علاقات » تركي

بين الخليج وتركيا.. هل ينهي الربط الدولي أزمة كهرباء العراق؟

في 2026/05/27

يوسف حمود - الخليج أونلاين

وسط صيف يقترب مبكراً بأحمال كهربائية مرتفعة، عاد ملف الكهرباء في العراق إلى واجهة المشهد مجدداً، مع إعلان بغداد اقتراب إنجاز مشروع الربط الكهربائي الخليجي بنسبة 94%، بالتزامن مع تحركات عاجلة لإعادة تشغيل سفن التوليد التركية التابعة لشركة "كارباورشيب"؛ في محاولة لتفادي انهيارات جديدة في الشبكة الوطنية خلال أشهر الذروة.

وتأتي هذه التحركات بينما يواصل العراق، منذ سنوات، البحث عن حلول خارجية لأزمة الكهرباء المزمنة، عبر الربط مع دول الجوار أو استيراد الغاز والطاقة أو اللجوء إلى المحطات العائمة، في ظل نمو الطلب المحلي وتراجع كفاءة عدد من محطات التوليد والبنية التحتية، إضافة إلى تأثيرات التوترات الإقليمية على إمدادات الوقود والطاقة.

ويُنظر إلى مشروع الربط الخليجي، إلى جانب التعاون مع تركيا وإيران، باعتباره جزءاً من استراتيجية عراقية لتقليل الاعتماد على مصدر واحد للكهرباء والطاقة، خصوصاً بعد الأزمات المتكررة التي شهدتها البلاد خلال فصول الصيف الماضية، عندما تسببت الانقطاعات الواسعة باحتجاجات شعبية وضغوط سياسية كبيرة على الحكومات العراقية المتعاقبة.

مشروع الربط الخليجي 

أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، في 17 مايو 2026، أن نسبة الإنجاز في مشروع الربط الكهربائي الخليجي وصلت إلى 94% داخل الأراضي العراقية، ضمن مشروع استراتيجي يربط محطة الوفرة في الكويت بمحطة الفاو جنوب العراق عبر خط جهد "400 كيلوفولت"، بطول إجمالي يبلغ نحو 285 كيلومتراً.

وقالت الوزارة إن المرحلة الأولى من المشروع ستوفر نحو 500 ميغاواط قابلة للزيادة مستقبلاً، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز استقرار الشبكة الوطنية وتقليل الضغط على منظومة التوليد المحلية خلال فترات الذروة الصيفية، خصوصاً في محافظات الجنوب العراقي الأكثر استهلاكاً للطاقة.

وبحسب البيان الرسمي، يتضمن المشروع إنشاء 221 برج نقل داخل العراق، تم تركيب 112 برجاً منها حتى منتصف مايو، إلى جانب تنفيذ أعمال هندسية معقدة لعبور شط البصرة باستخدام أبراج يصل ارتفاعها إلى 185 متراً، بمشاركة فرق فنية عراقية ودولية.

ويعد مشروع الربط الخليجي أحد المشاريع التي بدأ العمل عليها منذ سنوات ضمن هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي، التي أسست عام 2001، وتدير شبكة ربط تتجاوز أطوالها 1000 كيلومتر بين دول الخليج، بهدف تبادل الطاقة وتعزيز استقرار الشبكات الكهربائية الإقليمية.

سفن الكهرباء التركية

بالتزامن مع تقدم مشروع الربط الخليجي، كشفت مصادر في وزارة الكهرباء العراقية، يوم 21 مايو 2026، أن بغداد تتحرك بشكل عاجل لإعادة تشغيل سفينة توليد الكهرباء التركية التابعة لشركة "كارباورشيب"، بعد تصاعد أزمة النقص الكهربائي وارتفاع الأحمال مع دخول الصيف.

ووفق التصريحات المنشورة عبر منصة "الطاقة" المتخصصة، فإن العراق كان قد استأجر خلال 2025 باخرتين لتوليد الكهرباء بقدرة تقارب 300 ميغاواط لكل سفينة، قبل انتهاء العقد وسحب إحدى السفينتين، مع إبقاء الأخرى قرب المياه العراقية بانتظار تجديد التعاقد الرسمي.

وأوضحت المصادر أن الحكومة العراقية باتت ترى في السفن العائمة "حلاً سريعاً ومرناً" لتغطية العجز المؤقت، خصوصاً مع تعثر بعض مشاريع التوليد المحلية، وصعوبة الحصول على بدائل سريعة في ظل التوترات الإقليمية وتعقيدات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

وتعود علاقة العراق مع شركة "كارباورشيب" التركية إلى عام 2008، عندما وقعت بغداد أول اتفاق لتشغيل ثلاث سفن كهربائية عائمة بقدرة إجمالية بلغت نحو 520 ميغاواط، في واحدة من أقدم تجارب المنطقة العربية في الاعتماد على محطات التوليد البحرية المتنقلة.

شبكة علاقات كهربائية معقدة

لا يعتمد العراق على مشروع الربط الخليجي فقط، بل يتحرك ضمن شبكة واسعة من مشاريع الربط الإقليمي، تشمل خطوطاً مع إيران وتركيا والأردن؛ في محاولة لمعالجة العجز المزمن الذي يواجه قطاع الكهرباء منذ أكثر من عقدين.

