علاقات » تركي

لماذا انضمّت تركيا إلى «اتفاقية مكّة»؟

في 2026/08/19

تونج أكوتش -  Harici Media

من الأفضل فهم قرار تركيا الانضمام إلى «اتفاقية الدفاع المشترك» مع السعودية وباكستان، لا بوصفه محاولة لبناء «كتلة سنّية» جديدة في مواجهة خصم واحد، بل باعتباره جزءاً من جهد تركي أوسع لتحويل فكرتين تزدادان أهمية، هما السيادة الإقليمية والاستقلالية الاستراتيجية، إلى إطار أمني مؤسسي.

بالنسبة إلى أنقرة، يتجاوز الميثاق مسألة الدفاع الجماعي. فهو يمنح تركيا فرصة للمساهمة في تشكيل بنية أمنية إقليمية ناشئة، وتعميق التكامل في الصناعات الدفاعية مع شريكين رئيسيين، وتوسيع نطاق نفوذها الجيوسياسي من الخليج إلى القرن الأفريقي، ووضع نفسها داخل الآليات التي ستحدد بصورة متزايدة الأمن في البحر الأحمر والشرق الأوسط الأوسع.

وبالتالي، لا يتعلق الحساب ببساطة بمن صُمّم الميثاق لردعه، بل يتعلق أيضاً بالموقع الذي تريد تركيا أن تحتله في نظام إقليمي يصبح أقل اعتماداً على قوة خارجية واحدة.

الحساب الأساسي لأنقرة: إقليمية الأمن

إن الإطار الذي استخدمه وزير الخارجية حقان فيدان حتى قبل توقيع الاتفاقية كاشفٌ في هذا الصدد؛ فمن وجهة نظر أنقرة، لا ينبغي للدول الإقليمية أن تضطر باستمرار إلى استدعاء «هيمنة» خارجية لحل مشكلاتها الأمنية. بل ينبغي لها أن تطوّر، في ما بينها، قدراً أكبر من التضامن والثقة والمؤسّسية.

ومن منظور تركيا، لا تشكّل «اتفاقية مكّة» بديلاً من حلف شمال الأطلسي «الناتو». إنه طبقة إضافية من الأمن، تكمل تحالفات تركيا القائمة، في الوقت نفسه الذي توسّع فيه هامش المناورة أمام أنقرة في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا النهج مدفوعاً ببيئة أمنية سريعة التغير. فالحرب مع إيران، وهجمات الصواريخ والطائرات المُسيّرة على دول الخليج، والضغط الحوثي في البحر الأحمر، وتزايد التساؤلات بشأن مدى قابلية المظلة الأمنية الأميركية للتنبؤ، كلها عوامل تدفع الدول الإقليمية إلى تطوير قدر أكبر من القدرة الأمنية الذاتية.

وقد اختارت تركيا ألّا تبقى خارج هذا التحوّل. بل وضعت نفسها في صميمه منذ تأسيسه.

ويمنح ذلك أنقرة فرصة للمساعدة، منذ البداية، في تشكيل القواعد والمعايير وإجراءات صنع القرار في بنية أمنية يمكن أن تتوسّع مستقبلاً. كما أن وصف فيدان لتركيا والسعودية وباكستان بأنها «الدول الأساسية» في المبادرة، إلى جانب قوله إن الميثاق يمكن أن ينفتح في نهاية المطاف أمام دول أخرى، يشير إلى أن أنقرة تنظر إليه باعتباره شيئاً أكبر من ترتيب مؤقّت لمواجهة أزمة.

الجائزة الأكثر ملموسية: الصناعات الدفاعية والتكامل العسكري

بالنسبة إلى تركيا، قد تظهر بعض أوضح فوائد الميثاق في قطاع الصناعات الدفاعية. فإطار التنفيذ الذي أعلنته وزارة الدفاع الوطني التركية لا يشمل فقط شراء الأسلحة والمنظومات، بل أيضاً التطوير المشترك، والإنتاج المشترك، والتعاون التكنولوجي، والصيانة، والدعم اللوجستي. وقد أُدرجت المنظومات غير المأهولة والمستقلة، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي تحديداً ضمن مجالات الأولوية.

وينسجم هذا النموذج بصورة وثيقة مع استراتيجية صادرات الدفاع التي طوّرتها تركيا خلال العقد الماضي. فلم تعد أنقرة مهتمّة فقط ببيع المُنتجات الجاهزة. وهي تسعى بصورة متزايدة إلى إنشاء أسواق مُستدامة من خلال الإنتاج المشترك، ونقل التكنولوجيا، والصيانة الطويلة الأمد، ومنظومات صناعية أوسع.

