداعي.
وعلى مستوى الأصول، تجاوزت أصول الصندوق حاجز 1.15 تريليون دولار بنهاية 2025، ليصبح خامس أكبر صندوق سيادي في العالم، محققاً الهدف الذي أُعلن في سبتمبر من العام نفسه.
وكان محافظ الصندوق ياسر الرميان قد أشار، في تصريحات سابقة، إلى أن الأصول مرشحة لتجاوز تريليون دولار قبل نهاية 2025، وهو ما تحقق فعلياً قبل إغلاق العام.
ويأتي هذا الأداء في إطار هدف استراتيجي أوسع يتمثل في رفع أصول الصندوق إلى نحو 3 تريليونات دولار بحلول 2030، ما يفسر التحول الواضح في 2025 من التركيز المحلي إلى اقتناص الفرص العالمية ذات الأثر الهيكلي طويل الأجل.
مشاريع كبرى
وإلى جانب نشاطه الاستثماري العالمي وصفقاته التاريخية، يركّز الصندوق السيادي السعودي على تطوير مشاريع وطنية كبرى مصمّمة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وخلق قطاعات إنتاجية جديدة، وتعزيز البُنى التحتية الاستراتيجية القائمة على رؤى طويلة الأمد.
وتتوزّع هذه المشاريع على قطاعات متعددة تشمل التطوير الحضري، والترفيه والسياحة، والإسكان، والثقافة والتراث، وتكامل أنظمة الطاقة الحديثة.
وبحسب الموقع الرسمي لصندوق الاستثمارات العامة، فإنّ هذه المشاريع تُعد جزءاً من المحفظة الاستراتيجية للصندوق التي تتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030 في تنويع مصادر الاقتصاد وتوسيع دور القطاع غير النفطي في النمو الاقتصادي الوطني.
وإضافةً إلى ذلك، كشفت رويترز في 11 نوفمبر 2025، عن أنّ تأثير الصندوق امتدّ إلى قطاع الضيافة والسياحة من خلال إطلاق شركة (Al Balad Development) بمحفظة استثمارات تبلغ نحو 3.6 مليارات دولار لتطوير أكثر من 3,300 وحدة فندقية في فئات مختلفة، ما يعزز مكانة المملكة كمركز جذب عالمي للسياحة والترفيه.
وتُظهر تقارير الصندوق استمرار الاستثمار في بنية تحتية للأجيال القادمة عبر مشاريع مرتبطة بالطاقة والمياه والتقنيات النظيفة، وبذلك يرسم الصندوق من خلال هذه المشاريع الكبرى خريطة اقتصادية متعددة الأبعاد.
ويتجه السيادي السعودي للتحول من مجرد تكثيف الإنفاق إلى تعميق الأثر الاستراتيجي، عبر بناء أصول عالمية طويلة الأجل تربط الاستثمار بالتكنولوجيا والمحتوى والاقتصاد الجديد، في مسار يعيد رسم موقعه في الاقتصاد العالمي.
رؤية مشتركة
ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي د. أحمد صدام أن صدارة السيادي السعودي تعكس تبنّي استراتيجية طويلة الأمد تهدف لتعظيم أصوله وجعله رافعة أساسية للنمو غير النفطي في المملكة.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن توجهات الصندوق الاستثمارية تتركز على قطاعات نوعية مثل العقارات والتكنولوجيا ومشاريع البنية التحتية والطاقة.
ويوضح صدام أن التوجهات تؤكد أن هذا التوسع ليس مرحلياً أو موسمياً، بل يأتي ضمن خطة توسعية متكاملة تسهم بصورة مباشرة في دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز متانته.
ويلفت إلى أن نمو الصندوق السيادي ينعكس إيجاباً على مستهدفات رؤية 2030، من خلال بناء سلاسل قيمة جديدة ورفع مستوى التنافسية الاقتصادية، الأمر الذي يعزز ثقة المستثمرين ويدعم تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، ويمنح المملكة حضوراً مؤثراً في الأسواق العالمية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن دول مجلس التعاون الخليجي تتقاسم رؤية مشتركة للتنويع الاقتصادي تقوم على تبادل الخبرات وتقليل الاعتماد على النفط.
ويردف صدام أن هذا المسار يتقاطع مع تنافس واضح على استقطاب الاستثمارات الكبرى، خاصة في القطاعات الاستراتيجية عالية التأثير، ما يخلق مزيجاً من التعاون والتنافس بات سمة بارزة للاستثمارات السيادية الخليجية في المرحلة الراهنة.
ثقل خليجي
وجاءت صدارة السيادي السعودي ضمن تحرّك خليجي أوسع أعاد تشكيل خريطة الإنفاق السيادي العالمي، ورفع حصة الصناديق العربية إلى مستوى غير مسبوق.
وبحسب بيانات (Global SWF) التي نقلتها الشرق، بلغت استثمارات الصناديق السيادية الخليجية خلال 2025 نحو 126 مليار دولار، ما يعادل 43% من إجمالي الإنفاق السيادي العالمي، في مؤشر واضح على انتقال مركز الثقل من الصناديق التقليدية في الغرب إلى اللاعبين الجدد في المنطقة.
وفي سياق ذلك حلّ صندوق مبادلة للاستثمار الإماراتي في المركز الثاني عالمياً من حيث الإنفاق، بعد أن ضخ 32.7 مليار دولار خلال 2025، مسجلاً نمواً بنحو 12% مقارنة بـ2024، من خلال تنفيذ 40 صفقة في 10 دول مختلفة.
وإلى جانب أكبر صندوقين، شاركت صناديق خليجية أخرى في تعزيز هذا الحضور، من بينها جهاز أبوظبي للاستثمار (أديا)، والقابضة (ADQ)، ومؤسسة دبي للاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، وجهاز قطر للاستثمار، ما يعكس اتساع القاعدة الاستثمارية الخليجية وتنوّع استراتيجياتها.
ويمثّل تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحد أبرز ملامح هذا التحول؛ حيث أنفقت الصناديق السيادية الخليجية نحو 13.4 مليار دولار على هذا القطاع خلال 2025، وفق التقرير.
وقادت الإمارات هذا المسار، إذ استحوذت صناديقها الثلاثة الكبرى (مبادلة، أديا، القابضة ADQ) على استثمارات بقيمة 7.1 مليارات دولار، في حين بلغ إنفاق الصندوق السيادي السعودي نحو 300 مليون دولار، في إطار استراتيجية أكثر انتقائية تركز على ربط الذكاء الاصطناعي بالبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات.
وأشار التقرير إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً قائماً بذاته، بل يأتي ضمن رؤية أوسع تشمل التحول الرقمي، وتطوير منظومات تقنية قادرة على دعم الاقتصاد المعرفي، وتحسين كفاءة القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ويعكس هذا المشهد انتقال الصناديق الخليجية من دور المستثمر المالي إلى فاعل استراتيجي يسهم في توجيه مسارات التكنولوجيا العالمية، ويعيد تعريف العلاقة بين رأس المال السيادي والاقتصاد الرقمي.