ويرتبط العراق فعلياً بإيران عبر خطوط لنقل الكهرباء واستيراد الغاز المستخدم في تشغيل محطات التوليد، فيما أعلنت بغداد خلال السنوات الماضية مشاريع ربط إضافية مع الأردن وتركيا، ضمن خطط تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على طرف واحد.

وفي مارس 2024، أعلن العراق وتركيا تشغيل خط ربط كهربائي بقدرة أولية بلغت 300 ميغاواط عبر محطة "جزرة – كسك" شمال العراق، مع خطط لرفع القدرة لاحقاً، بينما تواصل بغداد التفاوض مع طهران بشأن استمرارية إمدادات الغاز والكهرباء رغم العقوبات الأمريكية.

حلول خارجية عاجلة

كما يعمل العراق على تنفيذ مشاريع داخلية لزيادة الإنتاج المحلي، بينها محطات غازية ودورات مركبة ومشاريع للطاقة الشمسية، إلا أن التحديات المالية والفنية والبيروقراطية، إضافة إلى ارتفاع الطلب السنوي، أبقت البلاد معتمدة على حلول خارجية عاجلة لتفادي الانهيارات المتكررة.

ويقول المختص في شؤون الطاقة حمدي ثابت، إن التحركات الأخيرة التي اتخذتها وزارة الكهرباء العراقية، سواء عبر تجديد عقود سفن التوليد التركية العائمة "كارباورشيب" أو تسريع مشروع الربط الكهربائي الخليجي، تمثل إجراءات عاجلة لتخفيف الضغط على المنظومة الكهربائية خلال الصيف، أكثر من كونها حلولاً جذرية قادرة على إنهاء أزمة الكهرباء المزمنة في العراق.

وأضاف العبيدي أن الحكومة العراقية تسعى، من خلال هذه التحركات، إلى "تنويع مصادر استيراد الطاقة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد في ظل التحديات الإقليمية والتذبذب المستمر في الإمدادات"، مشيراً إلى أن هذا التوجه يمنح بغداد هامشاً أوسع لإدارة ملف الطاقة وتفادي أي انقطاعات مفاجئة قد تؤثر على استقرار الشبكة الوطنية.

وأوضح، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن العراق يحتاج إلى أكثر من 35 ألف ميغاواط لتأمين الكهرباء بشكل مستقر، بينما لا تزال المنظومة تعاني عجزاً يتجاوز 10 آلاف ميغاواط، لافتاً إلى أن المرحلة الأولى من الربط الخليجي بقدرة 500 ميغاواط، إلى جانب إنتاج السفن التركية، قد تسهم في تقليل حدة الأزمة خلال أوقات الذروة، لكنها لن تنهي المشكلة بصورة كاملة.

وأشار العبيدي إلى أن جزءاً كبيراً من أزمة الكهرباء يرتبط بتهالك شبكات النقل والتوزيع وارتفاع نسب الهدر الفني والتجاوزات، مؤكداً أن معالجة الملف بشكل مستدام تتطلب تحديث البنية التحتية الداخلية وتطوير شبكات التوزيع، واستثمار الغاز المصاحب لتشغيل محطات التوليد المحلية بدلاً من الاعتماد المستمر على الحلول الخارجية.

وأكد أن مشاريع الربط الكهربائي الدولي تمثل خطوة داعمة لاستقرار المنظومة، لكنها تحتاج، بالتوازي مع إصلاحات داخلية واسعة، إلى تحقيق نتائج ملموسة على مستوى ساعات التجهيز وتحسين الخدمة للمواطنين.

أرقام تكشف حجم الفجوة

وتواجه الشبكة الكهربائية العراقية فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ يتجاوز الطلب خلال الصيف أحياناً 40 ألف ميغاواط، بينما يتراوح الإنتاج الفعلي بين 25 و28 ألف ميغاواط في أفضل الأحوال، وفق بيانات وزارة الكهرباء العراقية وتقارير الطاقة الإقليمية.

وتشير تقارير حكومية عراقية إلى أن جزءاً كبيراً من شبكة التوزيع والنقل يعاني من التقادم والفاقد الفني، فيما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة خلال الصيف إلى زيادة الاستهلاك بشكل حاد، خاصة مع الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف.

كما تسببت الهجمات السابقة على خطوط نقل الكهرباء ومحطات الطاقة، إضافة إلى نقص الوقود والغاز في بعض الفترات، بتراجع الاستقرار الكهربائي، ما دفع الحكومات العراقية المتعاقبة إلى الاعتماد على الاستيراد والربط الخارجي كحلول سريعة.

وفي هذا السياق، ترى بغداد أن مشاريع الربط الإقليمي، سواء مع الخليج أو تركيا أو الأردن، ستمنح الشبكة العراقية مرونة أكبر في مواجهة الطوارئ والانقطاعات، خصوصاً مع التوقعات بارتفاع الطلب مستقبلاً نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني.

وكانت هيئة الربط الكهربائي الخليجي قد أعلنت، في سنوات سابقة، أن المشروع مع العراق سيبدأ بطاقة 500 ميغاواط قابلة للرفع إلى أكثر من 1800 ميغاواط في مراحل لاحقة، بحسب توسع الشبكات واحتياجات السوق العراقية.