وتُعد السعودية، في هذه المعادلة، عميلاً رئيسياً ومصدراً قوياً لرأس المال في آن واحد. فميزانية الرياض الدفاعية الكبيرة وهدفها المتمثل في توطين إنتاج الصناعات الدفاعية يخلقان فرصاً للتصنيع المشترك والاستثمار على نطاق واسع، بمشاركة الشركات التركية. ويُعد التعاون بين «بايكار» والسعودية بالفعل أحد الأمثلة الأولى على ذلك.

ويمكن لاتفاقيّة مكّة أن تنقل مثل هذه العلاقات إلى ما هو أبعد من العقود التجارية الفردية، وأن تدمجها ضمن إطار سياسي وعسكري أوسع.

أمّا باكستان فتقدّم شيئاً مختلفاً؛ فهي تمتلك جيشاً كبيراً وذا خبرة قتالية واسعة، وخبرة متقدّمة في مجال الصواريخ والدفاع الجوي، وخبرة عملياتية واسعة في استخدام المنظومات الصينية، فضلاً عن عقود من التعاون العسكري مع تركيا.
ومن منظور الصناعات الدفاعية التركية، يجمع الهيكل الثلاثي، بالتالي، رأس المال الخليجي والقدرات العسكرية الباكستانية والقدرات التركية السريعة التطور في مجال الإنتاج التكنولوجي ضمن منصة واحدة.

وتكتسب التدريبات البرية والبحرية والجوية المنصوص عليها في الاتفاقية أهمية مماثلة. وكذلك الجهود الرامية إلى تطوير قابلية التشغيل البيني في مجالات مثل الدفاع الجوي والطائرات المُسيّرة وأنظمة الاتصالات.

وبالنسبة إلى أنقرة، قد يعني ذلك فرصة لمواءمة المنظومات التركية مع مخزونات الأسلحة وهياكل القيادة لدى قوتين عسكريتين إقليميتين رئيسيتين، واختبارها ميدانياً، والمساعدة في وضع معايير التصدير المستقبلية. وإذا توسّع الميثاق لاحقاً ليشمل دولاً إضافية، فإن المعايير التي يجري وضعها اليوم داخل الإطار الثلاثي يمكن أن تمتد إلى سوق أوسع بكثير. ومن شأن ذلك أن يمنح الصناعات الدفاعية التركية تأثيراً مضاعفاً كبيراً.

من الخليج إلى القرن الأفريقي

المكسب الرئيسي الثاني لتركيا هو جيوسياسي. فأنقرة لديها بالفعل قوات في قطر، وتدير إحدى أكبر قواعدها العسكرية في الخارج في الصومال، وتنشط على امتداد حزام أمني واسع يمتد من شرق البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي.

ويمكن لشراكة دفاعية مؤسسية مع السعودية أن تحوّل هذا الحضور من سلسلة من العلاقات الثنائية المنفصلة إلى جزء من نظام إقليمي أوسع. ومن شأن ذلك أن يزيد الثقل السياسي والعسكري لتركيا، ولا سيما في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي. كما يمكن للعلاقات الأوثق مع الرياض أن تقرّب أنقرة من مركز صنع القرار الإقليمي.

وقد انخرطت تركيا والسعودية خلال السنوات الأخيرة في مجموعة متزايدة من القضايا، من الدفاع واللوجستيات إلى سوريا والسودان والصومال. وتنقل اتفاقية مكّة هذا التقارب إلى ما هو أبعد من العلاقات بين الزعماء، من خلال تثبيته في لجنة سياسية-عسكرية استراتيجية دائمة تضم وزيري الخارجية والدفاع ورئيسي هيئة الأركان. كما يُخطّط لإنشاء أمانة دائمة في السعودية.

وتوقّع تركيا واضح: فبدلاً من الاعتماد على تنسيق مخصّص لا ينشط إلا عند اندلاع أزمة، تريد أنقرة أن يكون لها مقعد داخل آلية تعمل بصورة مستمرة.

البحر الأحمر جزء من الاستراتيجية نفسها

ينبغي النظر إلى دعم تركيا للتحالف البحري للدفاع عن البحر الأحمر بقيادة السعودية باعتباره البعد البحري للاستراتيجية نفسها. فالأولوية لدى أنقرة ليست، في المقام الأول، الدخول في حرب مباشرة مع الحوثيين، بل تريد أن تصبح إحدى الدول المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بأمن ممر باب المندب–البحر الأحمر–قناة السويس.

وقد ربط فيدان هذه المسألة صراحة بالمصالح التجارية. فإغلاق طريق البحر الأحمر سيؤثّر مباشرة في تركيا، لأن حصة مهمة من التجارة المرتبطة بآسيا وشرق أفريقيا تصل إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس. وبالتالي، لا تتعلق المسألة بالنسبة إلى أنقرة بحماية السفن فحسب، بل بوجودها على طاولة المفاوضات أثناء تشكيل الترتيبات الأمنية التي تحكم هذا الممر الاستراتيجي المؤدي إلى البحر المتوسط. كما يمنح هذا الإطار القوات البحرية التركية فرصة لتطوير قدراتها على تنفيذ العمليات في الخارج، وتسيير الدوريات المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والوصول اللوجستي.

إذاً، من تستهدف الاتفاقية؟

لا يبدو أن اتفاقية مكّة تستهدف دولة واحدة بعينها بصورة واضحة لا لبس فيها. لكن منطقها الاستراتيجي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهواجس متوازية تتشاركها، بدرجات متفاوتة، أنقرة والرياض وإسلام آباد: الموقف الإقليمي المتزايد العدوانية لإسرائيل واتساع بصمتها العسكرية، ونفوذ إيران في أنحاء الشرق الأوسط. وقد شدّد المسؤولون الأتراك والسعوديون والباكستانيون مراراً على أن الاتفاقية دفاعية وليست موجهة ضد دولة محددة.

ومع ذلك، يمكن فهم الميثاق باعتباره محاولة لإنشاء توازن أوسع للقوى: توازن قادر على رفع كلفة المزيد من التوسع العسكري الإسرائيلي والتحرك الأحادي في المنطقة، مع الحد، في الوقت نفسه، من المجال الاستراتيجي المُتاح لإيران وشبكات حلفائها. وبالنسبة إلى تركيا، تكتسب هذه المعادلة المزدوجة للتوازن أهمية تحديداً لأن أنقرة لا تريد أن تجد نفسها محصورة داخل كتلة معلنة معادية لإيران أو لإسرائيل. وبدلاً من ذلك، تسعى إلى إطار أمني إقليمي مرن قادر على تقييد مصدري عدم الاستقرار كليهما، من دون إجبار تركيا على قطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية القائمة.

وهناك تمييز مهم آخر: فالاتفاقية لا تعتمد على هياكل القيادة التابعة للقيادة المركزية الأميركية، أو «سنتكوم»، التي أدّت دوراً رئيسياً في دمج رادارات الدفاع الجوي الخليجية في مواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المُسيّرة الإيرانية. وفي الوقت نفسه، تستبعد إسرائيل، التي تقف في قلب اتفاقيات أبراهام، وهي أحدث مشروع تحالف إقليمي لواشنطن.

وببقائه خارج كلا الهيكلين، يعقّد الميثاق الحجة القائلة إنه مجرد غطاء لـ«محور سنّي» معادٍ لإيران. وما يبرز بدلاً من ذلك هو منطق التوازن لا المواجهة المباشرة. ومن منظور تركيا، يبدو من المنطقي أيضاً السعي إلى موازنة إسرائيل، وهي قوة نووية تتعارض مصالح أنقرة الجيوسياسية معها بصورة متزايدة في المنطقة، من خلال علاقة استراتيجية أوثق مع قوة نووية أخرى مثل باكستان.

ما الذي تتوقّعه تركيا في نهاية المطاف؟

يمكن في نهاية المطاف جمع توقّعات تركيا من اتفاقية مكّة حول ثلاثة أهداف: التحوّل إلى فاعل إقليمي ومؤسسي في مجال الأمن، وفتح قنوات جديدة لرأس المال والأسواق أمام صناعاتها الدفاعية، وتوسيع نفوذها الاستراتيجي على امتداد ممر الخليج–البحر الأحمر–القرن الأفريقي.

ولا شك في أن بند الدفاع الجماعي مهم بالنسبة إلى أنقرة. لكنّ القيمة الأساسية للميثاق على المدى القريب تكمن بدرجة أقل في ضمانة تلقائية للحرب، وبدرجة أكبر في التنسيق السياسي والعسكري المنتظم، والتدريبات المشتركة، والتكامل التكنولوجي، وآليات الإنتاج المشترك. ولهذا السبب، فإن حسابات تركيا أوسع من مجرد الانضمام إلى جبهة مباشرة ضد إيران.

وتسعى أنقرة إلى بناء بنية مرنة لقوة إقليمية متوسطة تستطيع الاستجابة للمخاوف الأمنية السعودية من دون قطع العلاقات مع إيران بصورة كاملة؛ والحفاظ على عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي من دون جعلها معتمدة بالكامل على الولايات المتحدة؛ والجمع بين علاقتها العسكرية الراسخة مع باكستان ورأس المال الخليجي.

وإذا توسّع الميثاق ليشمل أعضاء جدداً مثل مصر، وأصبحت آلياته المؤسسية عاملة بصورة كاملة، فلن تكون تركيا قد انضمت فحسب إلى تحالف ثلاثي، بل ستكون قد أصبحت إحدى الدول المؤسّسة لبنية أمنية إقليمية ناشئة. وهنا تحديداً يكمن المكسب الاستراتيجي الرئيسي لأنقرة.